; التحدي الإسلامي للنفوذ الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان التحدي الإسلامي للنفوذ الأمريكي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-ديسمبر-1979

مشاهدات 98

نشر في العدد 462

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 11-ديسمبر-1979

*سفارات أمريكا في العالم تتعرض باستمرار للحرق والتخريب.. وسفراء أمريكا في العالم الثالث عرضة للاغتيالات في غالب الأحيان.. واتضح تمامًا في الآونة الأخيرة أن جماهير العالم الإسلامي تحتفظ بشحنة هائلة تجاه هذه الدولة وتفرغها على شكل مظاهرات وانتفاضات فجائية سريعة.. سواء كانت انتفاضات مقصودة أو غير مقصودة.. كل ما يعنينا هنا أن الجماهير تتجاوب مع كل غضبة ضد أمريكا وسفاراتها.. وهذا ما جعل العالم كله يتحدث اليوم عن السفارات وأعرافها الدبلوماسية من جانب.. ومن جانب آخر عن علاقتها بالاستخبارات.

*لقد أصبح من المعروف جيدًا أن السفارة عمومًا صارت اليوم أشبه بدولة صغيرة ضمن الدولة المضيفة.. لها حصانتها الإقليمية ولا يدخلها أحد إلا بإذن من صاحبها.. لكنها في نفس الوقت صارت مستودعًا لعشرات بل لمئات الموظفين الأجانب الذين تتنوع مهماتهم في الاستعلام والتجسس.. وهذا يبدو واضحًا بالنسبة للدول الكبرى.

وتبسيطًا للأمور أصبح الملحق العسكري يتجسس عسكريًا.. والملحق التجاري يتجسس تجاريًا.. والملحق الصحافي يتجسس إعلاميًا.. إلى آخر التخصصات التي يوظف لها الملحقون.. إنها حقيقة مرة.. ولكنها هي الحقيقة وهي التفسير الموضوعي لإحدى أبرز مهمات أركان السفارة.. 

لقد أصبحت السفارات وسيلة استخبارات شرعية تعارفت عليها دول العالم الكبرى الحاذقة في استعلال سفاراتها وليس للدول الصغرى إلا الاستجابة للعرف الدولي.

*أول حادثة تجسس قامت بها سفارة أجنبية في العالم الإسلامي كانت حادثة سفارة البندقية «فينيسيا» في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني.. لقد استطاع سفير البندقية أن يوظف كبار رجالات الدولة لأغراض تجسسية حتى استطاع أن يخرج خليفة المسلمين من قصره ليزور السفير النصراني لأول مرة في التاريخ.. حادثة ضج منها الشعب بأكمله.. وسقطت شخصيات كبيرة في فضائح التجسس أبرزها شخصية رئيس الوزراء «الصدر الأعظم» إبراهيم باشا زوج أخت السلطان الذي أعدم فيما بعد.

جمهورية البندقية اشتهرت بسفاراتها التي كانت مراكز تجسس فعلية حيثما كانت.. والسفير البندقي كان جاسوسًا بكل المعنى للكلمة. 

*مما لا شك فيه أن كثيرًا من الدول تستاء من وصف سفاراتها بأنها مراكز للتجسس.. إنها تفضل باستمرار أن تقول أن سفاراتها هي مراكز لتوطيد الصداقة والمصالح المشتركة.. الإنجليز كانوا أكثر صراحة- أو بالأدق وقاحة- من أي شعب أخر حول هذه المسألة.. فقد جعلوا دائرة استخباراتهم المعروفة عالميًا بالاسم المهذب «أنتلجنس سرفس» جزءًا من وزارة الخارجية.. بالمعنى المكشوف أن كل سفارات بريطانية في أية عاصمة من عواصم العالم تضم فرعًا تابعًا لوزارة الخارجية اسمه فرع الاستخبارات.. الباقون يرفضون الإفصاح عن هذه الحقيقة.. فلو سألت السفارة الأمريكية عن المسئول عندهم عن الاستخبارات لكان الجواب «لا يوجد لدينا استخبارات هنا.. نحن دولة تحافظ على صداقة هذا البلد وليس لنا فيه أي مطمع».. وستجد الجواب نفسه في السفارة الروسية والألمانية والصينية.. ورغم هذه المخادعة إلا أن كل هذه السفارات كانت تحوي أفرادًا وصفوا بالجملة الدبلوماسية الشهيرة «طرد لأنه شخص غير مرغوب فيه» والحقيقة في عدم الرغبة فيه التجسس والمؤامرة. 

*ولأن أمريكا تتزعم ريادة العالم الغربي وتمثل مصالحه ونفوذه في العالم كان لسفاراتها دور بارز في التجسس.. بل أصبحت السفارة الأمريكية بؤرة للتجسس ووكرًا للمؤامرات على الشعوب.. العالم الإسلامي كان فريسة هذه السفارات.. ومنذ أن دخل الاستعمار الأجنبي عالمنا الإسلامي والمنطقة الإسلامية لم تشهد الاستقرار.. اضطراب وقلاقل مستمرة.. وصراعات دموية وألاف من القتلى والضحايا.. كل هذا تحركه السفارات الأجنبية وبالأخص السفارة الأمريكية.. وما تفعله السفارة الأمريكية هو استجابة لنداءات علمائها وفلاسفتها ومستشرقيها.. وهو رد فعل للتحدي الإسلامي المستمر على مر القرون.. وهو استجابة لنداء أطلقه كثير من المستشرقين مطالبين فيه بتوحيد المواجهة الغربية للتحدي الإسلامي.. يقول المستشرق الألماني الذي عاش في القاهرة «إن انتفاضة العالم الإسلامي صوت نذير لأوروبا.. وهتاف يجوب آفاقها يدعو إلى التجمع والتساند الأوروبي لمواجهة هذا العملاق الذي بدأ يصحو ويزيل النوم عن عينيه.. هل يسمعه أحد؟ ألا من يجيب؟».

*لقد شرعت أمريكا في توحيد المواجهة.. وقامت سفاراتها بمواجهة العالم الإسلامي بتحد قاس شرير.. وفرضت عليه انقلابات دموية بشعة تساقطت منه المئات.. وعيشته في حالة قلق واضطراب دائمين.. وأذاقته الجوع والحرمان وسحقت كرامته بحكام طغاة لا يعرفون الرحمة.. وشمرت ساعديها ضد الحركات الإسلامية.

ففي مصر.. تولت عملية إبادة حركة الإخوان المسلمين بعد أن عجزت بريطانيا عن ذلك.. فبعد انقلاب العساكر على الحكم الفاسد فاروق كانت السفارة الأمريكية خلية تحل بقيادة سفيرها المحنك «كافري».. لقد استطاعت أمريكا بمعاونة عملائها بعد الانقلاب أن تقيم محكمتين عسكريتين خلال عشرين عامًا علقت فيهما خيرة رجال الإخوان على أعواد المشانق.. وفي العشر سنوات الأخيرة استطاعت أمريكا كذلك بمعاونة أتباعها أن تقيم محكمتين عسكريتين أأعدم منهما عشرات من شباب الحركة الإسلامية..

وفي باكستان.. لعبت أمريكا دورًا بارزًا.. لقد وقفت عقبة عنيفة ضد تطبيق الشريعة بعملائها العساكر.. بل وقفت مع الحكم القمعي الفاسد ضد الشعب الذي قدم جموعًا كبيرة من الضحايا.. لقد حاولت كسر شوكة الجماعة الإسلامية بباكستان.. ولكنها فشلت.. والآن تحاول أن تشعل الرماد مستغلة أيادي خفية لها.. كما أنها وقفت بصراحة ضد إقامة مفاعل ذري في باكستان مصرة على إبقاء العالم الإسلامي في تخلفه العسكري..

أمريكا تكرر نفس الدور في تركيا وفي إيران وفي المغرب وفي الجزيرة العربية.. لا تزال تحرض عملائها ضد رجالات الحركة الإسلامية.. لا تزال تطاردهم في كل مكان.. إنه التحدي الأمريكي للحركة الإسلامية.

*ظلت الجماهير المسلمة تبتلع الإهانة تلو الإهانة.. وتتلقى الصفعة تلو الصفعة.. من أجل الكبرياء الأمريكية.. وظلت الشعوب المسلمة تذوق الحرمان وتتلوى من الجوع وتعيش أزمة المساكن والمواصلات والأجور المنخفضة.. من أجل رفاهية الرجل الغربي الأناني الذي يرفض أن يأوي إلى مخدعه دون تدفئة جيدة وأن يحيقه النفط في رحلاته على الطرق السريعة التي تشق أوروبا وأمريكا.. لقد امتلأت قلوب الجماهير غيظًا كالبركان وحنقًا وبغضًا شديدًا.. وانفجر أخيرًا هذا البركان في وجه أمريكا.. انفجر حين قتل السفير الأمريكي في أفغانستان.. وانفجر حين استولى على السفارة الأمريكية في إيران وحمل النفايات في العلم ذي الواحد والخمسين نجمة.. وانفجر في باكستان والهند حين حطمت السفارات الأمريكية.. وفي بنجالاديش حين خرجت الجماهير غاضبة.. وفي ليبيا حين أحرقت السفارة.. وفي الكويت حين خرج الإيرانيون يهتفون بسقوط أمريكا.. أمريكا لم تعد ضيفًا ثقيلًا بل أصبحت ضيفًا مكروهًا يجب أن يرحل رعاياه من كل دول المنطقة.

*إن الأفضل لأمريكا من أن تشغل نفسها في تدبير المؤامرات للشعوب المسلمة وتبني قبور أبنائها في منطقتنا الأفضل لها أن ترحل من ديارنا.. أن تشغل نفسها بمشاكلها المعقدة.. بمشاكل الطاقة التي جعلت طوابير السيارات الأمريكية حول محطات البنزين تخنق المدينة الأمريكية.. أن تشغل نفسها بمشاكل الفقر المقوع الذي يعيش فيه ٢٠٪ من الشعب الأمريكي المخفي وراء ناطحات السحاب.. أن تشغل نفسها بمشاكل التفرقة العنصرية التي تفتت حضارتها.. أن توفر الأمن للمواطن الأمريكي.. الأمن من الجرائم ومن التلوث الذي يفرضه أصحاب الصناعات.. الأولى للبيت الأبيض نفسه أن يحرر نفسه من السيطرة اليهودية وحفنة كبار التجار.. إن النازية تعود إلى أمريكا ولكنها تحت الأرض هذه المرة.. وستظهر على السطح يومًا ما.. أمريكا اذهبي إلى موطنك وحلي مشاكلك ودعينا نحل مشاكلنا.. وإن شئت أن تقيمي علاقات صادقة فضعي في حسبانك عقيدة هذه الأمة ودينها ومصالحها.

إن التحدي الإسلامي للنفوذ الأمريكي يستمد جذوره من التاريخ.. وترتفع أفرعه إلى  السماء.. وأمريكا لا تريد أن تعتبر.. رغم أن توينبي أشهر مؤرخي الغرب يصرخ فيهم.. 

«صحيح أن الوحدة الإسلامية نائمة.. ولكن يجب أن نضع في حسابنا أن النائم قد يستيقظ إذا ثارت البروليتاريا العالمية للعالم المتغرب ضد السيطرة الغربية ونادت بزعامة معادية للغرب.. فقد يكون لهذا النداء نتائج نفسية لا حصر لها في إيقاظ الروح النضالية للإسلام حتى لو أنها نامت نومة أهل الكهف، إذ يمكن لهذا النداء أن يوقظ أصداء التاريخ البطولي للإسلام».

﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (سورة الحشر: 2).

الرابط المختصر :