; التحريض الطائفي.. والسير نحو الهاوية! | مجلة المجتمع

العنوان التحريض الطائفي.. والسير نحو الهاوية!

الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني

تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2007

مشاهدات 67

نشر في العدد 1755

نشر في الصفحة 66

السبت 09-يونيو-2007

الأخيرة

 كاتب وأكاديمي سعودي

لا أحد يختلف أن الأوضاع الراهنة التي تمر بها المنطقة العربية - وخصوصًا في العراق وفلسطين ولبنان – أدت إلى احتقان كبير بين أبناء تلك الشعوب، وقد يؤجج الصراعات المكبوتة داخل المنطقة إلى ما لا تحمد عقباه، وهذا ما عناه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله، في إشارته إلى ضرورة الحذر من تفجير خزانات البارود المدفونة تحت السطح، والتي يمكن أن تشتعل بانفجارات خطيرة عندما يحاول البعض الحفر تحت السطح والنبش خلف الكواليس وزرع الفتائل المدمرة وإثارة الفتن الطائفية وتصفية النزاعات السياسية التي لن يكون فيها منتصر أبدًا بل الجميع سيدفع تكلفة الخسارة إما من نفسه أو من جيله القادم.

ولعل الأوضاع الراهنة تنذر بمثل تلك الأخطار من خلال ما يحصل من تأجيج للصراع الطائفي بين السنة والشيعة سواء في العراق أو لبنان أو منطقة الخليج، وربما أدى مقتل صدام إلى إثارة الحفائظ التي لم تستطع تصريحات التهدئة للحكومة العراقية أن تخفي طبيعة الصراع القائم ليس في العراق وحده بل في المنطقة كلها والتي جعلت يوم الأضحى يوم وعيد ونذير بين كل الطوائف المتوعدة. 

والأخطر من ذلك أن يرتفع الصوت المتشدد الذي يحاول أدلجة الصراع دينيًا، ومن غير تمييز بالفتاوى التكفيرية والمستبيحة لدماء الأبرياء العزل سواء من الشيعة أو السنة، وحتى لو صحت المبررات لها شرعيًا في تسويغ هذا الصراع، فإن ظروف الزمان وتغير الحال، وتربص العدو الخارجي يؤكد ضرورة المحافظة على وحدة المجتمع وسلامة النظام، ومنبع القتال بين الأمة الواحدة. 

وهذا الأصل ينبغي ألا يختل حتى مع تحديات الوضع الراهن، وتأصيل هذا المفهوم واضح في فقه النبي ﷺ في المعاهدة مع اليهود والصلح مع المشركين، فكيف بمن هم مسلمون وأهل بلد واحد ولغة وجنس مشترك خصوصًا أن مآلات تلك الفتاوى باهظة الثمن على النفوس المعصومة ومنذرة بالدمار والاحتراب الطويل. وفي التاريخ شواهد واضحة لمن وعى قراءته وفهم سنن الله تعالى في المجتمعات.

وكل الأزمات في القديم والحديث إنما تنفجر من خلال الأصوات المهيجة للعواطف والمتغلبة على العقول والمتحالفة مع مصالح السلطات السياسية، حينئذ لا يمكن أن توقف الجماهير الغاضبة والهائجة عن العدوان والتدمير. 

والذي يفكر بمصلحة الأمة والدين يعلم قطعًا أن الصراع الحالي لو انتقل واشتعل في مناطق أخرى غير العراق لن يجني منه أحد سوى الألم والدمار، أما من يفكر في تغليب سيطرته المتوهمة أو يقدم مصالح القوى الغربية في المنطقة، فإن الفوضى الحالية أفضل وسيلة لتقرير مشروعية المحتل وبقائه، وتوسيع نفوذه من أجل سيطرة غربية تعيد الأمن، وترتب خريطة المنطقة وفق أطماعها المستقبلية، وهذا ما أسمته وزيرة الخارجية الأمريكية رايس بالفوضى الخلاقة والتي نظر لها اليهودي الروسي «تشارنسكي» في كتابه «قضية الديمقراطية» الذي نصح الرئيس بوش بقراءته، كما جاء في مقابلته مع النيويورك تايمز، وهي ذات الاستراتيجية التي تم التعامل فيها مع الدول التي خرجت عن سيطرة الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات وانضمت للمعسكر الغربي.

ومن وجهة نظري أن الواجب عمله في مثل هذه الأزمة ألا يترك للأصوات المتشددة والمتشنجة أن تعلو على صوت الشرع والعقل، وأقصد أن صوت الشرع في الفتن العامة أولى أن يسمع من خلال المجامع الفقهية والهيئات الشرعية بدلًا من فتاوى الأفراد ولو على جلالة قدرهم وسعة علمهم كون النازلة لها شقها الواقعي والخفي والذي قد لا يدرك أبعاده الفرد الواحد، كما أن العقلاء في المؤسسات السياسية والإعلامية عليهم حفظ الأمة من الصراعات والتوترات ولو كانت أخبارًا وبرامج إعلامية. 

وأعتقد أن أغلب السنة والشيعة لا يرغبون في التشنج الذي تحركه الأطماع السياسية أو تروج له الآلة الإعلامية بنقل التصريحات الشاذة والآراء المتطرفة والرؤية الحكيمة كثيرًا ما تغيب عندما ينفرد بالساحة أهل الإثارة والتحريض، وهذا ما قد يثير المشاهد أو الفرد العادي بشكل كبير على المتابعة والتحفز وتغيير قناعاته نحو تلك الأصوات المتطرفة.

وأجد من الواجب المتحتم على المرجعيات الشيعية في العراق وخارجه أن تقف موقفًا واضحًا وجليًا من هذا التأجيج الطائفي، وأن تعلن بشكل صريح عن رفضها للممارسات التي تقوم بها الميليشيات البدرية والصدرية تأسيًا بموقف الجهات السنية في العالم الإسلامي من رفضها للإرهاب واستنكارها الواضح لأعمال القاعدة.

لقد حان الوقت لهذا الموقف الشيعي أن يظهر - وبشكل عاجل - قبل أن يفوت الوقت ويسجل التاريخ لعنته على كل المتآمرين على وحدة ومصالح الأمة، وكل المؤسسات المدنية في المجتمع الشيعي مطالبة بمثل هذا الدور الحاسم قبل انفجارها في حال تقاعست المرجعيات الشيعية عن استنكار القتل الطائفي، كما هو الحال المؤسف لأهل العراق.

فهل نعتبر بغيرنا قبل أن تكون العبرة من أنفسنا؟! وحينها وبكل أسف ومرارة سنقول كما قال الأول: «أكلنا يوم أكل الثور الأبيض».

الرابط المختصر :