العنوان العلامة أبو الحسن الندوي يتحدث لـ "المجتمع" عن: التحدي الأكبر الذي يواجه المسلمين في الهند
الكاتب جهاد محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
مشاهدات 93
نشر في العدد 1229
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
- الهند تعاني فراغًا ثقافيًا وخلقياُ لا يقدر على ملئه إلا المسلمون
كتب الشيخ علي الطنطاوي - حفظه الله - يقول: «كنت في مقابلة إذاعية فسألني المذيع» أي الأماكن أقرب إلى قلبك وأيها يشتمل على أحلى ذكرياتك؟ وكان في ظنه أن أقول دمشق، ولكنه فوجئ ودهش لما قلت: ندوة العلماء في لكنوا فقال المذيع وأين لكنو؟ قلت: هي مدينة أبي الحسن الندوي.
ثم يعلق الشيخ الطنطاوي على تلك الحادثة فيقول: «أي والله» يا أبا الحسن الندوي أنت أشهر في العالم العربي منها حتى إنها لتعرف بك”!.
العلامة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي الذي تجاوز الثمانين عامًا، قضاها في خدمة الإسلام والمسلمين، داعيًا ومدرسًا ومؤلفًا ومحاضرًا وقائدًا لمسيرة مسلمي الهند بصفته رئيس هيئة الأحوال الشخصية لعموم الله مسلمي الهند، هذا بالإضافة لكونه أمين عام ندوة العلماء، تلك النبتة الطيبة التي مضى على غرسها قرن كامل، والشيخ الندوي لا يقتصر همه ونشاطه بين مسلمي بلده، فالشيخ عضو في أكثر من مجلس وأكثر من هيئة مثل مجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية الأردن، والمجمع العلمي بدمشق ويرأس مجلس أمناء مركز اكسفورد للدراسات الإسلامية، هذا المركز الذي أنشئ ليكون نقطة انطلاق للفكر الإسلامي في جامعة غربية عريقة.
يقول عنه العلامة الدكتور القرضاوي «أشهد الله أني أحبه وأرجو أن يكون حبًا لله تعالى.. فقد أحببته لتجرده وإخلاصه وربانيته، وأحببته لإعتداله ووسطيته، أحببته لنقاء فكره من الخرافة، وصفاء قلبه من الحسد، وسلامة عقيدته من الشركيات، وسلامة عبادته من المبتدعات، ونظافة لسانه من الطعن والتجريح بالتصريح أو التلويح، أحببته لانشغاله بالقضايا الكبيرة عن المسائل الصغيرة، وبالحقائق عن الصور، و بالعمق عن السطح، ولست وحدي الذي يحب الشيخ الجليل، فأحسب أن كل من عرفه واقترب منه أحبه على قدر معرفته به وقربه منه، وكلما ازداد منه قربًا ازداد له حبًا ولهذا فلا عجب أن يتفق الناس على شخص أبي الحسن الندوي».
وحرصًا من مجلة المجتمع على الاجتماع بهذا العلامة الرباني سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي الذي بلغت رسائل الدكتوراه والماجستير عن فكره وعلمه أربع رسائل، زارته المجتمع في مقر إقامته في ندوة العلماء «لكنو» التي تبعد عن العاصمة الهندية ما يزيد على ٥٥٠كم، ولقد استقبلنا سماحة الشيخ في مجلسه المتواضع بندوة العلماء، حيث يفترش الأرض هو وطلابه كل مساء، وأجرينا معه هذا الحوار عن المسلمين في هذه البلاد والذي يقدر الشيخ عددهم بـ ۲۰۰ مليون مسلم في الهند وحدها، وعن التحديات التي تواجههم قديمًا وحديثًا، ثم انطلقنا إلى العالم الإسلامي الرحب، لأن الشيخ لا يمثل منطقة أو بلد تحده حدود، فهو عالمي الوجهة والغاية، عالمي النشاط والحركة.
سماحة الشيخ الندوي: هلا تكرمتم بإعطائنا نبذة عن رحلتكم في طلب العلم الشرعي؟
درست في ندوة العلماء وفي معهد ديوبند، ودرست على أيدي كبار أدباء العرب ومسلميهم مثل: الشيخ خليل بن محمد اليماني، والشيخ العلامة د. تقي الدين الهلالي المراكشي... وكذلك تعلمت في جامعة لكنو وتخرجت منها في الأدب العربي بصفة خاصة وقد سافرت إلى مختلف البلاد واستفدت في أسفاري الشيء الكثير، هذا بالإضافة إلى والدتي رحمها الله ودورها الكبير في غرس حب العلم والتعلم في نفسي، حيث توفي والدي وأنا صغير السن
بصفتك رئيس هيئة الأحوال الشخصية لعموم مسلمي الهند وأمين عام ندوة العلماء تلك المؤسسة العريقة التي أكملت القرن الأول من عمرها.. ما هي أبرز التحديات التي واجهت المسلمين في هذه البقعة من الأرض قديمًا؟
كان التحدي الكبير للإسلام والحضارة الإسلامية والقيم الإسلامية في الهند، أنه كان يشيع في الطبقة المثقفة الجديدة المتخرجة من الجامعات العصرية أن الإسلام قد مضى زمنه، وأن الإسلام ما عاد يصلح القيادة البشرية الفكرية والحضارية، فكان هذا هو التحدي الكبير الذي واجه المسلمين في الهند، وكان هذا يفقد كثيرًا من المسلمين - مع مرور الأيام. الشعور بجدارة الإسلام للقيادة وبجدارة للخلود أيضًا، ومن ثم اتسعت الفجوة واتسعت الجفوة كذلك... بين طبقة العلماء الراسخين في العلم والمتخرجين من الجامعات والمدارس الدينية والرئيسية، وطبقة المتخرجين. الجامعات العصرية كجامعة عليكرة الإسلامية.
ولما رأى بعض العلماء أن الهوة قد اتسعت بين التعليم المدني والهيم الديني، حتى أصبح أولئك أمة وهؤلاء أمة، ولكل أمة لغة خاصة وثقافة خاصة ونفسية متميزة لا يفهمها الآخر، بل أصبح التعليم الديني في واد والتعليم العصري في واد آخر، ولا جسر بينهما، فألهم الله بعض العلماء الراسخين في العلم والمتابعين الأحوال العصر أن ينشئوا مؤسسة تجمع بين خصائص الثقافتين وما لا بد منه مثل: التاريخ والجغرافيا والسياسة واللغة الإنجليزية وأهم من ذلك فهم نفسية الطبقة المثقفة بالثقافة العصرية وفهم الدوافع التي تدفعها إلى الاستهانة بالإسلام وفقد الثقة فيه.
فأنشأ مولانا العالم الرباني السيد محمد على المونكيري مدرسة دار العلوم في لكنو عام ١٣١٦ هـ ورسالتها الجمع بين القديم الصالح والجديد النافع، وقد خرجت ولله الحمد علماء ومؤلفين كانوا ملتقى الثقافتين وبرزخًا بين الطائفتين.
حدثتنا عن أبرز التحديات قديمًا.. فما أبرز التحديات التي تواجه مسلمي الهند في هذا العصر؟
يعرف من عنده شيء من الخبرة والاطلاع على المشاريع والتصميمات عند الاكثرية غير المسلمة في الهند، أن هناك مخططًا دقيقًا وحاسمًا لإبادة الشعب المسلم دينيًا وعقائديًا وتحويل هذا القطر الهندي الكبير - الذي حكمه المسلمون نحو ثمانية قرون وارتقوا به حضاريًا وثقافيًا وإداريًا وعقائديًا - إلى «أندلس» ثانية، فليكن هذا الخطر موضع تأمل وكفاح، هذا الخطر الذي بدأت أماراته وعلاماته واضحة بإنجازات كثيرة وتحويلات عديدة في المقررات الدراسية وإلزام اللغة الهندية وإبعاد اللغة الأردية بالتدخل في قانون الأحوال الشخصية الخاصة بالمسلمين، وبما يعلنه قادة الحركات الطائفية والإقليمية من مشاريع وقرارات ليست في صالح الإسلام والمسلمين.
من أجل الإنسانية:
في ضوء التطرف الهندوسي الذي يكبر يومًا بعد يوم ما مستقبل الإنسانية في الهند خاصة وأنكم تطلقون شعارًا في الهند وتسعون إلى تطبيقه وهو «من أجل الإنسانية»؟
حقيقة رسالة الإنسانية هي حاجة أكيدة من حاجات العصر، لأن هناك فراغًا كبيرًا في القيادة السياسة لأنهم يرثون الكتاب الخالد ويرثون سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل أستطيع أن أقول بكل ثقة أنه لولا المسلمون لقضي على هذا الوجود وأصبح هدفًا لعذاب الله.
وهذا الفراغ الكبير ازداد مع ضعف حركة المؤتمر الوطني «الكونجرس» الذي حكم البلاد طويلًا، ولا توجد حركة تستطيع الآن ملء هذا الفراغ، ولقد وفقني الله مع بعض زملائي فشكلنا هيئة تحمل رسالة الإنسانية، ونحن نجري اتصالات واسعة بالعناصر المثقفة والواعية من أبناء الهند على اختلاف معتقداتهم، ورسالة الإنسانية هي أول ما ينبغي أن يكون في هذه البلاد والتي هي خليط من الديانات و السلالات والحضارات فالهند أكبر مجموع يجمع بين المتناقضات، ولا بد من وجود طبقة تحاول إنقاذ البلاد وتتجرد الخير ر البلاد كل هذا في مصلحة هذا الشعب الكبير الذي مثل دورًا رائعًا في تاريخ الحضارات وفي تاريخ الديانات ووجد رجال قل بينهم ما يوجد له نظير في العالم الإسلامي.
رابطة الأدب الإسلامي العالمية اسم بدأ يتردد صداه في كل مكان، ماذا يقول الشيخ عن الرابطة خاصة وأنه ممن أسهموا المساهمة الفعالة في ميلادها، ولعل تكريم الرابطة للشيخ الندوي في الاجتماع الأخير أبرز دليل على هذا؟
تأسيس رابطة الأدب الإسلامي يمثل حاجة من حاجات العصر، لأنكم تعرفون أن الأدب يؤثر فيما لا يؤثر كثير من العلوم وكثير من المناهج الفكرية فالأدب يسحر العقول والنفوس وقد يدخل من منفذ لا تستطيع الفلسفة أن تدخل منه ولا علوم أخرى رياضية وعقلية فالأدب هو الذي يسحر النفوس ويسيطر على العقول والأفكار، ويكون الدافع الأكبر لإبراز الفكرة عن طريق القلم والقرطاس حتى يطلع عليه أكبر عدد، وهكذا كان للأدب دور كبير في الجيل الجديد في تذوق محاسن الإسلام وزيادة الإعجاب بالإسلام وتفضيله على مناهج دينية وفكرية أخرى.
الإمام البنا:
زرتم مصر عام ١٩٥١م وقابلت الشيخ المحدث أحمد عبد الرحمن البنا، ولكن لم يكتب لكم رؤية الإمام حسن البناء وإن كتب لكم أن تروا الشجرة الباسقة التي غرسها بيديه الطاهرتين فماذا يقول الشيخ الندوي عن الإمام البنا؟
صحيح لقد فاتتني فرصة رؤية الإمام البنا لأنني زرت مصر لأول مرة عام ١٩٥١م، وكان قد استشهد وانتقل إلى رحمة الله تبارك وتعالى، وحتى قبل عام ١٩٥١م عندما أديت فريضة الحج، غاب الإمام البنا في العام الذي حججت فيه وهكذا حرمت من رؤيته في مكة وحرمت رؤيته في القاهرة، ولا أزال متأسفًا على ذلك، واعتبرها خسارة فكرية ودعوية، وأستطيع أن أصف الإمام البنا فأقول: إنه كان من القليل النادر الذي تفاني في سبيل دعوته وانقطع إليها بجميع مواهبه وطاقاته ووسائله بالإضافة إلى تأثيره العميق في نفوس أصحابه وتلاميذه ونجاحه المدهش في التربية والإنتاج.
الشهيد سيد قطب الذي قدم لكم كتاب «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين»، مرت ذكرى استشهاده الثلاثون، فماذا يقول الشيخ الندوي في تلك الذكرى؟
كان الأستاذ سيد قطب نادرة من نوادر العصر، وكان داعيًا إسلاميًا مزودًا بالدراسات العميقة وصاحب فكرة حرة ونقد جريء للحضارة الغربية. من أبرز صفاته أنه كان يؤمن بخلود الإسلام وجدارته للقيادة في كل زمان وخصوصًا في هذا الزمان.
المقربون من سماحة الشيخ الندوي يعلمون بالرابطة الأخوية الصادقة المتينة والتي تجمعكم مع الشيخ والأديب على الطنطاوي فماذا عن الأديب المتمرس والشيخ على الطنطاوي؟
اعتبره في طليعة الأدباء الأحرار الراسخين في العلم والراسخون في الأدب على حد سواء، والشيخ الطنطاوي صاحب أسلوب خاص في الإنشاء والتعبير في عرض الحقائق الإسلامية، والشيخ لديه قدرة وموهبة خاصة من الله في التعبير عن مشاعره والدفاع عن الإسلام.
هلا حدثتمونا عن ضيفكم الكريم الدكتور العلامة القرضاوي الذي نزل بساحتكم ضيفًا منذ أيام؟
العلامة يوسف القرضاوي هو من أحب أصدقائنا لدينا ويمتاز بأنه يجمع بين الرسوخ في علم التفسير والحديث والفقه والاطلاع على طبيعة العصر وما يحتاجه هذا العصر، والأسلوب الأفضل لعرض الدعوة الإسلامية وهكذا يجمع بين القديم والجديد، وكانت محاضراته التي ألقاها بين رواد ندوة العلماء محفزة وموجهة ومثيرة
قضية فلسطين:
حادث النفق والذي أثار انتفاضة المسلمين في فلسطين المحتلة، جزء من مخطط خبيث لتهويد المدينة المقدسة.. فهل من كلمة توجهونها لمسلمي العالم عبر مجلة المجتمع مجلة كل المسلمين في العالم؟
الطريق الوحيد لمواجهة مثل تلك الخطوب يكون بإثارة الحمية الدينية واجتماع الكلمة، والتعاون على صعيد الفكرة والسياسة، لقد آن الأوان لتجتمع الأمة من شرق العالم إلى غربه، ومن شمال العالم إلى جنوبه، بغض النظر عن الجنسيات واللغات والثقافات على الحمية الدينية، وقد بحثت في محاضرتي التي ألقيتها قبل عقود في جامعة دمشق عن أسباب كارثة فلسطين، وذكرت فيها العوامل التي ساعدت اليهود على التسلط والهيمنة على فلسطين، وذكرت منها قلة الحمية الدينية وقلة التعاون وقلة الحماس الإسلامي وغير ذلك.
ما واجب مسلمي العالم تجاه إخوانهم من مسلمي الهند خاصة في ضوء المؤامرات التي تحاك ضدهم صباحًا ومساءً؟
أولًا- الاطلاع على الوضع السياسي والثقافي والإعلامي في الهند. ومن ثم تأييد المسلمين في الهند على أساس أنهم مسلمون كان لهم مركز كبير، وكان لهم دور كبير في تاريخ الإسلام، ويذكر التاريخ أن المسلمين في الهند- في أوائل هذا القرن - تحمسوا للخلافة العثمانية، ودخلوا بسبب ذلك في السجون والمعتقلات وضحوا بسبب ذلك تضحيات كبيرة.... فالشعب الذي قام بواجبه وأدى ما عليه يستحق الاهتمام به و التحمس له.