العنوان مئة عام على ميلاد الأمام الشهيد حسن البنا (1324-1368هـ/1906-1949م) ( 2 من 6) التأسيس لليقظة الإسلامية الحديثة
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 21-أكتوبر-2006
مشاهدات 59
نشر في العدد 1724
نشر في الصفحة 42
السبت 21-أكتوبر-2006
الحقيقة التي لا يختلف عليها الباحثون أن حسن البنا يمثل الأبوة والإمامة والريادة للصحوة الإسلامية المعاصرة… التي تمثل أمل النهضة لدى الإسلاميين.. ومصدر القلق لدى أعداء الإسلام
· على يد جمال الدين الأفغاني بدأ المشروع الحضاري الإسلامي حركة تجديد واجتهاد وإحياء تستهدف تحرير العقل المسلم من أغلال الجمود والتقليد .. ولأن المشروع الغربي الغازي كان علمانيًّا فقد كان شعار اليقظة الإسلامية »الإصلاح بالإسلام .«
على امتداد أوطان الأمة الإسلامية من »غانا«.. غربًا.. إلى »فرغانة« شرقًا.. ومن حوض »نهر الفولجا- في الشمال- إلى جنوبي »خط الاستواء«... بل وفي مواطن الأقليات الإسلامية خارج عالم الإسلام... إذا نظر الباحث المنصف إلى ظواهر البعث والإحياء والنهضة والتجديد والإصلاح ومشروعاتها الحضارية والنهضوية وحركاتها وتنظيماتها.. فسيجد أن ظاهرة الصحوة الإسلامية، ومشروعها الحضاري، هي أقوى وأكبر وأخطر وأعمق ظواهر العصر الذي نعيش فيه.. يستوي في ذلك التقييم، والتسليم بتلك الحقيقة، الباحثون المؤيدون أو المناوئون لهذا المشروع وتلك الحركات
والحقيقة الثانية: التي لن تجد عليها خلافًا بين الباحثين، ولا بين حركات هذه الصحوة الإسلامية المعاصرة وتياراتها، هي الأبوة والإمامة والريادة التي يمثلها الإمام الشهيد الشيخ حسن البنا ( 1324- 1368 هـ- 1906- 1949م) بالنسبة لهذه الظاهرة الكبرى. التي تمثل أمل النهضة لدى الإسلاميين.. ومصدر القلق المزعج والمخيف لأعداء الإسلام والمسلمين!
أما الحقيقة الثالثة: في هذا المقام فهي أن أبوة حسن البنا وإمامته وريادته لهذا الإحياء الإسلامي المعاصر، إنما تمثل الحلقة المعاصرة في سلسلة حلقات هذا الإحياء الإسلامي الحديث... إنها مرحلة متميزة في «الكم» و«الكيف»... ولكنها امتداد متطور لمرحلة »النشأة» و«التبلور» التي تمثلت في حركة »الجامعة الإسلامية« التي ارتاد ميدانها ورفع أعلامها رائد الإحياء الإسلامي في العصر الحديث: فيلسوف الإسلام وموقظ الشرق جمال الدين الأفغاني) 1254هـ- 1314هـ/ 1838- 1897م)... والتي كان الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ( 1266- 1323هـ / 1849- 1905م) المهندس الأول لتجديدها الفكري.. كما مثل الشيخ محمد رشيد رضا (1282-1354هـ/ 1865- 1935م) الامتداد، الذي حمل رسالتها عبر مجلة «المنار»- إلى العالم الإسلامي على امتداد أربعين عامًا (1315هـ- 1898م- 1354هـ- 1935م)... ثم أسلم أمانتها إلى الشيخ حسن البنا...
الذي واصل إصدار «المنار» لعدة سنوات.
وأخذ في تفسير القرآن من حيث انتهى رشيد رضا .. الذي سبق وواصل تفسيره من حيث انتهى محمد عبده.
وحافظ- في البرنامج التثقيفي لجماعته- على تدريس كتب: »رسالة التوحيد» و«الإسلام و»النصرانية مع العلم والمدنية» للإمام محمد عبده.. و»طبائع الاستبداد« ومصارع الاستعباد لعبد الرحمن الكواكبي ( 1270- 1320هـ 1854- م- 1902م)
وذلك لتأكيد قسمة «التواصل» و«الامتداد«.... مع التطور الذي انتقلت به الظاهرة الإحيائية والتجديدية- على يديه- إلى »الكيف» الجديد والمعاصر، الذي استجاب ويستجيب لمتغيرات الواقع والتحديات...
لقد بدأ المشروع الحضاري الإسلامي، على يد الأفغاني، حركة تجديد واجتهاد وإحياء تستهدف تحرير العقل المسلم من أغلال الجمود والتقليد، ليواجه ويتجاوز التخلف الموروث عن الحقبة »المملوكية -العثمانية«، وليتمكن من مواجهة التحدي الحضاري الغربي، الذي اقتحم حياتنا الفكرية وواقعنا الإسلامي في ركاب الغزوة أم الاستعمارية الأوروبية الحديثة.. وبعبارة الإمام محمد عبده... فلقد وجه الأفغاني عنايته لحل عقد الأوهام عن قوائم العقول وأما مقصده السياسي: فهو إنهاض دولة إسلامية من ضعفها، وتنبيهها للقيام على شؤونها حتى تلحق الأمة بالأمم العزيزة والدولة بالدول القوية، فيعود للإسلام شأنه وللدين الحنيفي مجده ...[1]
ولأن المشروع الحضاري الغربي- الغازي- كان وضعيًّا علمانيًّا لا دينيًّا.. فلقد كان شعار هذه اليقظة الإسلامية الحديثة: «الإصلاح بالإسلام«، ليتميز مشروعها عن هذا المشروع الغربي.. ولكي تعود الأمة لمواصلة نهضتها الحديثة، انطلاقًا من الأصول الإسلامية الجوهرية والنقية التي صنعت نهضتها الأولى.. فتتجاوز بذلك مرحلة تراجعها الحضاري، وتنجو من المسخ والنسخ والتشوية الذي يريده لها الغرب الاستعماري
ولذلك، حدد الأفغاني ومحمد عبده »المحتوى الفكري« »لحركة الجامعة« الإسلامية عندما قال الأول: »إن الدين هو قوام الأمم، وبه فلاحها وفيه سعادتها.. وهو السبب المفرد لسعادة الإنسان.. فهو يذهب بمعتقديه إلى جوار الكمال الصوري والمعنوي، ويصعد بهم إلى ذروة الفضل الظاهري والباطني، ويرفع أعلام المدنية لطلابها، بل يفيض على التمدين من ديم الكمال العقلي والنفسي ما يظفرهم بسعادة الدارين«...
أرسل فكرك إلى نشأة الأمة، التي خملت بعد نباهة، واطلب سبب نهوضها الأول.. إنه دين قويم الأصول، محكم القواعد، شامل أنواع الحكم، باعث على الألفة، داع إلى المحبة مزك للنفوس مطهر للقلوب من أدران الخسائس، منور للعقول بإشراق الحق من مطالع قضاياه، كافل لكل ما يحتاج إليه الإنسان من مباني الاجتماعات العسكرية وحافظ وجودها، ويتأذى بمعتقديه إلى جميع فروع المدنية.
فإن كانت هذه شرعة تلك الأمة، ولها وردت وعنها صدرت، فما نراه من عارض خللها، وهبوطها عن مكانتها، إنما يكون من طرح تلك الأصول ونبذها ظهريًّا.. فعلاجها الناجع إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته.
ولا سبيل لليأس والقنوط، فإن جراثيم- «أصول»- الدين متأصلة في النفوس.. والقلوب مطمئنة إليه، وفي زواياها نور خفي من محبته، فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة إلا إلى نفخة واحدة يسري نفسها في جميع الأرواح لأقرب وقت.. فإذا قاموا، وجعلوا أصول دينهم الحقة نصب أعينهم، فلا يعجزهم أن يبلغوا في سيرهم منتهى الكمال الإنساني.
ومن طلب إصلاح أمة شأنها ما ذكرنا بوسيلة سوى هذه، فقد ركب بها شططًا وجعل النهاية بداية، وانعكست التربية وانعكس فيها نظام الوجود، فينعكس عليه القصد، ولا يزيد الأمة إلا نحسًا، ولايكسبها إلا تعسًا.
ودونك تاريخ الأمة العربية.. وما كانت عليه قبل الإسلام من الهمجية .. حتى جاءها الدين فوحدها، وقواها، ونور عقلها، وقوم أخلاقها، وسدد أحكامها، فسادت على العالم[2].
هكذا أعلن الأفغاني: »البيان الإسلامي« لليقظة الإسلامية الحديثة... ثم واصل الإمام محمد عبده السير على هذا الطريق، بالإلحاح على تزكية شعار «الإصلاح بالإسلام »... فقال- ناقدًا للمدنية الغربية-:
» إنها مدينة الملك والسلطان، مدنية الذهب والفضة مدنية الفخفخة والبهرج مدنية الختل والنفاق، وحاكمها الأعلى هو »الجنيه» عند قوم، و«الليرة» عند قوم آخرين، ولا دخل للإنجيل في شيء من ذلك!«
ومزكيًّا للإسلام فكرية اليقظة الإسلامية والمشروع النهضوي الإسلامي لأنه دين الوسطية الجامعة... فقال:
» لقد ظهر الإسلام، لا روحيًّا مجردًا ولا جسدانيًّا جامدًا، بل إنسانيًّا وسطًا بين ذلك، آخذًا من كلا القبيلين، بنصيب فتوافر له من ملاءمة الفطرة البشرية ما لم يتوافر لغيره، ولذلك سمى نفسه دين الفطرة، وعرف له ذلك خصومه اليوم وعدوه المدرسة الأولى التي يرقى فيها البرابرة على سلم المدنية...
لقد جاء الإسلام: كمالًا للشخص وألفة في البيت، ونظامًا للملك، امتازت به الأمم التي دخلت فيه عن سواها ممن لم يدخل فيه«..
ثم تحدث الإمام محمد عبده عن الإسلام كسبيل مفرد للتقدم والنهوض والإصلاح، فقال: «إن أهل مصر قوم أذكياء.. يغلب عليهم لين الطباع، واشتداد القابلية للتأثر، لكن حفظوا القاعدة الطبيعية، وهي أن البذرة لا تنبت في أرض إلا إذا كان مزاج البذرة مما يتغذى من عناصر الأرض ويتنفس بهوائها وإلا ماتت البذرة، بدون عيب على طبقة الأرض وجودتها، ولا على البذرة وصحتها وإنما العيب على الباذر.
أنفس المصريين أشربت الانقياد إلى الدين حتى صار طبعًا فيها، فكل من طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذرًا غير صالح للتربة التي أودعه فيها، فلا ينبت ويضيع تعبه، ويخفق سعيه، وأكبر شاهد على ذلك ما شوهد من أثر التربية التي يسمونها أدبية من عهد محمد علي ( 1184- 1265هـ- 1770- 1849م) إلى اليوم.. فإن المأخوذين بها لم يزدادوا إلا فسادًا وإن قيل إن لهم شيئًا من المعلومات فلما لم تكن معارفهم وآدابهم مبنية على أصول دينهم فلا أثر لها في نفوسهم. إن سبيل الدين لمزيد الإصلاح في المسلمين سبيل لا مندوحة عنها. فإن إتيانهم من طريق الأدب والحكمة العارية عن صبغة الدين يحوجه إلى إنشاء بناء جديد ليس عنده من مواده شيء، ولا يسهل عليه أن يجد من عماله أحدًا.
إذا كان الدين كافلًا بتهذيب الأخلاق، وصلاح الأعمال، وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها، ولأهله من الثقة فيه ما ليس لهم في غيره، وهو حاضر لديهم والعناء في إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا إلمام لهم به، فلم العدول عنه إلى غيره ؟![3].
هكذا تم التأسيس.. وحدث الاختيار.. وأعلن الانحياز إلى خيار الإصلاح بالإسلام كمحتوى فكري لحركة الجامعة الإسلامية ...
وتم- كذلك- ترتيب الأولويات بين ميادين الإصلاح.. إصلاح الأصول قبل الفروع.. والبدء بالتربية، وإصلاح مناهج الفكر وتنقية الاعتقاد مما شابه من الخرافات والبدع، والتركيز على المؤسسات التي تصوغ العقل المسلم والوجدان الإسلامي.. وتقديم الأمة على الدولة، وأصول التربية على فروع السياسة.
وبعبارة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (1306- 1385هـ- 1889- 1965م): »فإن السياسة لباب وقشور، وإن سياسة التربية هي الأصل لتربية السياسة-التي هي الفروع- والأصول مقدمة على الفروع.. ولباب السياسة، بمعناها العام عند جميع العقلاء، هو عبارة واحدة: إيجاد الأمة، ولا توجد الأمة إلا بتثبيت مقوماتها من جنس ولغة ودين، وتقاليد صحيحة، وعادات صالحة وفضائل جنسية أصيلة.. فوجود تلك المقومات شرط لوجودها وإذا انعدم الشرط انعدم المشروط، ثم يفيض على الأمة من مجموع تلك الحالات إلهام لا يغالب ولا يرد بأن تلك المقومات متى اجتمعت تلاقحت ومتى تلاقحت ولدت »وطنًا«..... [4]«.
فالآمال في الإصلاح والنهوض إنما تُعلَّق على الأمة قبل الملوك والأمراء...
وإعلانًا عن هذا المنهاج في الإصلاح. قال الإمام محمد عبده: «لقد ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد- وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه.. لتتم حكمة الله في حفظ نظام العالم الإنساني، وأنه على هذا الوجه يعد صديقًا للعلم، باعثًا على البحث في أسرار الكون، داعيًا إلى احترام الحقائق الثابتة مطالبًا بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل.
كل هذا عدا
أمرًا واحدًا.. وقد خالفت فيه رأي الفئتين اللتين يتركب منهما جسم الأمة: طلاب علوم الدين ومن على شاكلته طلاب فنون العصر ومن هو في ناحيتهم.
أما الأمر الثاني: فهو إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير...[5] .
هكذا تم التأسيس لفكر حركة الجامعة الإسلامية، وتيار اليقظة الإسلامية الحديثة.. الإصلاح بالإسلام وتقديم الأصول على الفروع. في أولويات الإصلاح. والسلفية التجديدية التي تعود. في الدين. إلى المنابع الجوهرية والنقية. لتجدد دنيا المسلمين بهذا الدين المتجدد أبدًا.. والذي وضع الأسس والمعالم للمشروع الحضاري الإسلامي، والذي كون »العقل..الصفوة.. النخبة». كما تمثلت في تنظيماتها، وأبرزها تنظيم جمعية العروة الوثقى- التي كونها ورأسها جمال الدين الأفغاني.. والتي كان محمد عبده نائب الرئيس فيها، وواضع مقوماتها، ورئيس تحرير جريدتها التي حملت اسمها
الهوامش
[1] - الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده352/349/2، دراسة وتحقيق د. محمد عمارة طبعة بيروت سنة 1972م.
[2] - الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني ص 131، 141، 173 ،197 ، 199، دراسة وتحقيق د. محمد عمارة طبعة القاهرة سنة 1968م.
[3] - الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده 231 ،109/3
[4] - آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي 195/5 ، تقديم: د. أحمد طالب الإبراهيمي طبعة بيروت، 1977م.
[5] - الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده318/2
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل