; التاريخ يعود إلى أصوله.. استراتيجية تركيا في البلقان | مجلة المجتمع

العنوان التاريخ يعود إلى أصوله.. استراتيجية تركيا في البلقان

الكاتب هارون يحي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1998

مشاهدات 61

نشر في العدد 1325

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 10-نوفمبر-1998

● لكي يعود النفوذ التركي إلى البلقان لابد من عودة تركيا لهويتها الإسلامية.

●  5،5ملايين مسلم بلقاني يشكلون حزامًا جغرافيًّا من البحر الأسود إلى الأدرياتيكي

●  الحزام البلقاني الأخضر مسؤولية تاريخية وأخلاقية ومزية استراتيجية كبرى لتركيا

لو كانت فكرة وجود استراتيجية تركية في البلقان نشأت منذ عشرين أو ثلاثين سنة مضت لما كان لها معنى، ففي ذلك الوقت لم تكن الأوضاع والفرص مواتية لتطوير استراتيجية طويلة الأمد لتركيا، إذ كان العالم في حالة تجمد بسبب الحرب الباردة الناجمة عن صراع ساكن بين قطبين، ولم يكن لتركيا دور خاص محدد لها، وفي الواقع فمع بداية الحرب الباردة حددت السلطات الحاكمة في تركيا مبدأً يقول: إنه في حالة نشوء نظام عالمي جديد سيكون لتركيا دور فيه، وهكذا قرروا هدفًا استراتيجيًّا مهمًّا وهو أن يكونوا حلفاء إقليميين للولايات المتحدة، وفي الحقيقة لم يكن أمامهم الكثير ليفعلوه سوى ذلك وقد أثرت الحرب الباردة تأثيرًا مهمًا أصاب الخيارات التركية بالشلل كما فعل بالبلدان الأخرى ذلك لأن الحرب الباردة نصبت ستارًا استبعد العناصر الجوهرية في تشكيل الاستراتيجية كالتاريخ والثقافة والسكان والتجارة والموارد الطبيعية، وفي خلال تلك الفترة كانت الانحيازات الأيديولوجية للدولة وبالذات في البلدان الاشتراكية تلقي بالهوية التاريخية والقومية للبلد إلى الظل، مما قلص مفهوم الاستراتيجية وجعله أحادي البعد، كما أن كل الصراعات والتحالفات الثقافية والدينية والعرقية والقومية التي استمرت لقرون فقدت أهميتها، وكان الاهتمام الاستراتيجي ينصب على التنافس بين العالم الأول الكتلة الغربية والعالم الثاني "الكتلة الشرقية" وحده دون غيره، وكان هذا التوصيف للوضع ينصب أكثر من غيره على شبه جزيرة البلقان، فقد تركت كل الصراعات الدينية والعرقية والثقافية ومعها التحالفات الموازية لها والتي كانت تحدد الاستراتيجية في شبه الجزيرة الكبيرة تلك، لتتجمد في إطار ذلك الوضع الذي وصفناه للتو، لقد استبعدت الأوضاع التاريخية والروابط الأخوية أو العدائية القائمة على أساس الدين الشعوب مثل الصرب، والكروات والبلغار، والألبان والبوسنيين والمقدونيين والرومانيين والبوماك، والأتراك واليونانيين والمجر وأهل الجبل الأسود في الاعتبار وحلت محلها فقط الصراعات الناجمة عن أشكال مختلفة من الاشتراكية.

ومع ذلك انتهت الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات وأعقبها انهيار الأنظمة الاشتراكية في الكتلة الشرقية الواحد بعد الآخر، وبعد وقت قليل طوى أرشيف التاريخ الاتحاد السوفييتي أو الأخ الأكبر بين صفحاته.

وهنا انكشفت حقيقة مهمة وهي أن الحرب الباردة لم تمح أو حتى تخفف من الهويات الدينية والعرقية والقومية لتلك الشعوب بل كانت النتيجة الوحيدة التي خلفتها هي حجب تلك الهويات لحوالي خمسين عامًا، وعندما تمزق هذا الحجاب عاد كل شيء إلى وضعه الأصلي، وبمعنى آخر عاد كل شيء إلى جذوره، وكان معنى ذلك بالنسبة لتركيا هو أفق استراتيجي جديد تمامًا، فمع انهيار الأنماط الجامدة للحرب الباردة انكشفت رؤية جديدة أمام تركيا، ولتركيا اليوم قوة الأخذ بزمام المبادرة في البلقان، حيث تبرز مفاهيم مثل الدين والعرق والثقافة كعوامل حاسمة، إذ إن تركيا هي الوريث الطبيعي للإمبراطورية العثمانية، ولأنها تملك هوية تركية إسلامية سوف تلعب دورها في مجال برزت فيه مؤخرًا: التحالفات والجبهات التاريخية.

 إن عالمًا جديدًا يتشكل الآن وسوف تتحدد مكانة تركيا فيه حسب الاستراتيجيات التي تنشئها بخصوص هويتها وثقافتها وتاريخها، وفي نهاية المطاف تحافظ تركيا على المهمة الخطيرة التي اسندها تاريخها إلى كل من حكومتها وشعبها كذلك ينبغي على تركيا أن تشكل استراتيجية قومية تليق بهذه المهمة، وهذا المقال يهدف للإسهام في ذلك المسعى إن النقطة الجوهرية في تصور مثل تلك الاستراتيجية طويلة المدى لتركيا هي ضرورة التفكير في مجال يتخطى الحدود ويعبرها.

والعناصر التي ينبغي التركيز عليها هي التركيبات الجغرافية والسكانية الدين والعرق والتوزيع الثقافي في ذلك الإقليم بأكثر مما يظهر على الخريطة، وفي هذا الصدد فإن تركيا بجانب كونها دولة تركية تعد ممثلًا مهمًّا جدًّا للإسلام في العالم الغربي، ولهذا السبب فللبلد ارتباط تاريخي ووزن هائل في إقليم البلقان.

وإذا وزن الوضع في البلقان من هذا المنظور فستدرك أن مسؤولية تركيا المسلمة تتجاوز أدرنه إن هناك كتلة سكانية تركية- إسلامية كبيرة في البلقان متبقية من أيام الإمبراطورية العثمانية، وتتركز هذه الكتلة السكانية في خط استراتيجي مهم يعتد من أدرنة إلى الأدرياتيكي وهي تشكل لتركيا مسؤولية تاريخية وفرصة استراتيجية.

الكتلة السكانية التركية الإسلامية

إننا نصف المسلمين البلقان هنا بلقب الترك المسلمين لأن البلقان المسلمين أنفسهم والقوميين الأتراك الذين يعادونهم قد تبنوا هذا الوصف وبالإضافة إلى ذلك فإن الصرب في المقام الأول وغيرهم من القوميين البلقان لا يترددون في وصف البوسنيين والألبان واليوماك بلقب الأتراك، ولكن هؤلاء الناس هم بلقانيون مسلمون من غير الأتراك لا يتكلمون التركية والسبب في هذه التسمية واضح للغاية، فمهما كانت أصولهم العرقية فإن المسلمين في إقليم البلقان ينظر إليهم كقومية منفصلة متميزة عن الشعوب المسيحية التي يعيشون وسطها، وتوصف هذه القومية بلقب التركية من ناحية هويتهم الإسلامية رغم أنها لا تعبر عن عرقية تركية، وهذا التوصيف ذائع في المنطقة.

وتشرح المؤرخة البلقانية ماريا تودوروفا من جامعة فلوريدا، هذه الظروف على النحو التالي: من المفارقة أن القومية البلقانية، وإن كانت أنت إلى حدوث تدهور في الوحدة المسيحية الأرثوذكسية، قد انتجت مجتمعًا مسلمًا ثابتًا ومخالفًا ينظر إليه باعتباره قومية، وبعبارة أخرى فإن المسيحيين في البلقان قد وصلوا إلى نقطة افتراق بسبب بعض المفاهيم القومية إلا أن المسلمين ظلوا يتصرفون كأمة واحدة وكونوا كتلة مواجهة للأسباب نفسها وأبرز الأمثلة على هذا الأسلوب المسيحي في تسمية كل المسلمين في البلقان بأنهم أتراك يصرف النظر عن أصولهم العرقية، ومازالت هذه التسمية مقبولة عمومًا في الإقليم، وكانت هوية المسلمين البلقان الدينية تسبق دائمًا هويتهم العرقية، وهذا بالضبط هو الوضع في بلغاريا، حيث يشعر البوماك الذين يمكن وصفهم بأنهم مسلمون بلغار بأنهم أقرب إلى الأتراك منهم إلى البلغار والوضع في البوسنة واضح، فالبوسنيون الذين يشاركون الصرب والكروات الأصول العرقية نفسها ويتحدثون اللغة نفسها لم يتمكنوا أبدًا مع ذلك من الاندماج مع هاتين الطائفتين لأنهم كانوا دائمًا ينظرون إلى أنفسهم داخل المحور الإسلامي العثماني ويؤكد خبير البلقان إيران فرانكل أن الظروف نفسها تنطبق على مقدونيا، فحسبما يقول: لم يتجاهل المقدونيون المسلمون الإسلام أبدًا أو يرفضوه باسم القومية المقدونية، بل على العكس فقد أنكروا أنهم من العنصر السلافي وقبلوا بالهوية الإسلامية غير السلامية، ولهذا السبب نجد أن الشعوب التي تعد تركيا مسؤولة عنها في شبه جزيرة البلقان ليست تركية بلقانية فحسب بل يصل عددها إلى عشرة ملايين بلقاني مسلم، وهذه الشعوب التي لا تتحدث التركية وليست لها أصول عرقية تركية تشعر بأنها أقرب إلى تركيا لأنهم مسلمون وليسوا صربًا أو بلغارًا كالذين يتحدثون لغتهم، وتقول ماريا تودوروفا: إن النقود التركي في البلقان أمر معقد للغاية، وهذا يمس الشعوب التي تتحدث التركية في البلقان، ومعظم هذه الشعوب يقيم في بلغاريا ويتوزع باقيهم في اليونان ورومانيا، ويوغوسلافيا القديمة، ومع ذلك فإن مبادرة تركيا في المنطقة لا تقتصر على هؤلاء فالمسلمون الذين يتحدثون باللغات السلافية يقعون كذلك داخل دائرة النفوذ التركي وليس ثمة شك في أن هذه الظاهرة تعد مزية استراتيجية بالغة الأهمية لتركيا، وأهم نقطة هنا هي أن الشعوب البلقانية التي عاشت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية فهمت الإسلام على نحو أفضل وكيفته مع حياتها اليومية، ولذلك فقد واءموا بين هويتهم العثمانية وبين كونهم مسلمين، ولهذا السبب فإن كتلة مسلمة كبيرة في البلقان بجانب الطوائف ذات الأصل العرقي التركي تعتبر نفسها تركية حتى ولو كانت غير ذلك.

المجتمع التركي الإسلامي وراء إدرنة

حتى حرب البلقان عام ١٩١٣م كان يمكن للمرء أن ينطلق في إسطنبول ويصل إلى البحر الأدرياتيكي وهو لم يغادر حدود الإمبراطورية العثمانية، وكان إقليم تراقيا الغربية بأسره ومقدونيا وألبانيا، بل حتى كوسوفا والسنجق "وهي اليوم أقاليم يوغوسلافية تقع كلها تحت السيادة العثمانية"، وكذلك سالونيكي ثاني أكبر مدينة في الإمبراطورية، وبالإضافة إلى ذلك كانت أغلبية الشعوب التي تعيش في منطقة الرومللي تركية أو مسلمة وهم الأمة التركية الإسلامية التي تتألف من المهاجرين الأتراك والأناضوليين الواقعين في تراقيا الغربية ومقدونيا، والمسلمين البوماك بل وحتى السلاف المسلمين، وكان الألبان الذين يعيشون في البانيا وكوسوفا ومقدونيا الغربية، لأنهم مسلمون يعدون من مواطني الدولة العثمانية ومع ذلك فإن سذاجة الباشوات أعضاء جمعية الاتحاد والترقي ونشوء الاتحاد السلامي البلقاني الذي تدعمه روسيا، التقيا كحدث في تلك الفترة وأديا إلى ضياع كل تلك البلاد من الدولة العثمانية خلال عام ۱۹۱۲م، وكانت النتيجة بعد ذلك التاريخ هي هجرة جماعية إلى الوطن الأم، أما الذين تخلفوا عن الهجرة وبقوا حيث هم فقد واجهوا ظروفًا بالغة الصعوبة، وكان المتبقون في اليونان من المقيمين في إقليم تراقيا الغربية بالقرب من حدود تركيا، وقد عوملوا كطابور خامس في أوساط اليونان خلال فترة الستينيات عندما توترت العلاقات التركية اليونانية، وأدى ذلك إلى محاولات لاستيعابهم.

أما الذين بقوا في بلغاريا فقد واجهوا ظروفًا أسوأ فقد كان نظام جيفكوف بالإضافة إلى كونه شيوعيًّا نظامًا قوميًّا متطرفًا يحلم بإقامة دولة بلغارية متجانسة، أما الألبان في البانيا فقد ووجهوا بعملية غسيل للمخ قامت بها الدولة المتحدة التي أنشأها الدكتاتور أنور خوجة، وكانت الأوضاع في مقدونيا افضل تحت الاشتراكية التيتوية "نسبة إلى تيتو" الأكثر تسامحًا، ومع ذلك فإن الشعب التركي الإسلامي "البوسني والألباني" في ذلك البلد، قابل الضغط البارد الذي مارسته صربيا ولاسيما في السنوات العشر الأخيرة، كما واجه المسلمون السلاف الذين يعيشون في كوسوفا والسنجق محنة العيش داخل حدود بلد صربي وكان على الذين بقوا أن يواجهوا الأحزان والمحن، وفرض عليهم الاندماج القصري بل تعرضوا للقتل، ومع ذلك فقد حملوا مهمة بالغة الأهمية سواء كانوا واعين بها أم لا، فقد أصبحوا ممثلي الثقافة التركية الإسلامية في الغرب.

الرحلة من إسطنبول الى بيهاتش

عندما تبدأ الرحلة من اسطنبول إلى اليونان فإنك تتجه إلى إقليم تراقيا الغربية الذي يوحد الأقلية المسلمة التركية تحت الأخوة العثمانية، أما في الأقاليم العليا من بلغاريا فهناك طائفة أكبر وأكثر تعددًا من الأقليات التركية والمسلمة.

وينشئ هذا كتلة إسلامية تركية اتجاهًا إلى الغرب من إدرنة، أما إذا واصلت المسير فتقابل مقدونيا، وهذه الدولة البلقانية الصغيرة الواقعة بين اليونان وصربيا تشترك في الخط نفسه مع تركيا وبالفعل يوجد بها الكثير من الألبان وأقلية تركية مؤثرة، وإلى الغرب تقع البانيا وهي بلد فقير له روابط وثيقة مع تركيا لأنها أمة مسلمة هاجر الكثير من أبنائها إلى تركيا ولهذه الرابطة الوثيقة مع تركيا جذورها في المواقف المناوئة لليونانيين والصربيين وهي تطل على البحر الأدرياتيكي، وليس هذا كل شيء فإذا اتجهت إلى الشمال فستجد الإقليم الصربي الداخل في البانيا وهو كوسوفا، وقد اضطهد نظام الحكم في بلجراد باستمرار الألبان الذين يمثلون ٩٠% من سكان كوسوفا، ونتيجة لذلك فإن الراديكالية التي ولدت من نيران الضغوط والعذاب تقرب هؤلاء الألبان من الهوية الإسلامية ومن المحور التركي من الناحية النفسية.

أما إذا ذهبت من كوسوفا باتجاه الشمال الغربي فستصل إلى إقليم السنجق عبر حدود صربيا، ولهؤلاء المسلمين السلاف القاطنين في المنطقة والذين ظلوا تحت السيادة العثمانية حتى عام ١٩١٢م إحساس قوي بالهوية الإسلامية وتبدأ البوسنة حيث ينتهي السنجق وفي أبعد حدودها تجد إقليم بيهاتش المسلم والإيجاز نقول: إن الامبراطورية العثمانية التي كانت أكبر قلاع الإسلام لم يعد لها مكان في الوجود، ومع ذلك فإن الخط التركي- الإسلامي الذي يحرم البلقان من نقطة إلى أخرى مازال قائمًا، وهذا الحزام يمتد على طول خط له أهمية جيو استراتيجية كبرى، وليست هذه الأوضاع نتاج المصادقة بل على العكس لقد صنعت بوعي وديرت عمدًا، لقد صنعت الدولة العثمانية ترتيبًا سكانيًّا بعد فتح البلقان في عملية استمرت قرونًا ووضعت المجتمعات الإسلامية في أهم الأقاليم الاستراتيجية وقسم من تلك الشعوب الإسلامية هم في عشائر التركان البدوية الذين أرسلوا في الأناضول إلى البلقان للسكنى بها، أما غيرهم فهم من السكان المحليين في الإقليم الألبان البوسنيون البوماك ومن هذه الناحية فمن المهم أن نشير إلى أن كل المجتمعات المسلمة في هذا الحزام الجيو استراتيجي تشعر بتعاطف تاريخي وإحساس من التوحد مع أفكار كالإسلامية والعثمانية والتركية ولهذا أكثر من سبب.

إعادة الهوية الإسلامية

إن البوسنة وكوسوفا والسنجق ومقدونيا والتي يقال إنها برميل البارود المتفجر في البلقان تشكل الأساس في ذلك الحزام التركي- الإسلامي، وفي نهاية المطاف فإن كل تطور يحدث في ذلك الإقليم وكل الممارسات ضد المسلمين هي قضايا ترتبط بتركيا ارتباطًا وثيقًا، ويفسر العالم السياسي اليوناني ثانوس فيرميس إعادة النفوذ الإسلامي العثماني بقوله إن العامل العثماني هو أحد أهم العوامل التي قد تبعث عدم الاستقرار والانقسام في البلقان، فمنذ انسحاب العثمانيين من المنطقة لم تعد تركيا تعاني الاهتمام الجاد للمسلمين في البلقان، ومع ذلك ونتيجة لانهيار الشيوعية الأوروبية اكتسبت علاقات تركيا مع مسلمي البلقان أهمية لا تذكر، إن خمسة ملايين ونصف المليون من المسلمين البلقانيين يتألفون من اعراق مختلفة مثل البلغاريين والأتراك والصربيين والكروات والألبان، ويشكلون حزامًا جغرافيًّا ممتدًا من البحر الأسود إلى الأدرياتيكي، ومن التطورات المتوقعة أن تدرك تركيا دور حماية البلقان المسلمين وتعد نفوذها في تلك المنطقة.

وكما يقول فيرميس في نفس المقال : هناك خاصية استراتيجية مهمة أخرى لهذا الحزام من الشعوب، ذلك أنه يشكل حائطًا بين اليونان وبين حلفائها الأرثوذكس إلى الشمال وعلى الأخص صربيا، وإذا تمكنت تركيا من تفعيل ذلك الحائط فسوف تستطيع إقامة حاجز طبيعي لكي تعزل صربيا واليونان عن بعضهما البعض، والواقع أن أشد التهديدات خطورة ضد دولة البوسنة والهرسك والأعضاء الأخرى في الحزام التركي- الإسلامي يأتي من هذين الحليفين الأرثوذكسيين، وفي الحقيقة تدرك الأعين اليونانية أن الحزام التركي الإسلامي هو مزية استراتيجية كبرى لتركيا يمكن أن تؤدي إلى إقامة محور تركي إسلامي.

التغلب على الخطر الأخضر

ويدرك فيرميس مسألة أخرى ويشير إليها وهي قضية لا يمكن لمعظم العقول التركية أن تدركها أو تتعمد عدم ملاحظتها، فحسبما يقوله الكاتب اليوناني: إن السبب في عدم تمكن تركيا من تكوين نفوذ كاف في البلقان هو التمييز الغالب بين الإسلام والقومية التركية، وبالتالي فإن هذا التفسير يركز على حقيقة أن تركيا في سعيها لإنشاء دولة قومية قد أغفلت هويتها الإسلامية، ويمضي فيرميس إلى القول: لكي نرى بداية نفوذ تركي في البلقان لابد من إعادة ارتباط القومية التركية بهويتها الإسلامية، وفي الواقع فإن هذه الظروف تشير إلى درجة العمى السياسي عند بعض الجماعات في تركيا الذين يسعون إلى إضعاف الهوية الإسلامية في تركيا ويعدون الإسلام خطرًا على البلاد، والواقع أن الانحيازات الأيديولوجية لتلك الدوائر والأفكار المتسلطة عليها تضر بالفرص الاستراتيجية المتاحة أمام تركيا "وهذا العمى وتسلط الأفكار الثابتة قد اتضحا عندما فرض الحصار على حكومة عزت بيجوفيتش وهي تناضل ضد الصربيين بعد وصفها بالإسلامية".

ومع ذلك فلابد من أن تفعل تركيا من هويتها الإسلامية لكي تعيد تقوية وضعها في البلقان وليس هذا اختيارًا أيديولوجيًّا أو دينيًّا بل حقيقة استراتيجية، وإذا لم تؤد تركيا مسؤولياتها التاريخية في المنطقة فسوف تمحى من ذلك الإقليم وسيؤدي ذلك إلى إضعاف الحزام الأخضر الذي سيتحتم عليه أن يجد دعمًا من الآخرين.

ما الذي يجب عمله؟

ودعونا نفترض أن تركيا تحررت من الجوانب السلبية للدوائر التي تتسلط عليها فكرة الخطر الأخضر "يقصد الحزام الإسلامي" وقررت أن تمد نفوذها على ذلك الحزام الأخضر في البلقان، إننا نواجه عند تلك النقطة بسؤال حول ما الذي ينبغي عمله لتشكيل نطاق حيوي في البلقان ما الاستراتيجية التي ينبغي أن يلجا إليها ذلك الحزام المسلم الذي يمتد من إدرنة إلى الأدرياتيكي، ومن اسطنبول إلى بلغاريا، ومن مقدونيا إلى البانيا، ثم إلى الأدرياتيكي؟

إن هذه البلدان التي ترتبط مع بعضها بالاقتصاد قد تنشأ أيضًا روابط سياسية بينها، لقد نسي هذا المشروع بسبب عدم الاتساق الاقتصادي وغياب الحكومة في تركيا خلال السنوات الأخيرة ومع ذلك فمازال من الممكن إقامة مثل ذلك المشروع. إذ إن البلدان ذات الصلة في الإقليم راغبة في مثل تلك المبادرة، فمن وجهة نظر ألبانيا يمكن بناء طريق دولي على هذا الخط أن يبعث الحياة في اقتصادها ويكون بمثابة شريان حيوي، وهذا الطريق بالنسبة لمقدونيا المحشورة بين اليونان والصرب، والمحرومة من الوصول إلى البحر الأدرياتيكي بسبب عدم وجود البنية الأساسية اللازمة في البانيا يمكن أن يشكل خط الحياة لها، ومع مشروع الخط هذا سيكون من المحتم إقامة التحالفات السياسية والعسكرية مع البلدان التي تعتبر أعضاء في الحزام الأخضر، وبجانب ذلك فإن إنشاء محطة إرسال تليفزيوني متطورة بالكامل لتلك المنطقة في تركيا وتنطق باللغات التركية والألبانية والصرب كرواتية، سوف يقوي من ارتباط سكان الحزام الأخضر مع إخوانهم المسلمين.

ما الذي ينبغي عمله في البوسنة؟

في مواجهة الدعاية الدولية الموجهة ضد حكومة عزت بيجوفيتش في البوسنة، ينبغي أن يكون الهدف الأول لتركيا هو دعم ذلك الحاكم الحكيم ويجب عدم الالتفات إلى الدعايات والاستفزازات التي تؤكد أن بيجوفيتش أصولي، إن التحرك الأساسي للسياسة التركية الإسلامية يجب أن يكون دعم بيجوفيتش وهو أكبر زعيم الشعبة بل يعد رمزًا لهم، كما يجب دعم الاتصالات الدبلوماسية مع كرواتيا وإنشاء تحالفات جديدة سياسية واقتصادية بل عسكرية بتكثيف التحالفات القائمة ولابد من أن تنهج تركيا سياسة منتظمة لكي تواجه المعارضة الألبانية والصربية وتحافظ على المحور الألباني- الكرواتي قريبًا من البوسنة، وبجانب ذلك فمع الوضع الراهن أن دايتون هي اتفاقية مؤقتة يجب على تركيا أن تبذل الجهود النشطة لكي تدرب وتسلح القوات المسلحة للبوسنة والهرسك، كما يجب على تركيا أن تقدم المساعدة العسكرية بجانب الدعم الدبلوماسي الذي قدمته لذلك البلد منذ بداية الأزمة.

ما الذي يجب عمله في كوسوفا؟

إن كوسوفا هي الإقليم المشتعل الآن في الحزام التركي الإسلامي في البلقان وقد تحققت حركة الصرب في التوسع خارج حدودها أول ما تحققت في كوسوفا في نهاية الثمانينيات وبعد عشر سنوات تقريبًا من إغلاق ملفات البوسنة وكرواتيا مؤقتًا، انصب الإرهاب القادم من بلجراد على كوسوفا هذه المرة، بل وفي وقت كتابة هذا المقال يقتحم الجنود الصرب قرى كوسوفا.

وفي هذه الظروف كيف يجب أن تكون السياسة التركية؟

لندرس أولًا السياسة التركية القائمة في أعقاب اتفاقية دايتون الموقعة عام ١٩٩٥م دخلت تركيا في عملية من تطبيع العلاقات مع صربيا ونتيجة لهذه السياسة دخلت تركيا في اتصالات مع الزعيم الصربي ميلوسيفيتش، وعندما وقعت الانتفاضات في كوسوفا قيمت تركيا الموقف وتوصلت إلى استنتاج أنها مشكلة تتعلق بوحدة الأراضي اليوغوسلافية ودخلت في سياسة متوازنة مع بلجراد، وبينما كان الدم يسفك في كوسوفا نتيجة للهجمات الصربية احتفظت تركيا بعلاقاتها الودية مع ميلوسيفيتش، بل وفي هذه اللحظة التي نكتب فيها ماتزال تركيا تحافظ على سياسة المحافظة على وحدة يوغوسلافيا وتقول إنه يجب الاستماع إلى المطالب العادلة للشعب الألباني وهناك منطق أساسي في السلوك التركي، يجب أن ينظر إلى يوغوسلافيا الجديدة كدولة مهمة وفعالة وأن ينظر إلى العلاقات المتكاملة بين تلك الدول على أنها مفيدة.

 وتتصرف تركيا على أساس الافتراض بأنه مع نهاية الحرب في البوسنة حدث تطبيع للأوضاع في المنطقة، وهي تنطلق من الاعتقاد بضرورة معالجة العلاقات المتوترة بين يوغوسلافيا والبوسنة ومع ذلك فهناك مشكلات مهمة للغاية في ذلك المنطق، فأولًا لا تعد يوغوسلافيا المكونة من صربيا والجبل الأسود مونيتجرو دولة طبيعية على الإطلاق، إن صربيا مازالت تحكمها جماعة هي ورئيسها سلوبودان ميلوسيفيتش، من مجرمي الحرب لأنهم وضعوا ونفذوا سياسة التطهير العرقي في البوسنة، وسيكون من غير المعقول تصور أن تلك المجموعة القومية والتوسعية المتطرفة يمكن أن تصبح عاملًا من عوامل السلام والانسجام في البوسنة في أعقاب حرب دموية مباشرة، وبالمثل فإن صربيا تنتهج سياسات قمعية وعدوانية مشابهة في كوسوفا داخل نطاق سماح النظام الدولي، ولا يمكن في النهاية اعتبار صربيا دولة يمكن الاعتماد عليها في الوفاق والتحالف المتبادل، ولن يصبح هذا الأمر ممكنًا إلا بعد تعديل جوهري في السلطات الحاكمة في صربيا ولابد من أن تتألف السياسة التركية من دعم مطالب الكوسوفيين في الحكم الذاتي ومعه عمل حاسم ضد النظام الصربي.

إن لتركيا قوة كبيرة على اتخاذ زمام المبادرة في البلقان تقوم على أساس ما ورثته من الدولة العثمانية والأخوة الدولية مع المجتمعات القاطنة في ذلك الإقليم، وهكذا فإن الحزام التركي الإسلامي الموجود في تلك المنطقة يمثل مسؤولية تاريخية وأخلاقية سياسية لتركيا، بالإضافة إلى مزية استراتيجية كبيرة.

 

الرابط المختصر :