العنوان التحديات تزداد أمام حكومة بوتو وباكستان مهددة بأزمة سياسية جديدة
الكاتب رأفت يحيى العزب
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1994
مشاهدات 71
نشر في العدد 1099
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 10-مايو-1994
مواجهات وأحداث شغب في كراتشي
تواجه حكومة بنازير بوتو ولأول مرة منذ توليها السلطة في أكتوبر الماضي سلسلة من التحديات الصعبة التي تعيد للأذهان أجواء الأزمة السياسية التي شهدتها باكستان في خريف العام الماضي وانتهت بسقوط حكومة نواز شريف وإجراء انتخابات جديدة في البلاد. وتتنوع التحديات التي تواجه بنازير بوتو بين فشل محلي أخذ في الصعود تمثله اضطرابات السند المستمرة، وأزمة الإقليم الحدودي الدستورية، والمعارضة المتنامية في البرلمان الإقليمي بالبنجاب والفيدرالي في إسلام آباد، وحالة الإحباط التي يعانيها رجل الشارع العادي من جراء الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية، وخيبة أمل في سياسة البلاد الخارجية تجاه كشمير من ناحية أو البرنامج النووي من جانب آخر.
فشل محلي آخذ في الصعود
في إقليم السند وعاصمته كراتشي التي تشكل عصب الحركة التجارية والصناعية في باكستان حالة من الغليان المستمر بين حزب المهاجرين القومي، والحكومة الإقليمية التابعة لحزب الشعب الباكستاني الحاكم في البلاد. ومنذ وصول بنازير بوتو للسلطة، أفرزت هذه الحالة تخبط الحكومة الإقليمية في سياستها الأمنية ولجوءها لاستخدام العصا الغليظة ضد معارضيها وسط أزمة اقتصادية بالغة يعانيها الإقليم الممزق عرقياً.
خطورة هذه الحالة تكمن في الأطراف التي تقف وراءها من ناحية أو المسرح الذي تجرى عليه الأزمة؛ فحزب المهاجرين القومي الذي يمثل تيار المسلمين الذين هاجروا من الهند بعد قيام دولة باكستان عام 1947م، واستقروا في إقليم السند المجاور للهند وخصوصاً في المناطق الحضرية (كراتشي، حيدر آباد)، يحظى بشعبية غير عادية في هاتين المدينتين ويشغل أكثر وأهم المناصب في الإقليم. ولجوؤه إلى الإضرابات والعنف أسهم في شل حركة الحياة بالإقليم، وهذا ما أثر بدوره على الحركة التجارية والصناعية في كراتشي التي تعد مركز التجارة والصناعة في باكستان بحكم وقوعها على بحر العرب وبحكم قوة العمالة الكبيرة في المدينة التي يصل تعدادها لأكثر من 10 مليون نسمة وهي في ذلك أكبر مدينة في باكستان. وتأتي مصادمات حزب المهاجرين القومي مع حزب الشعب الباكستاني لتؤثر على سمعة وأداء الحكومة الإقليمية والفيدرالية معاً.
ويسترعي الانتباه طبيعة الأرضية التي تجري عليها هذه الاضطرابات، إذ إن إقليم السند يشترك في حدود طويلة مع الأراضي الهندية حيث تنتشر قوات هندية بكثرة على الحدود، فضلاً عن النشاط المكثف الذي تمارسه المخابرات الهندية في الإقليم بحكم الموقع الجغرافي وتواجد نسبة لا يستهان بها من الهندوس، وهذا من شأنه أن يؤثر على الطبيعة الأمنية للإقليم، بل وينهك الاقتصاد الباكستاني بشكل غير مباشر نتيجة عرقلة العملية الصناعية والتجارية هناك.
وفي الإقليم الحدودي وعاصمته بيشاور لا تختلف الحالة كثيراً عن إقليم السند وإن كانت الأزمة تختلف في العناصر المكونة لها؛ فبرلمان الإقليم الحدودي يعاني أزمة دستورية بعد أن نجحت حكومة الحزب الحاكم في شراء بعض أعضاء البرلمان المستقلين فتعادلت كفتها في البرلمان مع الحكومة الإقليمية المعارضة، وأسفر عن ذلك صراع محموم على من يشكل الحكومة هناك رغم صدور قرارات من المحكمة الدستورية العليا في باكستان تسمح لحكومة المعارضة بالعودة لممارسة نشاطها بعد أن أقدم رئيس البلاد على حلها. إلا أن الحزب الحاكم مارس مناورة من نوع آخر مكنته من تشكيل حكومة في الإقليم بعد مقاطعة المعارضة لعملية سحب الثقة في البرلمان، والتي على أساسها أصبح أفتاب شيرباو زعيم حزب الشعب في الإقليم رئيساً للحكومة هناك.
هذه الأزمة الدستورية آخذة في التعقد، وتعتزم المعارضة (المشكلة من حزب العوام الباكستاني المعروف بمشاغباته إلى جانب حزب الرابطة الإسلامية ذات الأغلبية في الإقليم الحدودي) تسيير مظاهرات وتنظيم إضرابات ما لم تعد الحكومة الفيدرالية النظر فيما أقدمت عليه من قرارات. هذه الأزمة تلقي بطبيعة الحال بظلالها على الحالة الأفغانية وتصرف الأنظار عن إمكانية لعب دور إيجابي تجاه مأساة كابل.
ولا تقف الأزمات الإقليمية عند حدود بيشاور والسند بل تتعداها إلى إقليم البنجاب معقل حزب الرابطة الإسلامية، حيث تشكل المعارضة نسبة كبيرة داخل البرلمان وتسيطر بصفة أساسية على مختلف المدن الرئيسية في الإقليم، حيث جاء أغلب أعضائها من المدن وليس من القرى كما هو الحال بالنسبة لبنازير بوتو. وقد هدد أعضاء البرلمان الإقليمي بالاستقالة على غرار قرار أعضاء البرلمان الفيدرالي التابعين للمعارضة الباكستانية مطالبين بإعادة النظر فيما صدر بشأن إقليم بيشاور والتحقيق فيما يعرف حالياً بفضيحـة "مهران جيت"، وهي القضية التي تورط فيها عدد من القيادات السياسية بينهم بعض أعضاء حزب الشعب الباكستاني كما تردد المعارضة.
يدخل في إطار النسق المحلي أيضاً موجة الأسعار التي تهدد القطاع الأكبر من الشعب الباكستاني في مختلف الأقاليم، وهي أزمة تتعارض أساساً مع صلب فلسفة حزب الشعب الباكستاني القائمة على شعارها المعروف: "كابرا، روتي، مكان" أي ملبس ومأكل ومسكن لكل مواطن. فقد شهدت الأيام الأخيرة ارتفاعاً كبيراً في أسعار السلع الأساسية الأمر الذي أثار استياء رجل الشارع العادي الذي أغراه شعار بنازير بوتو السابق فصوت لصالحها ولاعتبارات أخرى أيضاً!؟
هذا على المستوى المحلي، أما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الباكستانية؛ فهي في مجملها ومنذ وصول بنازير بوتو للسلطة تشكل حالة من التخبط دون وضوح في الرؤية. فبنازير بوتو التي كان يؤمل في وصولها للسلطة أن تخرج البلاد من حالة العزلة الدولية، وأن تنهي حالة الفتور في العلاقات مع الولايات المتحدة خاصة فيما يتعلق بصفقة الطائرات F-16 وما يرتبط بها من سياسة باكستان النووية بالإضافة إلى كسب التأييد الدولي المناسب لتحريك القضية الكشميرية وإخراجها من حالة الركود. هذه الآمال لم تتحقق، بل إن الخارجية الباكستانية وقعت في عدة أخطاء عامة كما يذكر الكثير من المراقبين، أهمها فشلها في جنيف أخيراً وما ترتب على ذلك من إهانة الشعب الكشميري وقضيته وتأخرها نتيجة ذلك عدة سنوات للوراء، ودفع الهند للتلميح بأنها لا تقبل بفكرة مناقشة قضية كشمير الآن لأنها كما ترى جزء من أرضها.
وتصريحات بنازير بوتو الأخيرة المتعلقة بالسيخ وإعلانها أنها أيدت الهند ضد هؤلاء الانفصاليين مما حدا بالكثير من المراقبين في الداخل والخارج إلى اعتبار ما حدث بمثابة كارثة لا يمكن معالجتها بسهولة. أضف إلى ذلك التخبط في السياسة الخارجية تجاه أفغانستان وما ترتب على ذلك من إغلاق السفارة في إسلام آباد هناك، وهو ما يعني تراجع الدور الباكستاني في التأثير على مجريات الحرب وإمكانية احتواء الصراع الدائر في كابل.
هذه الصورة الباهتة من الفشل الداخلي والإحباط الخارجي دفعت الكثير من المراقبين إلى التخوف من إمكانية دخول باكستان أتون أزمة سياسية جديدة لا تختلف في أبعادها وما يمكن أن يترتب عليها من نتائج عن أزمة الخريف الماضي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل