; التاريخ الإسلامي لماذا يظلمونه؟! | مجلة المجتمع

العنوان التاريخ الإسلامي لماذا يظلمونه؟!

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1976

مشاهدات 0

نشر في العدد 303

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 08-يونيو-1976

التاريخ الإسلامي لماذا يظلمونه؟!

بقلم: أحمد محمد عبد الله

لكل امرئ من دهره ما تعود!

قالها المتنبي منذ ألف عام.. وروتها الأجيال، وترويها، وستظل ما دام على الأرض إنسان! وحال الناس في الدنيا.. هو حال تعودهم.. والدنيا تضج بالمأثم؛ ولكنها بنظرة أخرى تبدو هادئة خاشعة.. كأن الذي قد قيل عن اللهو والشره ضرب من التخرص والمستحيل.

والتاريخ الإسلامي.. تاریخ مظلوم؛ لأن الذين كتبوه هم الذين وقفوا في وجه أهله.. والذين وضعوا خطوطه هم الذين لعنوه وطاردوه..

ولا تستطع أن تطلع على زواياه الحقيقية حتى تعيش في النور، ولن تعرف هذا النور حتى يقوم أهل الإيمان بدورهم...

والتاريخ الإسلامي.. المكتوب بأقلام غير أمينة تاريخ مشوه.. حمله الأعداء وطافوا به.. وفرضوه على أمم الإسلام جيلًا بعد جيل.. فحفظوه.. ثم أذاعوه.. وتلقته الناشئة فأحبت منه ما أحبت، وكرهت منه ما كرهت.. ولكنها كرهت أكثر مما أحبت.. وما أحبته فيه كره لها، ولكنها لا تعلمه!

والذين يكتبون تاريخ الإسلام من أبنائه لا يزيدون على ما قاله غيرهم؛ فقد تعلموا على أيديهم.. وتلقوا العلم عندهم.. فأخذوا عصارة حقدهم.. وشربوا مرارة الكره من ضغائنهم، ووجدوا في العالم الإسلامي ميدانًا لتطبيق ما درسوا.. فقد أعدوا لهذا الشأن إعدادًا محكمًا ليقوموا بدور يحمدون عليه عند أعدائهم.. فسارعوا إلى ترتيب أنفسهم لتلقين الأجيال المسلمة الزهد في هذا التاريخ، وبالتالي نبذ هذا الدين للالتحاق بصف موجة جديدة تكتسح العالم.. تبغي طهارة الكرة الأرضية من شيء اسمه دين.. وهي تحاول ما وسعتها المحاولة.. وتقتل في سبيل ذلك من يخرج على صفها.. متى رأت أن المصلحة في قتله..

ولكنها آنست في عالمنا إلى قوم يبيعون ضمائرهم في سبيل الشيطان.

فقد كتب شيء قليل من تاريخ الإسلام في العصر القديم.. عصر القوة.. ثم ما تلاه من تراخ وكسل.. وفيما كتب لا تستطيع التسليم به كله، فلم يغفل أعداء الإسلام عنه فأوجدوا فيه من الدخل ما قدروا عليه، وجاء بعد ذلك من يدعي العلم فرتب معلوماته على معلومات خاطئة فزاد الطين بلة..

إن التاريخ الإسلامي في حاجة إلى كتابة جديدة؛ لأنك تعرف فساد الكتابات الموجودة أو المناهج المعلنة عندما تطلع على آثار القوم.. وتلك آثارنا تدل علينا!

وإذا كان التاريخ القديم قد وجد من يضع أصابعه فيه.. ووصل إلينا فيه من الصدق وفيه من الكذب.. وقد علم عنه كثير من الحقائق.. وردت من رواياته أحاديث منكرة.. فإن تاريخ الإسلام الحديث يحتاج إلى عناية أشد.. واهتمام أكبر.

وما نعلمه عن التاريخ الإسلامي للدولة العثمانية.. حسب المقررات الموجودة في مدارسنا أمر مقيت، فلا تشعر أبدًا أنك تقرأ تاريخ قوم مسلمين.. وإنما تقرأ تاريخ دولة كافرة حاقدة!

من الذي صنع هذا التاريخ؟!

لم يفتأ اليهود يتربصون بالإسلام… طاردوه منذ أن جاء النبي الأخير من غيرهم من غير جنسهم.. فقد كانوا يحلمون أن يمتكلوا الدنيا بسببه.. ولكنهم لا يستأهلون الأمانة لأنهم خانوها فصرفها الله عنهم..

وهم يدأبون ليل نهار أن ينالوا من الإسلام وأهله، فلما رأوا شكيمتهم وقوتهم انخنسوا، ولكن أقلامهم لم تسكت.. ولكن ألسنتهم وخبثهم لم يتوقف.. فظلوا يتلبسون ثيابًا تنم عن خير.. وهم يحملون خناجرهم المسمومة ليهلكوا كل أثر حميد.. وكان ما أرادوا.. بصبر غريب.. وتوقف المسلمون المضللون عند نقطة بعدها رتبوا أمر التوقف.. ثم الرجوع!

وتاريخ الدولة العثمانية التي أقامت الخلافة الإسلامية قوية راشدة.. موجود وواضح لكن ذي عينين.. ولكن الحقد يعمي.. لأن البصائر المطموسة يقاد أصحابها عن طريق شهواتهم… ولأن الاتحاد المنظم استطاع أن يدخل ساحة الضعفاء فيسقطهم في حبائله.. وزين لهم الدنيا.. فتهالكوا عليها.. ومن هنا جاءت مصائب كبيرة وكثيرة!

والسلاطين العثمانيون.. شوهت صورتهم.. حتى لكأنهم شياطين شهوة وطلاب دنيا، وعباد حياة زائفة تركع للهو وتطرب لصوت الحرام..

وايم الله.. ما هم من ذلك بشيء.. ولكنها الصورة المعكوسة:

علمونا في المدارس أنهم -كما ذكرت أولًا- في أسوأ صورة.. ويكون المعلم متعصبًا لقومية جاهلية فيصب جهله وحقده في نفوس الطلاب.. لكأنه عاش مع السلاطين.. في لهو وفساد وحضرهم وهم يلعبون ويفسقون.. كانت هذه هي الصورة المعروضة..

وما كنت أرضى بذلك.. وأسأل.. ولكن أستاذي كان يتهمني بالجهل وأنني غر لا أعرف حال الدنيا.. ودع الأمور لأصحابها!

لم أصدق مما قالوه حرفًا.. وعندما تقدمت في الدراسة وجدت أن الخير في أن أعكف نفس النظر في كتب التاريخ.. فوجدت غثاء وكذبًا وزيفًا.. ورحت أبحث في شخصيات الكاتبين فوجدت أن السيئات تحوط بهم.. وأنهم ألبسوا صفاتهم للسلاطين قصدًا لتشويه الإسلام من خلالهم! وهذا ذكاء من ناحية.. غباء من نواح متعددة!

ذكاء.. لأنهم عرفوا أن الهجوم على الإسلام يثير حفيظة المتدينين ولن يصلوا إلى غرضهم.. فهم سيألبون الوازع الديني ويحيون العقيدة حتى في قلوب النائمين.. وتكون مناداة لغسل هذا العار الذي يلحق بالإسلام.. ولن تقوم لهم بعد ذلك قائمة!

فكان السلاطين هدفًا.. لأنهم بشر، والبشر يجري عليهم ما يجري على غيرهم، فإلباسهم هذه الصورة كفيل أن يزحم مخيلة الإنسان.. ويبدأ في الشك ثم يرتكس فيه، وبعد ذلك فليطعنوا وليتولوا.. فالجو قد هيئ لما يحبون.. وقد كان ما أرادوا!

ولأن الفترة التي بدأوا بها كانت فترة بعد بها العالم الإسلامي عن النور قليلًا، فقد استطاعوا أن ينالوا من المسلمين مأربًا، وتحقق لهم حلم.. راودهم طويلًا.

أما لماذا شوهوا التاريخ الإسلامي للدولة العثمانية؟

لأن آل عثمان تولوا أمر الدفاع عن الإسلام.. ورفع راية الحق.. ولأنهم حملوا القرآن وانطلقوا به -ولا يزعج هؤلاء سوى هذا القرآن- فتقدموا يفتحون الأمصار ليصبوا هذا النور في قلوبهم.. وكلما فتحت مدينة.. فتحت قلوب أهلها، فإذا هم جند ينضمون إلى صفوف هذا الجيش الفاتح..

وتقف قليلًا لتنظر إلى قيادة الجيش.. فتجد أن السلطان الذي شوهوا صورته هو القائد.. وهو المتقدم.. وهو الشهيد.. وارجعوا إلى صفحات تاريخ الدولة الأول لتجدوا عدد الشهداء السلاطين.. لتقرءوا تاريخ السلاطين من مراجعه الأصلية.. لا من عقول الكافرين. ستجد في تاريخهم إسلامًا حيًّا نابضًا.. فمن النوادر أن تجد الخليفة يتقدم جيشه ويحمل سيفه ويستشهد مع جنده.. إن هذا هو حال هؤلاء الذين ظلموا، ولكن الله حافظ لهم ما قدموا وخاذل قومًا أثاروا حقد قومهم عليهم! ولن يفلت المسيء من عقاب الله!

تسير في القسطنطينية.. فتجد قبر محمد الفاتح ومسجده.. وتجد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش! فترفع يديك داعيًا: أن الحمد لله رب العالمين.. إن هذا الحديث يخسر كذب الأفاكين وأقوال المبطلين.

ففي الحديث بشارة بالفتح ومدح للفاتح، وإسباغ مدح على الجيش الفاتح.. فأي شيء بعد ذلك يبقى للطعن..

والقسطنطينية في التاريخ درة.. في فتحها.. فقد استعصت على أشد الجيوش ولكن الإسلام المتغلغل في قلوب هؤلاء المؤمنين لم يعرف الضعف ولا الوهن، فسقطت أسوارها تحت لوائهم..

وبدلك على عظمة ذلك أن ترى السور يشهد اليوم على ذلك. ولن تجد من ينكر عليك صدق هؤلاء القوم إذا رجعت إلى بعض الفلتات التي تصدر عن بعض مؤرخي الغرب يلومون فيها أهلهم ويبدون إعجابهم بالمسلمين من خلال لومهم لأهليهم.

ولن تعرف الصدق ما لم تتعب نفسك وتتقصى الحقائق لتقف على الصحيح من الزائف.. فنظرة في عاصمة الخلافة تحملك على تجميع معلوماتك وحصولك على نتيجة إن لم تكن صحيحة.. فإن أكثرها صحيح.

     فالسلاطين الذين اتهموهم وشنوا عليهم هم الذين كانت المجر تتساقط بين أيديهم في مدة وجيزة لا تتعدى نصف نهار بين هتافاتهم القلبية: «الله أكبر، الله أكبر.. لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد».. وتجد في معاركهم الطويلة ما ينعش قلبك، فحرارة اليقين تسري من خلال هذا الجهاد المسطر، والذي تشهد به الدنيا وتنكره قلوب الذين لا يعقلون!

     السلاطين الذين جعلوهم في المخادع لا يعلمون أحوال الأمة.. وهم بذلك يمثلون أحوالهم لارتكاسهم في الحمأة حتى آذانهم.. ويرون الناس بعيون طباعهم.. هؤلاء السلاطين الذين نسخوا القرآن ووزعوه وقاموا على تعليمه وحفظه، ووضعوا أيديهم على كثير من علومه وخزائنه.. وأنشئوا له الدور العامرة، وكونوا من خلاله أمة تعلمت أن ترفع رأسها عاليًا، وتعلمت أيضًا أن تركع ولا تخفض الرأس إلا لمن خلقها.

     السلاطين الذين كان العالم لا يترك ركابهم حتى لا تغيب عنهم عبرة الموت، أو أن تحسسهم نفوسهم لذة السلطان فيهلكون.. فلا تراه إلا مستشيرًا سائلًا العون على أمور العباد.. فهم في قمة العزة والاعتداد بالله العلي الكبير.

     السلاطين الذين عرفوا كيف يصنعون حدودًا للباطل وأن يميزوه.. وأن يتركوا جذوة الإيمان مشتعلة إلى هذا اليوم في قلوب حفدة المؤمنين ممن فتحوا العالم ونقلوا النور إلى قلوب الضالين.

     وأخيرًا أقول: يشن الأعداء حملة واسعة النطاق على السلاطين عندما ينقلون لك حياة القصور ويحدثونك عن البذخ والترف والفساد المنتشر، ويطلعوك على أخبار وهمية عن الجواري والغلمان.. ويدلوك على جهلهم بالتاريخ والدين وهم يروون حكايات تصلح للقصص البشع الذي يطرب إليه السوقية وتهفو إليه العامة وتسخر منه طبقة تدعي العلم والثقافة.. يحدثونك من أعماق قلوبهم السوداء، ويرصدون الدليل لهذه المهمة على الطبقة عندما تزور قصرًا من قصور الدولة.

ونسوا أن يعدوا الخلفاء الذين توالوا على حكم الخلافة.. نسوا أو تعمدوا ذلك أن يحسبوا عدد القصور ويقومون بعملية حسابية بسيطة لعدد القبور.. ليعرفوا إلى أي مدى كانت حقارة العدد بين القصور والقبور.. ونسوا أيضًا أنهم يهاجمون مجدًا عظيمًا كانوا هم السبب في تقويضه، فلم يكفهم ما تم منهم.. حتى يحملوا الشعب المسلم على كراهية تاريخه.

     وهم أيضًا يفضلون أن يتكلموا عن قصورهم التي تزيد على عدد قبور حكامهم ويزينون حكم الوثنية.. ويرون أنها الأفضل.

أبعد هذا يقال عن سلاطين العثمان هذا الهراء والتهويش والكذب؟ أم غاظهم ما فعله أمثال السلطان العظيم سليمان القانوني وهو يبني مسجده الضخم ليتسع لجمهور المصلين.. ويبني حوله مدينة ضخمة تتحسسها فإذا هي مكتبة عامرة بها أمهات المراجع والمصادر، وإذا حولها مدارس مختلفة لا تترك تخصصًا عرف في ذلك الوقت إلا وضربت به في التعليم بسهم وافر.. ما تركت حتى مستشفيات الولادة، والعسكر.. أو إن شئت فتحول إلى جامع السلطان أحمد لتجد الصورة كذلك.

إذا رأيت ودخلت وتفحصت هذه الأماكن التي هي أشبه بعاصمة علمية تقوم أسسها على الإسلام ويكافح سلاطينها في سبيله.. تظن أن كلام المؤرخين الموتورين صحيحًا أو فيه شيء من الحق..

إن السلطان عبد الحميد الثاني حورب كما لم يحارب خليفة في زمنه أو حاكم في مدة عهده؛ لأنه ورث دولة دب فيها الضعف، فاشتد أزره ليقوم بالنهضة الواسعة، فصرف المال من جيبه الخاص ليحصن الدولة بعد أن اشتد نزاع المتناحرين في أوربا، ورسم خطة يضرب بها كل أطراف النزاع لتبقى الدولة الإسلامية عزيزة الجانب، مرهوبة من قبل أعدائها. ولكن اليهود كانوا يخططون.. وكان أتباعهم من ضعفاء الضمائر ومن المنافقين ومحبي الرتب والمناصب قد أنفقوا على نصرة يهود الدنمة.. وقطف الثمار يهودي.. وأراد أن يبلغ كرسي الخلافة.. فلما لم تواته الفرصة.. نقم نقمة حول بها وجهة هذا البلد إلى الوجهة المضادة للإسلام عندما أعلن الجمهورية أسقط الخلافة وألغى كل مظاهر الإسلام، ونقل تركيا نقلة بعيدة لتتعلق بركاب أوربا التي احتقرتها ولا تزال تزري بها…

إن التاريخ الإسلامي في تركيا لم يتوقف عند تلك اللحظة التي أعلنت فيها القرارات، والآن وبعد مضي أكثر من نصف قرن يبرهن الشعب على أن الإرهاب الذي حل بدولة الخلافة لم يكن إلا عارضًا سيزول بإذن الله، وسوف يعود كل شيء إلى نصابه، وسيعود الحق إلى أصحابه، وسيعود الإسلام إلى تركيا ما داموا قد أعلنوا تمسكهم به وعدم تخليهم عن نصرته.

إلى لجنة كتابة التاريخ الإسلامي… إن ما في عقولكم لن يكفي لكتابة تاريخ هذه الدولة العظيمة.. قبل أن تبدءوا كونوا على حرص شديد أن تتصلوا بالحياة العثمانية لتبلغوا كنه ما فعلت، وكنه ما فعل بها وتحملته.

وأعود لأقول: إن التاريخ الإسلامي يحتاج إلى جهد كبير، وصفاء ذهني وتصور تام لكل مقومات الإسلام وخصائصه وحسن عقيدة.. حتى يمكن تلافي الطيش والحمق والجهل الذي ألصق بتاريخنا، وحتى تكون هذه اللجنة على حق فيما تفعل ولا تتبع الهوى فتضل عن السبيل.. مع ثقتي وأملي في أن تكون أحسن مما يتصور، وإن كنت أعرف سلفًا أن منهجها أو القائمين عليها ليسوا في مستوى التصدي لكتابة هذا التاريخ.

الرابط المختصر :