العنوان التحريض الغربي على الصحوة الإسلامية «1من 2»
الكاتب البروفيسور جون أسبوزيتو
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1994
مشاهدات 58
نشر في العدد 1096
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 19-أبريل-1994
وسط الحمى الإعلامية الغربية لتشويه صورة الإسلام والتوجهات السياسية
للإسلاميين لا تخلو بعض الدراسات الاستشراقية من نظرة موضوعية، تحاول معالجة
الظاهرة وبالعودة إلى جذورها وتحليل انطلاقاتها، وكشف زيف الافتراءات وتبديد غلواء
التحامل والاتهامات الباطلة.. ولعل الدراسة التي أعدها البروفيسور جون إسبوزيتو
لدورية «التاريخ المعاصر يناير 94» هي واحدة من بين هذه الدراسات القليلة التي
تحمل جنين الحقيقة، وترد بقوة على أطروحة: الخطر الإسلامي، والمغالاة في اتهام
الإسلاميين بالتطرف والإرهاب والمطالبة بحقهم في ممارسة العمل السياسي والانتفاع
بمكاسب التحول الديمقراطي الذي تشهده دول العالم دونما استثناء لأحد.
و«المجتمع» تهدف من وراء نشر هذه الدراسة التي حصلت على حق نشرها
بالعربية إلى تقديم «وجهة النظر الأخرى» حيث تعاضدت صفحات الإعلام الغربي والعربي
على حمل وجهة النظر الصهيونية المتحاملة على الإسلام والحركة الإسلامية.. ولعل هذا
السعي فيه رد للحق إلى نصابه وتحقيق بعض التوازن في دراسة الظاهرة.
«المجتمع» إن مساواة الإسلام والأصولية الإسلامية بدون تحليل انتقادي
للتطرف تعتبر حكماً صادراً فقط من أولئك الذين يتخذون أسلوباً تخريبياً ومدمراً
وهو أسلوب لم يطبقوه على اليهودية والمسيحية، إن هناك دروساً يجب الاستفادة منها
من عبر الماضي، حيث أعمى الخوف من الخطر السوفيتي الداهم بصيرة الولايات المتحدة
عن حقيقة التنوع الموجود داخل الكتلة السوفيتية، وجعلها تندفع مؤيدة وبدون تقدير
لخطواتها تلك الأنظمة الدكتاتورية «غير الشيوعية»، الأمر الذي ساعد العالم الحر
على أن يتحمل قمع حركات المعارضة المشروعة والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان
بواسطة تلك الحكومات التي اعتبرت أولئك المعارضين «شيوعيين أو اشتراكيين».
إنها أخطر القوى وأكبرها التي ترتجف من الرعب أمامها حكومات شمال
أفريقيا والعرب في كل مكان يتطلعون إليها لإنقاذهم من محنهم ومعاناتهم، هذه القوة
الخطرة ليست مصر أو العراق أو أية حكومة أخرى بكل تأكيد، ولكنها هي المسجد
المتواضع.
ادعاءات وتحريض.. في البدء كانت الأصولية
ابتداءً من آية الله الخميني والشيخ عمر عبد الرحمن ومروراً بإيران
والمركز التجاري الدولي، ظل زعماء الحكومات وصانعو القرار السياسي في الغرب والشرق
الأوسط يحذرون من خطر التطرف الإسلامي، وإذا كانت حقبة الثمانينيات قد انطبعت
بصورة السفارات التي تعرضت للمخاطر والرهائن الأمريكيين ومختطفي الطائرات، فإن
حقبة التسعينيات قد حفلت بالتكهنات بظهور حركات معارضة لها القدرة على استعمال
الأسلحة النووية واستخدام أسلوب الإرهاب الدولي، فالعناوين الرئيسية للصحف تعلن عن
إرهاصات ثورة إسلامية تعم العالم واحتمالات صدام بين الحضارات قد ينتهي بهيمنة
الإسلام على الغرب، ومشاهد وشاشات التلفزيون يروون أجساد القتلى من المسيحيين
الأقباط والسياح بواسطة «المتطرفين» في مصر، ويستمعون إلى تقارير عن معارك
ومواجهات بين «المتطرفين» وقوات الأمن الجزائرية، إن كل ما يؤجج نيران المحذرين
ومخاوفهم قد انعكس من خلال الإصدارات والمؤلفات والمؤتمرات التي اتخذت لها عناوين
مثل «جذور الغضب الإسلامي» و«الإسلام: المواجهة المميتة ضد المتطرفين» و«في انتظار
الغضب الإلهي: الأصولية الإسلامية والغرب».
لأكثر من أربعة عقود ظلت الحكومات تصيغ السياسات في عالم تسيطر عليه
المنافسة بين القوى العظمى، وهي المنافسة التي حددت أطر السياسة العالمية
والمستقبل من منظور الخطر الأيديولوجي أو العسكري الواضح الذي كان الاتحاد
السوفيتي يشكله، وفي أعقاب مرحلة ما بعد الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي
والتخلي عن الشيوعية ظهر «خطر الفراغ» الذي أعطى الفرصة للبحث عن أعداء جدد.
وبالنسبة لبعض الأمريكيين يعتبر الخطر القادم هو التحدي الاقتصادي الذي يشكله
اليابانيون أو المجموعة الأوروبية، وبالنسبة للبعض الآخر هو العالم الإسلامي الذي
يشكل فيه المسلمون البالغ تعدادهم البليون نسمة الأغلبية في أكثر من 48 دولة،
والذين يعتبرون في أوروبا وأمريكا من الأقليات التي تزداد وتنمو بسرعة مضطردة،
وينظر البعض إلى الإسلام باعتباره البديل الوحيد للغرب الذي بإمكانه تخطي الحواجز
والحدود السياسية، ويعتبرونه على هذا الأساس على النقيض من المجتمع الغربي من
الناحية السياسية والثقافية، لذلك يخشون منه بينما يعتبره البعض الآخر خطراً
ديمقراطياً «سكانياً» أيضاً.
إن حقبة التسعينيات على كل حال تكشف مدى التنوع والتعقيد الذي صاحب
الإسلام السياسي، وتشير إلى القرن الحادي والعشرين الذي سيشهد خلخلة واضطراباً في
المفاهيم والمسلمات الموجودة لدى الكثيرين، وفي الوقت الذي تنغمس فيه بعض المنظمات
الإسلامية في التطرف وتسعى إلى قلب الأنظمة الحاكمة، تقوم منظمات أخرى بالترويج
لأفكارها من خلال المواعظ والخطب والخدمات الاجتماعية، وتطالب بحقها المشروع في
الوصول إلى السلطة من خلال صناديق الاقتراع «Ballots» وليس من خلال صناديق الذخيرة «Bullets»، ولكن ماذا عن التطرف الإسلامي؟ هل ستشهد البشرية صعود نجم
«كومنترن جديد» يقوده ستالينيون دينيون هدفهم تحدي العالم الحر وفرض جمهوريات من
خلال العنف، أم من خلال النظام الانتخابي الذي سيمكن الحركات الإسلامية من اختطاف
الديمقراطية؟
العقيدة الأصولية والحقيقة
يختلف المسلمون في تفسيراتهم وفهمهم للإسلام تماماً مثل معتنقي
الديانات والمذاهب الأخرى، وبالنسبة للغالبية العظمى من المسلمين فإن الإسلام
يعتبر عقيدة تدعو إلى السلم والعدالة الاجتماعية ويطلب من معتنقيه عبادة الله
سبحانه وتعالى وإطاعة أوامره وأن يكونوا مسؤولين وملتزمين اجتماعياً.
إن الاستعمال غير العادل لمصطلح «الأصولية الإسلامية» وتعريفها وربطها
مع الحكومات والمنظمات قد ساهم في خلق الشعور بوجود بعبع خطير بينما في الحقيقة
نجد أن الإسلام السياسي يتميز بالكثير من التنوع؛ فليبيا وباكستان وإيران قد أطلق
عليها الإعلام الغربي لقب «الأنظمة الأصولية»، ولكن ذلك لا يوضح أي شيء عن طبيعة
تلك الدول، فليبيا بها نظام جماهيري اشتراكي على رأسه دكتاتور عسكري، إضافة إلى أن
هذه التسمية لا تكشف شيئاً عن الشخصية الإسلامية للدولة أو توجهها، كما أن باكستان
في ظل الجنرال محمد ضياء الحق انتهجت خطاً إسلامياً محافظاً، والإسلام في ليبيا
يتسم بالراديكالية والتغيير، وفي إيران يسيطر رجال الدين على السلطة، وأخيراً فإنه
على الرغم من الاتجاه السائد الذي يساوي الأصولية بمعاداة أمريكا وبالتطرف، وحقيقة
أن ليبيا وإيران ظلتا تدينان أمريكا دوماً، فإن باكستان كانت وما زالت حليفة
للولايات المتحدة كما أن المجاهدين الأفغان الذين قاوموا الاحتلال السوفيتي
لأفغانستان قد تلقوا دعماً من واشنطن عدة سنوات.
لقد أعادت الثورة الإيرانية عام 1978 - 1979 تأكيد روح الإسلام ودوره
في الحياة الخاصة والعامة للمسلم، وهو ما تم تعريفه لاحقاً بعدة مسميات: الثورة
الإسلامية «Resurgence»
والصحوة الإسلامية «Revivalism»
والإسلام السياسي «Political Islam»
والتسمية الأكثر شيوعاً، الأصولية الإسلامية «Fundamentalism». إن الإطاحة غير المتوقعة بشاه إيران
بواسطة ثورة إسلامية قادها آية الله الخميني وإقامة جمهورية إسلامية برئاسة
الملالي قد فاجأت العالم وأربكته، والخوف من أن تقوم إيران بتصدير الثورة
الإسلامية إلى الدول الأخرى في منطقة الشرق الأوسط أصبح المنظار الذي كان من خلاله
ينظر إلى تطورات الأحداث في العالم الإسلامي، وعندما يتحدث الخميني كان العالم
ينصت إليه، المؤيدون بإعجاب والمعادون باستياء وغضب أو أحياناً بقلق.
إن احتلال السفارة الأمريكية في طهران في عام 1979، ومخططات الخميني
التوسعية وسعي الزعيم الليبي معمر القذافي لنشر وتطوير نظريته العالمية الثالثة،
واغتيال الرئيس المصري أنور السادات في عام 1981 بواسطة الأصوليين الإسلاميين هذه
كلها أيدت ودعمت فكرة ظهور الأصولية الإسلامية المتطرفة، إن احتجاز الرهائن
واختطاف الطائرات وشن الهجمات على المنشآت الحكومية والمصالح الأجنبية بواسطة
مجموعات مثل حزب التحرير الإسلامي، وجماعة الجهاد، وجماعة التكفير والهجرة في مصر
وحزب الله الموالي لإيران في لبنان قد وجد تغطية إعلامية واسعة في الغرب، وفي
أواخر السبعينيات وخلال الثمانينيات أصبحت الصورة المعروفة لدى الغرب عن العالم
الإسلامي مرتبطة بالتطرف والمتطرفين الذين يسعون إلى تقويض وزعزعة استقرار الدول،
والإطاحة بالأنظمة، وفرض مفهومهم الخاص بالدولة الإسلامية، وكانت النتيجة هي
المعادلة المبسطة: الإسلام = الأصولية = الإرهاب والتطرف.
جذور الثورة
الحقيقة هي أن الصحوة الإسلامية لم تكن وليدة الثورة الإيرانية،
ولكنها كانت نتاج حركة عالية شاملة لصحوة إسلامية كانت مستمرة وامتدت من ليبيا إلى
ماليزيا. وأسباب هذه الثورة عديدة وتختلف من دولة لأخرى، ولكن هناك عوامل وقواسم
وهموم مشتركة.
إن الطروحات العلمانية والقومية «سواء كانت ليبرالية قومية أو قومية
عربية أو اشتراكية عربية» لم توفر شعوراً بالانتماء الوطني أو تخلق مجتمعات قوية
ومزدهرة، والحكومات الموجودة في العالم الإسلامي التي أغلبها غير منتخبة، ومتسلطة
وتعتمد على أجهزتها الأمنية، لم تتمكن من خلق شرعية سياسية لها، وقد ألقيت عليها
تبعات الفشل في تحقيق الاكتفاء الذاتي، وفي تضييق الهوة الواسعة بين الأغنياء
والفقراء، وفي القضاء على الفساد المستشري، وفي تحرير فلسطين، وفي مقاومة الهيمنة
السياسية والثقافية الغربية، وقد تعرضت المؤسسات السياسية والدينية لانتقادات
حادة، الأولى باعتبار أنها تابعة للغرب ويهتم صفوتها العلمانية بالسلطة
والامتيازات، والأخرى في «دول تدين بالمذهب السني» باعتبار أن قادتها الدينيين
منسجمون مع الحكومات التي تسيطر دائماً على المساجد والجامعات الدينية وغيرها من
المؤسسات.
إن الكارثة التي حلت بهزيمة القوات العربية من القوات الإسرائيلية في
حرب عام 1967 قد ألحقت ضرراً بليغاً بالقومية العربية، وأججت أوار البحث عن الذات
في العالم العربي.. وفي جنوب آسيا وبعد الحرب الأهلية في باكستان في عام 1971 التي
انتهت بخلق دولة بنجلاديش تضررت أطروحة أن الهوية الإسلامية يمكن أن تلعب دور لم
الشمل وتوحيد الصف لشعب مسلم متنوع اللغات ومتعدد الأعراق، ويمكننا أن نجد أمثلة
وأحداثاً وظروفاً مشابهة لتلك في كل من لبنان وإيران وماليزيا «مظاهرات عام 1969»
ودول إسلامية أخرى عديدة.
الحركات الإسلامية وتقديم البديل
إن الصحوة الإسلامية تعتبر من عدة نواحٍ بديلة للبرنامج القومي الذي
أثبت فشله، ومؤسسو عدد من الحركات الإسلامية كانوا في السابق مشاركين في الحركات
القومية والوطنية، وقد قدمت الحركات الإسلامية البديل الإسلامي أو الحل الإسلامي،
وهو حل ثالث يختلف عن الرأسمالية والشيوعية، ويقول الإسلاميون إن العلمانية بدعة
عصرية لمحاكاة الغرب واعتماد الأسلوب الغربي في التطور، وإن ذلك قد أثبت من ناحية
سياسية أنه غير كافٍ ولا يستجيب لتطلعات المسلمين، كما أثبت من ناحية اجتماعية أنه
يدعو للانحلال ويقوض الشخصية الإسلامية، ويلحق ضرراً بالنسيج الأخلاقي للمجتمع
الإسلامي، ولتأكيد أن الإسلام ليس فقط مجموعة من الأحكام والمعتقدات والعادات
والتقاليد بل أيديولوجية كاملة وشاملة تلبي حاجات الفرد والمجتمع فإنهم يطالبون
بتطبيق الشريعة الإسلامية أو القوانين الإسلامية كبرنامج عمل اجتماعي، وفي الوقت الذي
يفضل فيه غالبية المسلمين في العالم الإسلامي العمل من خلال النظام، إلا أن هناك
شريحة صغيرة ولكنها أقلية لها وزنها تعتقد بأن الحكام في بلادهم معادون للإسلام
وأنهم ملزمون دينياً بأن يطيحوا بهم وأن يفرضوا النظام الإسلامي بالقوة.
والمنظمات الإسلامية مثل حركة الإخوان المسلمين في مصر والأردن
والسودان والجماعة الإسلامية في جنوب آسيا تتكون في أغلبها من خريجي الجامعات ومن
الاختصاصيين، وعباس مدني زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ مثلاً حصل على الدكتوراه
في التربية من جامعة بريطانية، بينما زميله الأصفر عبد القادر حشاني مهندس في
البتروكيماويات ومرشح للدكتوراه في جامعة فرنسية، وحوالي 76% من مرشحي الجبهة في
الانتخابات البلدية والبرلمانية في عامي 1990م و1991م يحملون شهادات فوق الجامعية،
ويمكن وصف عدد كبير من قياداتهم بأنهم اختصاصيون ينتمون إلى الطبقة الوسطى.
وفي كثير من الدول الإسلامية نجد أن هناك صفوة بديلة من المتعلمين من
ذوي الثقافة والتعليم الحديث ويمتلكون قدرات علمية عالية، ويعملون بوعي من أجل
التغيير السياسي والاجتماعي بهدف خلق مجتمع أكثر إسلامية ونظم حكم إسلامي، وهذه
الظاهرة تنعكس في وجود، وفي هيمنة الجمعيات الإسلامية للقانونيين والمهندسين
وأساتذة الجامعات والأطباء، وحيثما أتيحت مجالات للمشاركة والإسهام فإن الإسلاميين
يوجدون في كل قطاعات المجتمع وفي الحكومة والجيش.
«*» جون إسبوزيتو: بروفيسور في علم الأديان
والشؤون الدولية ومدير مركز التفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورج تاون - قسم
الدراسات الأجنبية ومن مؤلفاته: الخطر الإسلامي وهم أم حقيقة، وكتاب الإسلام
الطريق المستقيم، وكتاب الإسلام والسياسة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل