; التحيز ضد المسلمين في أوروبا … يسلبهم الخيارات والحريات الأساسية | مجلة المجتمع

العنوان التحيز ضد المسلمين في أوروبا … يسلبهم الخيارات والحريات الأساسية

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 26-مايو-2012

مشاهدات 100

نشر في العدد 2004

نشر في الصفحة 34

السبت 26-مايو-2012

«منظمة العفو الدولية»، اعتبرت قرار فرنسا منع الرموز الدينية «تشمل الخمار» في المدارس منذ ٢٠٠٤ م تمييزا عنصر يا ضد الطالبات المسلمات

كلوديو كوردون : هناك حاجة لاتخاذ إجراءات في جميع أنحاء أوروبا المكافحة التمييز وتعزيز دمج المسلمين بالمجتمعات الأوروبية

«ماركو بيروليني » : التشريع الأوروبي يبدو غير فعال لأننا نشهد معدلا مرتفعا جدا للبطالة في صفوف المسلمين ولا سيما لدى المسلمات من أصل أجنبي 

في هولندا بلغت نسبة النساء من أصل تركي أو مغربي اللائي يعملن بين ٢٧% و ٣١% بالمقارنة بالهولنديات ٥٦%

مازالت أحوال المسلمين في أوروبا تحظى باهتمام الأطراف المتباينة من متطرف يسعى لطردهم، ومن منصف يدافع عن وجودهم. وفي أبريل هذا العام، نددت «منظمة العفو الدولية» بـ«التمييز» ضد المسلمين في دول أوروبية، وتوظيف الأحكام المسبقة ضد المسلمين لتحقيق مصالح سياسية، ودعت المنظمة، في تقرير من ۱۲۳ صفحة صادر يوم ٢٤ أبريل هذا العام، ويحمل عنوان «خيار وإساءة: التمييز ضد المسلمين في أوروبا»، دعت إلى بذل مجهود أكبر المواجهة السلوك السلبي ضد المسلمين، الذي يؤجج التمييز خصوصا في المؤسسات التعليمية وأماكن العمل. ركز التقرير (۱) على فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وسويسرا في قضايا مرتبطة بالحجاب والمساجد ، وقال «ماركو بيروليني»، الخبير في شؤون التمييز في منظمة العفو: إنه «بدلًا من التصدي لهذه الأحكام المسبقة فإن الأحزاب السياسية والمسؤولين يعملون فقط على الحصول على أصوات الناخبين».

 ويختلف توزيع المسلمين في أوروبا ، فهناك دول المسلمون فيها أصليون، وقد ثبتت أقدامهم؛ مثل روسيا والبوسنة وكوسوفا وألبانيا، وفي دول أخرى فالغالبية هم مهاجرون، رغم أن أكثر من نصفهم من الجيل الثاني والثالث ولد هناك، والغالبية مثلما في فرنسا وبلجيكا وهولندا قد حصلوا على جنسية الوطن، ومنذ العقد الماضي قامت بعض الأحزاب الأوروبية بحرب ضد المسلمين وصورتهم هم ودينهم وثقافتهم سلبيًا.

الحجاب والعمل

وتقرير «منظمة العفو الدولية» يعرض مدى تعرض المسلمين في الدول الأوروبية المذكورة للتمييز السلبي بسبب الدين وأوضح كيف يؤدي التصور النمطي السلبي عن المسلمين إلى معاناتهم في مجالي التعليم والتوظيف، خاصة للنساء المسلمات اللاتي يرتدين ما ينبئ عن دينهم.. وقالت المظمة: إن ارتداء زي معين سواء كان مرتبطًا بدين أو عادة هو من صميم حق الإنسان في التعبير عما يعتقد بحرية، وإن لكل شخص الحرية الكاملة لتقرير ذلك، وترى المنظمة أن منع أي شخص من ارتداء ما يعتقده هو مخالفة لتلك الحرية المكفولة في النظام الديمقراطي وعرضت المنظمة لآراء وقصص عن مسلمات أوروبيات قابلتهن.

الآنسة «ر» من بلجيكا: بعد استكمال تدربها في مجال السياحة، بحثت عن وكيل سياحة للعمل، وفي كل مرة تلقى قبولا إيجابيا خلال المحادثة التليفونية، ولكن حين المقابلة معها وجها لوجه تسأل عما إذا كانت مستعدة لخلع غطاء رأسها« الذي يسمى أحيانا بالحجاب؟» يقال لها: لا نستطيع توظيفك في واجهة الوكالة؛ لأننا لا نريد فقد الزبائن وأحيانا يقال لها: إن زملاء العمل لا يشعرون بالراحة من وجود «محجبة» بينهم اتصلت الفتاة بأكثر من أربعين وكالة سياحية في بلجيكا، ودائما ما يقال لها بدون خجل: إن الحجاب «غطاء الرأس» غير مرغوب فيه!

 يشرح هذا المثال-كما في تقرير المنظمة-لماذا تكون نسبة المسلمين العاملين أقل من غيرهم في دول أوروبية كثيرة، وللمسلمات فالأمر أكثر مرارة، على سبيل المثال في ٢٠٠٦م في هولندا، فإن نسبة النساء من أصل تركي أو مغربي اللائي يعملن هي ۳۱%و ۲۷%بالترتيب بالمقارنة بالهولنديات ٥٦% وتقول المنظمة إنه في دول مثل بلجيكا وفرنسا وهولندا وسويسرا، فإن المسلمين وخاصة النساء يعانون من تفرقة بسبب الزي أو الرموز الدينية التي تدل على إسلامهم، وهذا مخالف للقوانين المحلية والقوانين الأوروبية وهو ما يقلك المنظمة، أما في سويسرا فللأسف لا توجد تعريفات واضحة أو قوانين كافية ضد التفرقة الدينية في مجال العمل، والذي يقع عليه الضرر لا يجد من يعين. 

السيدة «أميل» من فرنسا : اختصاصية اجتماعية، لها خبرة لعدة سنوات، قررت منذ عامين ارتداء الخمار، وتجد صعوبة بالغة للحصول على عمل وتقدمت لوظائف كثيرة المنظمات غير ربحية، وفي المقابلات كان يقال لها : إنها فعلا ملائمة جدا للوظيفة، ولكن عليها أن تخلع غطاء الرأس وحينما سألت عن السبب قيل لها : «حتى نضمن الحيادية كيف تستطيعين أن تقنعي إحدى النساء المسلمات إذا أتتك وهي ضحية عنف منزلي أن تخلع هي غطاءها حتى تجد عملا وتصبح مستقلة ماديًا ؟!..

الحجاب والتعليم

في العقد الماضي، منعت الطالبات في كثير من دول أوروبا «إسبانيا، فرنسا، بلجيكا سويسرا، هولندا وتركيا» من إبراز هويتهن الدينية أو الثقافية كارتداء خمار الرأس.. إن المفهوم هو أنه من حق الطالبة أن تلبس أي رموز دينية في المدرسة، وأن أي تقلص من هذا الحق لا يكون جماعيا وإنما تدرس كل حالة على حدة إذا وجدت مصلحة ما في ذلك مثل الأمن العام والصحة العامة، وبالنسبة الحقوق الأطفال في التعبير عن دينهم، تقول منظمة الأمم المتحدة: إن مصلحة الطفل هي في المقام الأول للرعاية، وإن منعه من لبس أو اتخاذ رموز دينية لا بد من اتخاذه عن طريق الاستشارة التفصيلية مع الوالدين.

في مقاطعة فلانديرز في بلجيكا بعد المنع العام في المدارس الحكومية لأي رمز ديني أو فلسفي أو سياسي في عام ٢٠٠٩م، قام بعض الطالبات بدعوى ضد القرار ولا يزال ينظر فيه. في فرنسا منعت الرموز الدينية «تشمل الخمار» في المدارس منذ ٢٠٠٤م، وتقول «منظمة العفو»: إن هذا تمييز عنصري ضد الطالبات المسلمات وضد ممارستهن الحرية التعبير عن الرأي والاعتقاد الديني هؤلاء الطالبات يرتدين ما يعتقدن دون أي ضغوط عائلية، وتقول المنظمة إن المنع العام خطير للغاية خاصة إذا أدى إلى خروج الطالبات من التعليم برمته. وإذا تحججت السلطات في فرنسا بالحاجة إلى ترسيخ قاعدة العلمانية اللادينية في التعليم، فإن المنظمة تقول: إن «العلمانية» ليست هدفًا قانونيًا شرعيًا» تحت مظلة قانون حقوق الإنسان لتقليص حقوق حرية التعبير والاعتقاد .

وفي بعض مدارس إسبانيا وهولندا ، فهناك تقليص لارتداء الزي الديني، وفي هذا عدم احترام الإرادة الطفل أو مصلحته، وفي إسبانيا مثلا، فإن طالبة «١٦عامًا» منعت من حضور دراستها الثانوية في منطقة بمدريد لارتدائها غطاء الرأس، وفي هولندا منعت طالبة كانت منتظمة في مدرسة كاثوليكية لنفس السبب وفي كلا الحالتين اضطرت الطالبتين لتغيير المدرسة.

خلال الأعوام الماضية، فإن احتمالات منع ارتداء النقاب كانت ومازالت محل نقاش وجدال في دول أوروبية كثيرة، منها النمسا والبوسنة والدنمارك وسويسرا وبريطانيا وإيطاليا. أما فرنسا وبلجيكا فإن المنع قد صار بالفعل، وفي هولندا تقدمت الحكومة بقانون مشابه في فبراير هذا العام للمناقشة في البرلمان، تقول المنظمة: إن هذا المنع فيه «انتهاك» لحرية التعبير والاعتقاد، وترد على الحجج الواهية مثل ضرورة معرفة الشخصية والمساواة بين الجنسين والتأكد من عدم لبس النساء بإكراه من الزوج أو الأب.

التضييق على المساجد

إن حق إقامة أماكن للعبادة هو جزء من حق حرية الاعتقاد، وفي أوروبا خلال العنصرية والمساجد، وكذلك عمل الأحزاب السياسية والتصور النبطي الخاطئ عن المسلمين أدى إلى بعض المقاومة لبناء المساجد من قبل بعض الجماهير.

في سويسرا، وصل الأمر لأن يوضع مبدأ في الدستور عن منع بناء المآذن وذلك بعد استفتاء شعبي عام ۲۰۰۹م حيث صوت ٥٧%لصالح المنع، وكانت الأحزاب العنصرية وراء ذلك، حزب الشعب السويسري والتكتل الديمقراطي، رغم أن الحكومة والبرلمان كانا ضد المنع، ولكن الحزبين حركا الجماهير وطبقا لإحصاءات منظمات التعاون الإسلامي في سويسرا يوجد هناك ۳۰۰ منظمة إسلامية و ۲۰۰ مركز إسلامي، ومعظمها أماكن ضيقة مؤجرة، ويوجد مسجد في كل من جنيف وزيورخ، وأربع مآذن في كل سويسرا، ومع ذلك فإن مناصري منع المآذن يدعون أن ذلك «لوقف أسلمة البلد»!

يقول «كلوديو كوردون»، مدير برنامج البحوث في منظمة العفو الدولية (٢): إن فشل منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية الأساسية في التصدي بقوة للاستفتاء في سويسرا كان خطأ جسيما بشكل جلي، وربما كان يمكن تحقيق بعض النجاح، في وجود مستويات أقل من التحامل والتعصب على المستوى العام، وذلك بالإحجام عن الدخول في مواجهة وعدم إتاحة المجال للآراء المعبرة عن كراهية الأجانب من خلال مناقشتها وتفنيدها .

 وأشار كثير من الخبراء القانونيين البارزين في سويسرا والعالم، على أن الحظر يتناقض صراحة مع التزامات سويسرا بمقتضى القانون الدولي في احترام حرية العقيدة وعدم التمييز على أساس المعتقدات الدينية وحتى إذا لم ترفض المحكمة الاتحادية العليا في سويسرا قرار الحظر، فإنه يكاد يكون من المؤكد أن «المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان» سوف ترفضه.

ملخص

يلخص «ماركو بيروليني»، الخبير في شؤون التمييز في منظمة العفو التقرير بقوله : إن هناك «نساء مسلمات يعانين من رفض توظيفهن، وتمنع شابات من الذهاب إلى المدرسة لمجرد أنهن يرتدين ملابس تقليدية مثل الوشاح»، وتابع «بيروليني»: «يمكن فصل رجال من أعمالهم لأنهم يطلقون لحاهم كما هو متبع لدى المسلمين».. ووفقا للتقرير، فإنه يسمح لأصحاب العمل في فرنسا وبلجيكا وهولندا بالتمييز ضد المسلمين بذريعة أن الرموز الدينية أو الثقافية تضايق الزبائن أو الزملاء».

وأعرب «بيروليني» عن اعتقاده بأن التشريع الأوروبي في هذا المجال «يبدو غير فعال؛ لأننا نشهد معدلا مرتفعا جدا للبطالة في صفوف المسلمين، ولا سيما لدى المسلمات من أصل أجنبي، وشددت المنظمة في التقرير على أن «حمل رموز أو ارتداء ملابس دينية أو ذات طابع ثقافي جزء من الحق في حرية التعبير»، وأضاف التقرير أن «منع ارتداء ملابس معينة ليس نهجا صحيحًا»، وأضافت المنظمة أن «الحظر العام قد يسيء إلى فرص تعليم الفتيات وينتهك حقهن في حرية التعبير»، وندد التقرير كذلك بالحرية المحدودة المتاحة للمسلمين لأداء الصلاة، وخاصة في سويسرا.

تحذير

ويحذر «كلوديو كوردون» من دعوات لانتهاج سياسات مماثلة في بلدان أوروبية أخرى، ويرى أن هناك حاجة لاتخاذ إجراءات أكثر شمولا في شتى أنحاء أوروبا من أجل مكافحة التمييز وتعزيز دمج المسلمين وغيرهم من جماعات المهاجرين في المجتمعات الأوروبية، وهناك حاجة أيضا لقدر أكبر من الالتزام من جانب القادة السياسيين، ومن جانب المجتمع المدني ومن جانب كل الأصوات المعتدلة والداعية إلى التسامح وذلك من أجل كشف الآراء المعبرة عن كراهية الأجانب والتصدي لها، ولابد من التأكيد على أن الفشل باهظ الثمن، فالتعصب يكمن في صميم التمييز، الذي يعد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان شيوعا ورسوخا في أوروبا، وهذا التمييز كفيل بتمزيق المجتمعات ومن بين جميع قارات العالم، يتعين على أوروبا بوجه خاص أن تدرك ذلك جيدًا.

الرابط المختصر :