العنوان التاريخ يعيد نفسه بين سايكس - بيكو.. وبيرل - فيث ١٩١٦- ٢٠٠٢م
الكاتب مصطفي الطحان
تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2003
مشاهدات 64
نشر في العدد 1537
نشر في الصفحة 42
السبت 01-فبراير-2003
في الحرب العالمية الأولى التي بدأت عام ١٩١٤ وانتهت معاركها عام ۱۹۱۸، ولملمت ذيولها عام ١٩٢٣ في معاهدة لوزان عندما أسدل الستار على الوحدة الإسلامية، فقسمت الدولة الإسلامية إلى دويلات وزعتها على الدول الاستعمارية التي بدأت الحرب أساسًا لتتقاسم المغانم، وأسقطت الخلافة وأنهت الحكم الإسلامي واستبدلت به العلمانية الغربية.
وأثناء هذه الحرب العالمية، وبينما كان جنرالات الحرب يخوضون معاركهم على الجبهات العسكرية، كان جنرالات السياسة يخططون مؤامراتهم في دهاليز لندن وباريس موسكو؛ ونتيجة لهذه المؤامرات اتفقت دول الغرب في اتفاقية سايكس بيكو ۱۹۱٦على إسقاط الدولة الإسلامية وتقسيمها دويلات وزعوها فيما بينهم. ثم أصدرت هذه الأطراف عام ۱۹۱۷ملحقًا مكملًا لمعاهدة سايكس بيكو بإعطاء فلسطين لليهود لإقامة وطن قومي لهم فيها.
وها هو كيسنجر الذي شغل يومًا منصب وزير الخارجية الأمريكي ولا يزال واحدًا من مخططي السياسة الأمريكية، يقول: المفاوضات عبارة عن حرب، كلما ارتفعت وتيرتها علت أصوات مدافعها.
اليوم تعلو نغمة الحرب الأمريكية لإخضاع الشرق الأوسط وتقسيمه، جيوش تستعرض أرقى ما في مخازنها من أسلحة، وقواعد لاستقبال قوات الغزو، والتحالف الاستعماري الجديد هو ذاته الحلف الاستعماري القديم مع بعض التعديلات التي فرضتها موازين القوة الجديدة.
في الأول من «نوفمبر» ۲۰۰۲، دعا ريتشارد بيرل رئيس دائرة التخطيط السياسي في وزارة الدفاع الأمريكية، ودوجلاس فيث مساعد وزير الخارجية الأمريكية «وكلاهما يهودي أمريكي متحمس للصهيونية»، كبار العسكريين الأمريكيين إلى اجتماع مغلق للبحث في التطورات في الشرق الأوسط.
خلال الاجتماع عرض بيرل وفيث على المؤتمرين لوحتين بيانيتين على شاشة عملاقة لشرح أهداف الحرب الأمريكية على الإرهاب في الشرق الأوسط.
اللوحة الأولى تضمنت الأضلاع الثلاثة الآتية مع توصيف خاص مرفق معها الضلع الأول: العراق، ووضع إلى جانبه تعبير «الهدف التكتيكي»، الضلع الثاني منطقة الخليج، ووصفت بأنها «هدف استراتيجي»، والضلع الثالث مصر وأرفقت بالتعبير «الجائزة الكبرى».
واللوحة الثانية لم تقل إثارة عن اللوحة الأولى، وهي عبارة عن مثلث تضمن التوضيحات التالية: إسرائيل هي فلسطين، الأردن هو فلسطين، العراق هو المملكة الهاشمية.
هذا الاجتماع الذي لم يهتم بيرل وفيث حتى بإبقاء مداولاته سرية، فسربت بعض المعلومات عنه إلى الصحافة الإسرائيلية، بدا أقرب إلى كونه مؤتمرًا صهيونيًّا عالميًّا منه إلى ندوة تخطيط داخلية أمريكية.
لكن ماذا يريد بيرل وفيث بالتحديد؟
هناك وثائق في غاية الخطورة تجيب عن هذا السؤال:
ترتيب الأحداث التي تعيد لإسرائيل المبادرة الاستراتيجية وتوفر للأمة اليهودية المجال لاستخدام كل الطاقات من أجل بناء «إسرائيل الكبرى» ويتم ذلك.
بالعمل بشكل وثيق مع تركيا والأردن لاحتواء وزعزعة كل الأنظمة التي لا تقبل هذا المخطط.
تغيير العلاقات مع الفلسطينيين، بما في ذلك حل الملاحقة الساخنة في كل المناطق الفلسطينية والقضاء على فكرة الدولة الفلسطينية.
إقامة تعاون استراتيجي أمريكي - إسرائيلي.
وثيقة أخرى تقول بضرورة تدمير القومية العربية العلمانية التي كان يعتقد البعض أنها حاجز في وجه الأصولية الإسلامية، لكن النظر المتمعن في الأمر يؤكد أن تدمير القومية العربية يصب في مصلحة الاستراتيجية الإسرائيلية والغرب (۱).
بين الأمس واليوم
استطاعت الحرب العالمية الأولى بمؤامراتها ومعاهداتها أن تحقق الكثير من أهدافها، فقسمت العالم الإسلامي واستعمرته وأقامت الكيان الصهيوني وحطمت البنى التحتية في بلاد المسلمين: التشريعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتركت المنطقة تسعى وراء لا هدف، وتهيمن على أكثرها عصابات الفساد وانقلابات الدمار وشعارات الخراب. بنت جيوشها التي لم تكن لها من مهمة إلا القمع وحراسة السجون المفتوحة للقوى الإسلامية الرافضة لهذا الاستعمار.
واليوم هل ستحقق الحرب المعلنة أهدافها؟
بإقامة حلف استراتيجي بين أمريكا وإسرائيل والأردن وتركيا؟
وهل تكون الحرب مع العراق مجرد خطوة تكتيكية تضرب هذا البلد وتخربه وتقسمه وتتركه قاعدة أمريكية للوثوب منها إلى الأهداف الاستراتيجية في المنطقة؟
هل ستكتمل هذه الخطوات بإنهاء دور مصر الريادي في المنطقة العربية، مصر التي وصفتها الوثيقة بأنها الجائزة الكبرى؟
منطق الأمور يقول: إن أمريكا تستطيع بقوة الدفع الصهيونية التي تسيطر على مراكز القرار في واشنطن أن تحقق مجمل طموحاتها، ولكن من المشكوك به كثيرًا أن تنجح في الحفاظ طويلًا على ما تحققه.. هذه نقطة.
ونقطة أخرى، فلربما احتاجت شعوبنا وقواها المنخورة مثل هذه الاستراتيجية العدوانية لتنفض عنها روح الانهزام، والخوف من سدنة البطش والطغيان، وتبدأ تحرير نفسها أولًا.
إن ازدراء أمريكا للآخرين، واستعراض عضلاتها، ورفضها التعرف على جذور الإرهاب ومعالجتها، وعدم اكتراثها الفاضح بالقانون الدولي، وانحيازها الأعمى للكيان الصهيوني في جرائمه ضد الشعب الفلسطيني، كل ذلك تسبب في إفراز تيار شعبي عريض على الساحات العالمية في العالم الإسلامي، في أوروبا، في أمريكا اللاتينية، في إفريقيا، يعبر عن نفسه تارة على شكل أعمال عنف فردية، وتارة بصورة سلمية في مقاطعة البضائع الأمريكية، أو في إحراق مطاعم الوجبات السريعة. روافد متعددة تغذي تيار التمرد ضد الإمبريالية الجديدة.
قبل أكثر من ٦٠عامًا، أطلق هنري لوس مؤسس مجلة «تايم» واحدة من أشهر الدعوات المبشرة بهيمنة أمريكا على العالم.
لكن لوس وهو يفعل ذلك، كان يدرك أن مسعى قيادة العالم يتطلب ما هو أكثر بكثير من القوة العسكرية الطاحنة، وهكذا حث في مقاله «قرن أمريكا» مواطنيه على إنفاق ١٠% على الأقل من كل دولار يخصص للأغراض العسكرية على الجهود الإنسانية في العالم، فبرأيه لكي تستطيع أمريكا أن تهيمن، عليها ألا تبدو أقوى فقط، بل أفضل أيضًا.
كما أن عليها أن تشاطر الآخرين قمرة القيادة، وها هي أمريكا تنفق الآن على موازنتها العسكرية أكثر مما تنفقه كل الدول الكبرى مجتمعة «أكثر من ٤٠٠ بليون دولار» فكم تنفق على الجهود الإنسانية؟
من يدري؟ هل تتسبب القوة المبطرة في سقوط طغاتها؟
وهل يتسبب الظلم والقهر في انتصار الشعوب المضطهدة؟
الفكر والعقل السليم يقبلان ذلك، أما المنطقة الثالثة فهي رغبة أمريكا في السيطرة على العالم. ولقد ركزت الوثيقة الرسمية -التي نشرها البيت الأبيض في ۲٠/۹/۲۰۰۲ عن الاستراتيجية الأمنية القومية للولايات المتحدة- على الجمع بين محور الشر ومحور الإرهاب. وكانت الوثيقة في منتهى الصراحة عندما أوضحت أن مفهوم السلوك الأحادي الجانب ليس فقط في مواجهة الأعداء، بل في مواجهة الأصدقاء كذلك، من هذا المنظور تحديدًا فإن النزعة الأحادية الجانب والمنفلتة من عقالها للإدارة «البوشية»، تبدو وكأنها موجهة بالدرجة الأولى نحو الحليف الأوروبي، فإن حليفًا مثل المستشار الألماني شرودر أو الرئيس الفرنسي شيراك مرشح بسهولة لأن يغدو خصمًا، بقدر ما قد يصر على أن يتصرف كشريك لا تابع.
روبرت كاغان أحد الخبراء الاستراتيجيين اليمينيين في الولايات المتحدة كتب في جريدة «ذي تسايت» الألمانية في ۱۱/۷/۲۰۰۲م، بأن أوروبا أصبحت اليوم ضعيفة، ولكنها لا تريد أن تعترف أو تتصور أن أمريكا غدت اليوم القوة العظمى في العالم، وقد آن الأوان لكي تتوقف عن الادعاء بأن الأوروبيين والأمريكان يتقاسمون اليوم وجهة نظر مشتركة حول العالم، فثمة خلافات عميقة -وسوف تستمر على الأرجح- وبخاصة فيما يتصل بتنفيد السياسات الخارجية الدفاعية والقضايا القومية المصيرية.
أما وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر فقد تحدث في جامعة هوبند في ١٢/٦/٢٠٠٠م معتبرًا أن جوهر مفهوم أوروبا بعد عام ١٩٤٥م كان ولا يزال يقوم على رفض مبدأ ميزان القوى وطموحات الهيمنة التي برزت غداة معاهدة سلام وستفاليا لعام ١٦٤٨، وأن الاتحاد الأوروبي نفسه هو حصيلة هذا الرفض. أما رومانو برودي رئيس المفوضية الأوروبية فقال في باريس يوم ١٩/٥/٢٠٠١م بأن «القانون حل في أوروبا محل عروض القوة، وفقدت سياسات القوة بذلك نفوذها، وبنجاحاتنا في الوحدة نظهر للعالم أن من الممكن إقامة عالم مسالم» (۲).
وإذا كانت هذه هي نظرة أمريكا للاتحاد الأوروبي، فكيف ستكون نظرتها تجاه روسيا والصين واليابان وغيرها؟
هل تستطيع القول إن غرور أمريكا سيلحق بها الضرر، وأن الدول الكبرى بدأت تتحسس خطورة المرحلة وترفض التسليم بسيطرة الولايات المتحدة على كل موارد الكرة الأرضية وتحكمها بالعالم؟
(۱) مجلة الوسط - العدد ٥٦٦ (٢/١٢/٢٠٠٢).
(۲) الحياة اللندنية صالح بشير (٢٤/١١/٢٠٠٢)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل