العنوان التحولات الديموغرافية في البوسنة بعد الحرب
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2007
مشاهدات 58
نشر في العدد 1781
نشر في الصفحة 28
السبت 15-ديسمبر-2007
التغييرات الديموغرافية شملت ٤٧٥ قرية و ٦١ مدينة تم تدميرها نهائيًا أثناء الحرب
شهدت البوسنة في أثناء العدوان الذي تعرض له البوشناق المسلمون في الفترة من ١٩٩٢ - ١٩٩٥م تحولات كثيرة، لا سيما على الصعيد الديموغرافي، نتيجة للإبادة والتهجير الجماعي إبان فترة العدوان، وبعضها اقتصادي ناتج عن نزوح أهالي القرى للمدن بحثًا عن فرص للعمل، ما أحدث خلخلة في التركيبة السكانية، بجانب إفراغ أراض شاسعة من سكانها ...
تتطلب تلك الإفرازات الديموغرافية إستراتيجية اقتصادية وسياسية وقانونية لإعادة المهاجرين إلى ديارهم، ووقف حالة النزوح التي وصلت في بعض المناطق مثل أولوفو (٤٠ كلم شمال سراييفو) إلى ٥٠%
التوزع السكاني قبل العدوان
ولمتابعة تلك الجريمة الممتدة آثارها، لا بد من الوقوف على التوزيع السكاني للبوسنة قبل الحرب العرقية...
وتشير الإحصاءات السكانية في عام ۱۹۹۱م أن عدد سكان البوسنة كان يبلغ ٤.٣٦٤.٦٤٧ نسمة، يتوزعون على مساحة ٥١.١٩٧ كلم، منهم ٢.٢١٨.٨٥٦ بوشناقيًا مسلمًا أي: ٥٠.٨٤% و ۱.۳۸۹.۸۸۳ صربيًا أرثوذكسيًا، أي ٣١.٨٤% و ٧٥٥.٩.٨ كرواتيًا كاثوليكيًا أي ١٧.٣٢% [1].
وكانت هذه الأعداد موزعة في كل أنحاء البوسنة بشكل متفاوت بما لا يسمح بتحديد حدود طائفية بينها، وإن كانت هناك أغلبية لهذا الطرف أو ذلك في مدن وقرى البوسنة، ما لم يتم تنفيذ عملية إزالة عرقية بالجملة، وهو ما حدث فعلًا... وللأسف فإن الطرف الوحيد الذي كان يقاتل من أجل بوسنة موحدة ومتعددة الأعراق هم المسلمون، بينما كانت البوسنة بالنسبة للكروات والصرب مجرد قطعة أرض يجب تقسيمها بين صربيا وكرواتيا، وإلى اليوم لا يشعرون بأي انتماء للبوسنة ... ورغم الظلم الذي لحق بالمسلمين بعد انحسار الخلافة العثمانية عن منطقة البلقان، وانتزاع مساحات شاسعة من أراضيهم، بعد معاهدة برلين عام ١٨٧٨م، ثم حرب البلقان الأولى ۱۹۱۲ - ۱۹۱۳م، ثم الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ - ١٩١٩م وقيام المملكة الصربية الكرواتية السلوفينية، دون الإشارة إلى البوسنة في ذلك الوقت التي يعيش على أراضيها أكثر من مليون مسلم آنذاك وجريمة تجريد المسلمين من أملاكهم بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية ١٩٣٩ - ١٩٤٥م وقيام دولة يوغسلافيا الاتحادية الاشتراكية بزعامة جوزيف تيتو .. رغم ذلك كله بقي المسلمون يحتفظون بالنسبة الأعلى من الأراضي في البوسنة[2].
فإذا ضممنا مساحة الممتلكات الخاصة من الأراضي إلى ممتلكات الدولة التي تشغلها الطوائف الثلاث نجد أن البوشناق المسلمين يملكون ٥١.٩%، والصرب ٣١.٥% والكروات ١٦.٦% [3].
ووفقًا لإحصائية السكان لسنة ١٩٩١م ظل البوشناق المسلمون الأغلبية في البوسنة والهرسك، وهو ما يوضحه الجدول التالي عن عدد الأسر في البوسنة في تلك الحقبة.
الرقم | القومية | عدد الأسر |
١ | البوشناق | ٩٣٣.٥١٩ |
٢ | الصرب | ٢٥٢.٣٧٣ |
٣ | الكروات | ٢٥٢.٢٠٧ |
٤ | اليوغسلاف | ٣٠٧.٦٦ |
٥ | البقية | ٥٣٥.٢٨ |
٦ | الإجمالي | ٢٧٩.١٩٥.١ [4] |
حرب الإبادة وتغيير التركيبة الديموغرافية: وفي السادس من أبريل عام ١٩٩٢م انطلقت حرب الإبادة الجماعية في البلقان، والذي لم يكن هدفه الأوحد إقامة صربيا الكبرى وكرواتيا الكبرى فحسب بل القضاء على الإسلام والمسلمين في المنطقة، لذلك طال العدوان الوجود الديموغرافي للمسلمين والمساجد والمدارس وحتى مقابر المسلمين التي نظر إليها كمعالم ثقافية، حيث لم يكن التداخل الديموغرافي للطوائف في البوسنة يسمح بالتقسيم الآلي البلاد، بدون حرب إبادة ضد المسلمين...
وكان الرئيس الكرواتي السابق يردد: «لا يهمني أين يذهب المسلمون بل مصلحة الكروات فقط» وكان ميلوسيفيتش هو الآخر يؤمن بأن الحل في البوسنة يكمن في تقسيمها بين الضرب والكروات....
أدوات العدوان
اختلفت المصادر حول عدد القوات اليوغسلافية سنة ١٩٩١م، أي قبيل العدوان على البوسنة والتي تراوحت بين ٥٠٠.١٦٥ جندي و ١٨٠ ألف جندي من بينهم ٤٠ ألف ضابط وضابط صف، إضافة لنصف مليون من قوات الاحتياط، وكانت الدبابات والآليات العسكرية اليوغسلافية (العربية) التي تغادر كرواتيا وسلوفينيا تتجمع في البوسنة، لذلك كان حجم الكارثة يفوق الوصف.
وكان الجيش الصربي وحده يمتلك في البوسنة ٩٠٠ دبابة و ٨٥٢ مدفعًا و ٤٨ طائرة مقاتلة وعدد من طائرات الهيلوكبتر[5] وقد ظلت تلك الأسلحة بيد ضرب البوسنة بعد مسرحية خروج الجيش العربي في ١٩٩٤/٥/٤م، لكن الدعم بالسلاح والمتطوعين ظل سارياً حتى نهاية الحرب[6].
كما كان للكروات دور كبير في إستراتيجية التغييرات الديموغرافية، حيث اشتركوا عمليًا مع الصرب عام ١٩٩٣م في تنفيذ تلك الخطة.
وقد سجلت قوات «يوإنبروفور» وجود قوات عسكرية من كرواتيا في البوسنة في الفترة من ۱۹۹۲ - ١٩٩٤م، وقامت تلك القوات بعدة مذابح وعمليات تهجير للبوشناق المسلمين واغتصاب مثلها مثل الصرب رغم توقيعهم اتفاق صلح وتعاون مع المسلمين في عام ١٩٩٤م...
التغييرات الديموغرافية
فإلى جانب ٢٠٠ ألف ضحية قُتِلوا في الحرب من بينهم ٢٢ ألف طفل، هناك ٢٤٠ ألفًا جُرُحوا بعضهم معاقون من بينهم ٥٢ ألفًا طفل، بينما بلغ عدد المعاقين ١٦٠ ألف معاق من بينهم 4 آلاف طفل، فيما بلغ عدد المُهجَّرين ٢.٥ مليون مُهجَّر، بينما بلغ عدد المُهجَّرين داخل البوسنة ١.١ مليون حسب بعض المصادر، بينما تقدرهم مصادر أخرى بـ ٨٥٠ ألف مُهجَّر.
إضافة إلى ١٧ ألف مفقود، وقد انخفض هذا العدد إلى ١٢ ألفًا عام ٢٠٠٧م، حيث تم معرفة مصير الكثير منهم من خلال الجثامين التي عشر عليها داخل المقابر الجماعية، ونجم عن تدمير ٤٧٥ قرية، و ٦١ مدينة اثناء الحرب تغيير التركيبة الديموغرافية في البوسنة.
وقد بلغت نسبة الدمار الذي لحق بالوحدات السكانية في البوسنة عمومًا نتيجة العدوان ٣٦%، وتُقدَّر تكاليف إعادة بناء المساكن التي دمرت في أثناء العدوان بـ ٤٥ مليار دولار (عند نهاية الحرب)...
أما الخسائر في الثروة الحيوانية فتراوحت بين ٥٠-٧٠% من المزارع المنتجة كما تعرضت ٢٢٥٠ مدرسة للتدمير الكلي أو الجزئي..
ولا يتسع المقام لذكر جميع التحولات الديموغرافية في البوسنة بعد الحرب، ولكن سنذكر أمثلة من بعض المناطق التي احتلت فيها التركيبة العرقية، مع العلم أن أرقام ما بعد الحرب تقريبية حيث لم تجر عملية تعداد للسكان منذ عام ١٩٩١م، كما أن حركة المُهجَّرين في مد وجزر بسبب الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية، لكنها تبقى كارثية إذ إن من المفترض أن يزيد عدد السكان عما كان عليه قبل ١٨ سنة، ولا شك بأن إعادة المسلمين إلى ديارهم وضمان بقائهم يحتاج لجهود اقتصادية كبيرة ... وهناك مدن زاد عدد المسلمين فيها بشكل كبير مثل سراييفو، وبيهاتش، و زينتسا، وتوزلا، وغيرها، سواء عن طريق هجرة المسلمين إليها من المدن الواقعة تحت الإدارة الصربية حاليًا (الحكم الذاتي) حيث لا تتوفر لهم أي ضمانات أمنية أو اقتصادية أو غيرها، أو بسبب نزوح البعض من القرى إلى المدن بحثًا عن العمل في بلد يزيد عدد العاطلين فيه على نصف مليون نسمة.
[1] Zelena ptice: Suvad Hadzic
[2] نفس المصدر السابق
[3] Samir Sinanovic: AGRESIJA SR YUGOSLAVIJE IR HRVATSKE NA REPUBLKU BOS- NO I HERCEGOVINU: 1992-1995
[4] المصدر السابق
[5] انظر سمير سينانوفيتش (مصدر سابق)
[6] Omer Ibrahimagic: Bosna I Bosn jaci izmedo agresjan mir
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل