; التجديد والنهضة.. ودور الحركات الإسلامية في العصر الحديث | مجلة المجتمع

العنوان التجديد والنهضة.. ودور الحركات الإسلامية في العصر الحديث

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1994

مشاهدات 135

نشر في العدد 1100

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 17-مايو-1994

التجديد في الإسلام مبدأ متفق عليه أشار له الأثر المعروف "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها" (أخرجه أبو داود وصححه الألباني)، وفي الماضي كان كثيرون يفترضون أن التجديد يكون في أحكام الفقه أو التشريع، لكن هذا الفهم يضيق نطاق الفكر الإسلامي ويتعارض مع مبدأ شمول الإسلام لجميع الشؤون الاجتماعية للدفاع عن مبدأ شمول الإسلام وقاومت دعوة اللادينية أو فصل الدين عن الدولة أو عن شؤون الدنيا والمجتمع ونجحت في ذلك إلى حد كبير، حتى أصبح هذا المبدأ من أهم مميزات العمل الإسلامي المعاصر وحظي بتأييد واسع لدى جماهير شعوبنا، وأصبح يعبر عنه بالصحوة الإسلامية.

والصحوة الإسلامية هذه هي نموذج للتجديد الذي لا ينسب لإمام معين أو عالم أو فقيه - وإنما يشارك فيه أجيال من المفكرين والدعاة بل والجماهير أنفسهم الذين أصبحوا يتمسكون بأن الإسلام دين ودولة - وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه في كتابنا "فقه الشورى والاستشارة" من أن الشورى والتشاور هما من أهم أبواب التجديد، كما أنهما يميزان الاجتهاد الجماعي في العصر الحديث الذي نرى أنه أصبح المنهج الأساسي في الفكر الإسلامي بعد أن قفل باب الاجتهاد، كما يقول البعض - أي أن الذي قفل هو فقط الاجتهاد الفردي دون الاجتهاد الجماعي، وإذا كان الاجتهاد قد أصبح مصطلحاً خاصاً بالفقه فإن التجديد أعم وأشمل لأنه يعني كل حركة تؤدي إلى صحوة الأمة واجتيازها العقبات التي تعوق نهضتها وتقدمها أو تسبب تخلفها وضعفها وانحرافها عن مبادئ دينها وعقيدتها.

بدأت نهضة أمتنا الإسلامية بحركة فكرية التجديد والإصلاح في أواخر عهد الخلافة العثمانية، وكان أملنا أن تعالج أسباب التخلف والضعف الذي شاب المجتمع الإسلامي ودولته قبل أن ينجح أعداؤها في القضاء عليها - لكن العدو كان أسبق منا إذ استطاع بتدبير فتن داخلية (بين العرب والأتراك مثلاً) أن يعجل انتصاره على الخلافة والقضاء عليها وعلى وحدة الشعوب الإسلامية فمزقها شر ممزق واحتل أقطارها وما زالت سياسة التمزيق مستمرة بالفتن والمعارك الداخلية بين الأقطار والحكومات القطرية المختلفة بل وبين العناصر الوطنية والداخلية في كل منها.

بعد انهيار الدولة العثمانية نشأت حركة الإخوان التي كان لها الفضل الأول في تحريك تيار الفكر التجديدي والإصلاحي إلى تيار سياسي، وحركة جهاد لتحرير الوطن الإسلامي وإقامة دولة الإسلام على نهج الدعوة الأولى، وعبرنا عن ذلك بأن الإسلام دين ودولة - وهذا المبدأ هو الذي أثار علينا القوى الأجنبية التي فهمت أنه يؤدي إلى القضاء على نفوذها وسيطرتها التي حققتها بعد القضاء على الدولة الإسلامية.

لذلك جعلت القوى المعادية للإسلام القضاء على الحركة الإسلامية هدفاً استراتيجياً لها، واستخدمت لذلك نفوذها وأموالها وأسلحتها وعملاءها وأعوانها الذين جندتهم لمقاومة تيار النهضة الإسلامية الذي يصفونه بأنه "الإسلام السياسي" أو "الأصولي" أو ما إلى ذلك من أوصاف يصنعها الإعلام العالمي ليصور المعركة بين الحركة الإسلامية والعدوان الأجنبي في صورة داخلية وفتنة بين متطرفين ومعتدلين في نظره.

لكن ثبات هذا الجيل وصمودهم أمام هذا القمع ضد الحركة الإسلامية قد أحبط خطط العدو الأجنبي، إذ تحول التيار الإسلامي إلى حركة شعبية جماهيرية بعد أن كانت تياراً فكرياً يضم صفوة من ذوي الرأي والفكر - وانتشرت نماذج عديدة لجماعات الإسلام السياسي وتنوعت أساليبها ومناهجها - وهذا التعدد يفتح باب الفرقة بل والخصومة بين فصائل هذا التيار مما يخدم خطط أعدائنا لكي يوقعوا الفتن بين الجميع ويشغلوهم بها.

إن التجديد الذي بدأته الحركات الإسلامية هو تعبير عما تسميه اليوم بالنهضة الشاملة التي تساهم فيها جماهير الأمة وجميع قادة الفكر والرأي فيها ولا يستقل بها إمام أو فقيه معين - وإن كان للفقهاء والأئمة والعلماء فيها دور رائد لا يمكن إنكاره.

والجديد في عصرنا هو أن ما يسمى بالحركات الإسلامية أو الهيئات الإسلامية هي التي تقود مسيرة النهضة والتجديد في العالم الإسلامي، وأنها قامت فعلاً بهذا الدور وما زالت تقوم به، وهذا لا يمنع وجود علماء وأفراد خارج هذه الحركات يساهمون في النهضة من الناحية الفكرية، لكن الحركات والهيئات الإسلامية تقوم بالمهمة الأساسية، وهي تحويل هذا التيار الفكري إلى حركة شعبية سياسية واجتماعية تقود جماهير الأمة في طريق الصحوة والنهضة الشاملة.

إننا ندعو هذه الهيئات والحركات إلى أن تنتقل إلى مرحلة جديدة من التعاون والتشاور والحوار فيما بينها لتطبيق منهج الشورى الذي شرعه القرآن وفرضه الإسلام - لكي تكون بذلك قدوة لغيرها - وتقدم لشعوبنا دليلاً عملياً على أن الشورى الإسلامية هي منهج قادر على أن يوفر لشعوبنا وأمتنا أسباب التضامن والاتحاد والوحدة.

علينا أن نفكر جدياً في مسيرتنا على ضوء الثوابت الأساسية التي تجمع بين فصائل التيار الإسلامي - مع مراعاة للمستجدات السياسية والاجتماعية الداخلية والعالمية التي نواجهها - وأهمها ما يلي:

1 - زيادة استعلاء القوى الأجنبية المعادية لنا ووحدة صفها في مواجهتنا ونمو قوتها ونجاح مخططاتها في السيطرة على بلادنا وعلى العالم كله بواسطة منظمات عالمية وإقليمية تحركها وتسيرها بطريق مباشر ورفع شعارات زائفة للتعبير عن عدائها للإسلام سواء باسم الأصولية، أو التطرف أو غيرها.

2- تضاؤل دور الدول القطرية والحكومات والأحزاب والهيئات الوطنية والمحلية - حتى أصبح كثير منها عاجزاً عن مقاومة الضغوط والإغراءات الأجنبية - بل تحول البعض إلى مجرد عملاء وأعوان لتنفيذ المخططات المعادية لعقيدة الإسلام وأمته.

3- نمو القاعدة الشعبية والجماهيرية المؤيدة للصحوة الإسلامية حتى أصبحت شعوبنا تعتبرها الأمل "الوحيد" لها في مقاومة السيطرة الأجنبية وعملائها - وخاصة بعد أن فقدت الآمال الكاذبة التي روج لها دعاة القومية أو الاشتراكية أو غيرها من الشعارات التي خدمت بعض الشعوب في مرحلة الحرب الباردة.

4- أصبحت المصالح المالية والاقتصادية هي محور السياسة الدولية والداخلية في جميع الدول التي صارت تعتبر أول واجباتها توفير مطالب العيش والرفاهية للأفراد والشعوب وحماية الاقتصاد الوطني وتنميته وتحصينه ضد أخطار المنافسة في الاقتصاد العالمي المبني على حرية السوق.

 

الرابط المختصر :