; التحريان.. أبو الفتح الإسكندري وأبو زيد السروجي.. وأفلام الكارتون | مجلة المجتمع

العنوان التحريان.. أبو الفتح الإسكندري وأبو زيد السروجي.. وأفلام الكارتون

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1994

مشاهدات 61

نشر في العدد 1113

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 23-أغسطس-1994

مستقبل الرسوم المتحركة وصناعة الوعي البديل

في تجربة عرض لفيلم كرتوني "صور متحركة" أعجبت كثيراً لفكرة الفيلم، والتي ابتعدت كثيراً عن المدخل التقليدي لعرض قصة محاولة هدم الكعبة التي قام بها أبرهة الحبشي، وفيلم "رحلة سلام" التي بطلها الطفل سلام وصديقه الفيل محمود ستكون رحلة جديدة وناجحة من سلسلة أفلام كرتونية، والتي سيقوم المركز العالمي للرسوم المتحركة بإنتاجها، حيث أشرفت لجنة العالم الإسلامي ومجموعة مستثمرين كويتيين على هذا الإنتاج. والذي يتابع سوق الإنتاج العالمي للأفلام يرى أن الصراع المقبل بين شركات الإنتاج العالمية تحول من الأفلام الحية إلى الأفلام الكرتونية، وهذا الصراع الذي يحتدم اليوم بين شركات "والت ديزني" و"وورنر" و"يونيفرسال" و"فوكس" و"باراماونت" بسبب الإيرادات الفلكية لهذه الأفلام. حيث أفادت جريدة الأنباء الكويتية في تقرير لها عرض يوم 9 / 8 / 1994 م: "أنه منذ الأسبوع الأول لعرض الفيلم الكرتوني الجديد «الأسد الملك» THE LION KING في الولايات المتحدة، فإنه حقق 100 مليون دولار متجاوزاً أرقام كافة الأفلام الكرتونية التي أُنتجت من ذي قبل".

أما جريدة الحياة، وفي أحد أعدادها الصادرة في يوليو الماضي، فقد أشارت إلى أن مبيعات "انتقام جعفر" من الفيديو وصلت إلى 7 ملايين دولار، في حين أنه حقق 217 مليون دولار من صالات السينما، وبيعت 24 مليون نسخة بسعر 24 دولاراً للنسخة الواحدة في محلات الفيديو. و"جعفر" هو الوزير الشرير في فيلم والت ديزني الكرتوني الشهير "علاء الدين"، والذي ما زال في المرتبة الثانية بعد أسبوعه الـ 38، ويأتي في المرتبة الثالثة فيلم "باتمان يعود" من إنتاج شركة "وورنر". يضاف إلى القائمة أيضاً فيلم "الثعلب وكلب الصيد" و"بينوكيو" و"الجميلة والوحش" منذ أكثر من سنة، وكلها من إنتاج ديزني، هذه القصص الفانتازية الشهيرة التي تعتمد على الأساطير والخيال وصولاً إلى الشخصيات التاريخية، بل إلى الحيوانات هي سر نجاح هذه الشركات.

ومع علمنا بأهمية هذه الأفلام كمدخل ترفيهي وتعليمي للأطفال، إلا أن هناك مجموعة أخطار عظيمة تنساب من خلال الشاشة الكبيرة والصغيرة لتدمير أطفال المسلمين، فالتطبيع العقائدي المغاير لعقيدة الإسلام هو أحد أخطار هذه الأفلام الكرتونية، فالتعرض للأنبياء وتجسيدهم في مواقف فكاهية، وكذلك تعدد الآلهة مع تبيان ضعفها في صراعها مع الأبطال الخارقين للقصص الكرتونية، بالإضافة إلى عشرات الألفاظ السوقية وتكسير حواجز طبيعة العلاقات بين الجنسين، ورسمها بصورة تتفق وطبيعة المجتمعات الغربية، كل ذلك يصنع من أطفالنا نسخاً كرتونية غربية. وإن تفحص أفلام مثل: ميكي ماوس، وتان تان، وسلسلة ليدي بيرد، وبلوتو وبطوط وTOM AND JERRY، وغيرها، كافٍ لإدراك تلك الحقيقة.

إن الخطر الناشئ على توازن السلوك والتصور عند الأطفال من جراء هذا السيل الجرار من الأفلام الكرتونية، ليضع أمام المختصين في العالم العربي والإسلامي تحدياً في ظل انفتاح القرية العالمية، كما يدعونا إلى أهمية معالجة هذه الأفلام بنقل التراث الإسلامي إلى حاضر إعلامي تربوي تعليمي بديل وحيوي. فمثلاً: لماذا لا يقوم المخلصون الإعلاميون بتجسيد مقامات بديع الزمان الهمذاني ومقامات الحريري، والتي اعتمدت الخيال في شخصيتي أبي الفتح الإسكندري "عند الهمذاني"، وأبي زيد السروجي "عند الحريري"؟ إن هاتين الشخصيتين الخياليتين هما عمدة في التحري والألغاز والبحث عن حل المشكلات التي طرحت في الكادرات القصصية في هذه المقامات. وقد جسد الحريري مقاماته الـ 50 براوية شخصية خيالية أخرى، وهو الحارث بن همامة، أما الهمذاني فقد جسد مقاماته الـ 400 براوية خيالي، وهو عيسى بن هشام.

إن تفحص هذه المقامات لتضع "السروجي أبا زيد" و"الإسكندري أبا الفتح" كتحريين يضعان ألغازاً وأعاجيب ينفذان من خلالها في حل مشكلاتهما، وهذا يذكرنا بقصص أجاثا كريستي وغيرها من كُتّاب القرن الـ 20 لأفلام التحري والتجسس والمغامرات، والتي جسدت في شخصيات خيالية مثل جيمس بوند، وأرسين لوبين، والمفتش كولومبو، وكوجاك، ولا ننسى شارلوك هولمز أيضاً. إن نقل التراث ليعيش في الحاضر مهمة إعلامية جديرة بالعمل وتشمير الأيدي لها، فمن يستطيع أن ينقل لنا القاضي شريح بن حارث الكندي الذي يضرب المثل فيه، كما يقول فيه الإمام الشعبي: "إن شريحاً أدهى من الثعلب وأحيل". هذا القاضي الذي له قصص عدة في التحري عن الحق ودفع الشبهات وفك عقد الجرائم وتتبع المجرمين. وهل يستطيع فريق الإعلام الإسلامي أن ينقل هذا القاضي بصحبة مجموعة من أطفال المسلمين في القرن الـ 21 ليحل لهم مشكلات في واقعهم وفق الأصالة الإسلامية ومبادئ الحق؟ وأن يوضع كل ذلك في مسلسل كرتوني يخرج بفكر إسلامي وتقنية غربية متطورة؟ وأمثال شريح كثير، مثل: إياس بن معاوية القاضي الفقيه المشهور، ويحيى بن أكثم، وأبي حازم، أبطال في تحري الحق آخرين.

إننا بحاجة إلى مشروع كرتوني لحماية أطفالنا من الغزو الفكري، يضمن لهم خصوصيتهم ويساعدهم في نمو متوازن متوافق مع عقيدتهم. إن المسلمين يجب ألا يستسلموا لقوانين "القرية العالمية" ولا ينبغي التخاذل أمامها، ففي سنة 2000 م سيكون نصف الوطن العربي من الأطفال، ووفق دراسة للدكتور عاطف العبد نشرت جريدة "المسلمون" في أبريل الماضي ملخصاً لها يبين فيها أن الطفل ما بين 8 - 18 سنة يقضي ما يتراوح بين 15 - 16 ألف ساعة أمام جهاز التلفزيون، في حين لا تشغل المدرسة من وقته سوى 12 ألف ساعة.

إن الغرب يضخ لنا ما يقارب من 98% من برامج الأطفال، وأمام هذا التحدي الغربي توجد عشرات من البنوك الإسلامية ومئات من المستثمرين العرب والمسلمين، إن إحدى مهمات هذا المال الإسلامي أن يضع ماله في مشروع كرتوني ناجح تدعمه هيئات شرعية رقابية وتربوية. إن حماية أبنائنا من سلبيات الكرتون الغربي مهمة تضع العاملين من أجلها في مصاف المجاهدين العاملين، يقول أبو الفتح الإسكندري في المقامة الأزاذية:

يا من عناني بجـميل بره ** اقضِ إلى الله بحسن سره

واستحفظ الله جميل ستره ** إن كان لا طاقة لي بشكره

فالله ربي من وراء أجره

مع تمنياتي للطفل سلام وفيله محمود برحلة موفقة من الله لتجاوز الأخطار الخيالية في مسلسلهما والحقيقية في واقع الناس.

نائب رئيس التحرير

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

420

الثلاثاء 24-مارس-1970

أطفالنا من هم وإلى أين؟

نشر في العدد 2

244

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!