العنوان التآمر الأمريكي على أفغانستان
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1986
مشاهدات 66
نشر في العدد 773
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 01-يوليو-1986
الجولة التي قام بها وفد أفغاني، والتي زار خلالها الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية الغربية أثارت العديد من التساؤلات حول أهداف الزيارة وطبيعة المحادثات التي دارت بين الوفد وبين المسؤولين في الدول التي زارها، وبشكل خاص تلك التي جرت في البيت الأبيض بواشنطن أثناء استقبال الرئيس الأمريكي ريغان للوفد الأفغاني.
وقد استغلت أجهزة الإعلام المعادية لحركة الجهاد الأفغاني هذه الزيارة لتضرب على وتر الارتباط بين هذه الحركة والإمبريالية الأمريكية، وأن هذه الزيارة تدل على تبعية الحركة الجهادية للسياسة الأمريكية إلى آخر هذه التشنجات التي كانت وما زالت تتشنجها تلك الأجهزة الإعلامية المرتبطة بالسياسة السوفياتية منذ استيلاء الشيوعيين الأفغان على السلطة في كابول ومن ثم دخول القوات السوفياتية الاستعمارية في أبشع عملية غزو استعماري شهده التاريخ.
وجاء رد الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان قويًا واضحًا بهذا الشأن، حيث أعلن أمير الاتحاد عبد رب الرسول سياف: أن الوفد الذي قام بزيارة الولايات المتحدة لا يمثل المجاهدين الأفغان، بل يمثل نفسه فقط، وإننا قد رفضنا هذه الزيارة من قبل ومازلنا نرفضها ونعتبرها مخالفة لمصالح الجهاد، إن هذا الجهاد يتوكل على الله وحده وينطلق من قوة العقيدة والإيمان بالله ولا يأتمر بغير الله ولا يتزين بأحد في عالم البشرية ولا يعتز بغير الله -عز وجل-
وتبقى لدينا الإجابة على أهم التساؤلات التي ترتبط بجولة الوفد الأفغاني، وتدور هذه التساؤلات حول الدور الأمريكي في القضية الأفغانية وعن الأسباب التي تقف وراء هذه الزيارة.. إلخ.
أمريكا والقضية الأفغانية
مما لا شك فيه أن القضية الأفغانية تقف في مقدمة القضايا الدولية من حيث الأهمية والتأثير في مستقبل العلاقات بين القوتين العظميين فأفغانستان بالنسبة للاتحاد السوفياتي البوابة التاريخية الدافئة وامتدادًا جغرافيًا للأرض السوفياتية للوصول إلى تلك المياه، والولايات المتحدة تعتقد أن هذه المنطقة من العالم تقع ضمن دائرة نفوذها واستراتيجيتها ولهذا كان للقضية الأفغانية ذلك التأثير وتلك الأهمية بالنسبة للقوتين العظميين ولكن بروز حركة الجهاد الأفغاني كقوة مناهضة للوجود السوفياتي بل وحتى للوجود الشيوعي الأفغاني العميل أصاب الاستراتيجية السوفياتية إصابات قاتلة لم يحسب لها واضعو هذه الاستراتيجية أي حساب. ولهذا بدأت القيادات السوفياتية المتعاقبة من بريجنيف إلى أندروبوف إلى تشير ننكو يرسلون التعزيزات العسكرية المتوالية بحيث وصل العدد الإجمالي للقوات السوفياتية في أفغانستان إلى حدود 125 ألف جندي.
وعندما تولى غور باتشوف السلطة أخذ يختط لنفسه منهجًا في الحكم يختلف اختلافًا يكاد يكون جذريًا مع أسلافه من القيادات التي حكمت بوتيرة واحدة فبعد أن وضع غور باتشوف في يده كل خيوط السلطة في الاتحاد السوفياتي بدأ اهتمامه الأساسي يتجه نحو معالجة عدة قضايا أساسية كالعلاقات مع الغرب وإصلاح المسيرة الاقتصادية التي كانت تهتز... إلخ، وكانت القضية الأفغانية تقف عائقًا أمام اهتمامات غور باتشوف الذي بدأ بمغازلة الولايات المتحدة لمساعدته في الوصول إلى حل للقضية الأفغانية بحيث يتمشى هذا الحل مع كبرياء الاتحاد السوفياتي باعتباره أحد القوتين العظميين في هذا العالم وكان لقاء ريغان وغور باتشوف في نوفمبر من العام الماضي بداية التحرك نحو الوصول إلى حل للقضية الأفغانية. وكان هذا التحرك متفقًا مع الاستراتيجية الأمريكية التي أشرنا إليها في البداية والتي تضع المياه الدافئة وما حولها ضمن دائرة نفوذها. إضافة إلى أن الولايات المتحدة كانت ترى في تزايد قوة المجاهدين الأفغان يومًا بعد يوم وصمودهم البطولي أمام الآلة العسكرية السوفياتية تهديدًا مباشرًا لنفوذ الولايات المتحدة في المنطقة وفي العالم الإسلامي بكامله.
أهداف التلاقي الروسي الأمريكي
بدأت خيوط التلاقي الروسي الأمريكي حول القضية الأفغانية تتضح منذ لقاء القمة الأمريكية السوفياتية في جنيف في العام الماضي، حيث أعطى الأمين العام للأمم المتحدة الضوء الأخضر للتحرك نحو الخطوة الأولى في الحل السلمي للقضية والتي تتمثل في دعوة ممثلين عن الحكومة الأفغانية العميلة وعن الحكومة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة من خلال الوسيط الدولي للوصول إلى النقاط الأساسية في الحل السلمي المنتظر.
والتلاقي السوفياتي الأمريكي يهدف من وراء هذا التحرك إلى:
- تأمين انسحاب سوفياتي من أفغانستان بطريقة تحفظ فيها روسيا ماء وجهها أمام العالم وأمام شعوب الاتحاد السوفياتي.
- قطع الطريق على إمكانية تحقيق أي انتصار حاسم للمجاهدين الأفغان وبالتالي منع إقامة حكم إسلامي في أفغانستان.
الضغوط السوفياتية والأمريكية
ولتحقيق هذين الهدفين الأساسيين بدأت عمليات الضغط المباشر وغير المباشر لدفع النظام الأفغاني العميل والحكومة الباكستانية نحو الدخول في مفاوضات بإشراف الأمم المتحدة بحيث تحظى تلك المفاوضات وما ينتج عنها بدعم دولي تؤيده وتباركه كل من روسيا والولايات المتحدة.
وكانت عمليات الضغط الروسي تتمثل في نقطتين:
- تكثيف الضغط العسكري على باكستان أحد طرفي المفاوضات من خلال الهجمات الجوية المتتالية على الأرض الباكستانية تحت ستار ملاحقة المجاهدين والتهديد العسكري بدخول الأراضي الباكستانية ودفع الأوضاع على الحدود الهندية الباكستانية نحو التوتر المستمر.
- العمليات العسكرية الوحشية التي تقوم بها قوات الغزو الروسي داخل أفغانستان في المدن والقرى واتباع سياسة الأرض المحروقة. إلى غير ذلك من أساليب همجية يتقنها الروس وذلك لدفع الشعب الأفغاني -حسب زعمهم- نحو القبول بالحل السلمي.
أما عمليات الضغط الأمريكي فتتمثل في:
- محاولة تشويه سمعة الحركة الجهادية من خلال دفع الوسائل الإعلامية المختلفة على تصوير الحركة الجهادية وكأنها تابعة بشكل أو بآخر للولايات المتحدة، وهذا ما نلاحظه من خلال الادعاءات المستمرة للكثير من الوسائل الإعلامية اليسارية واليمينية على السواء.
- المحاولات المستمرة لإبراز وجوه وهيئات أفغانية على أنها تمثل الشعب الأفغاني وتهيئتها لتمثيل هذا الشعب ومن هنا يمكن فهم زيارة الوفد الأفغاني الأخيرة للولايات المتحدة واعتباره ممثلًا لحركة المجاهدين ومن ثم توجه بعض أعضاء الوفد إلى العاصمة الإيطالية لمقابلة الملك الأفغاني المخلوع ظاهر شاه وإجراء محادثات معه حول مستقبل القضية الأفغانية.
- الضغط الأمريكي المستمر على باكستان باعتبارها الطرف الأكثر تأثرًا بالقضية الأفغانية نظرًا لوجود أكثر من أربعة ملايين لاجئ أفغاني فيها ولكونها المركز السياسي والإعلامي وحتى الاجتماعي للمجاهدين الأفغان. إضافة إلى أن الضغط الأمريكي يتناول حاجة باكستان المستمرة للمعونة الاقتصادية الأمريكية نظرًا للعجز الكبير في ميزانيتها وحاجتها للسلاح الأمريكي، نظرًا للتوتر المستمر مع الهند.
- قيام الولايات المتحدة لتحريض جهات باكستانية ذات ميول غربية للضغط على الحكومة الباكستانية لدفعها نحو الاتفاق على حل سلمي للقضية الأفغانية، بحجة أن الحل السلمي من شأنه أن يضع حدًا لمشاكل باكستان الناتجة عن القضية الأفغانية.
وبعد
فإن ما ذكرناه يمثل ملامح التآمر الأمريكي على أفغانستان وهذا التآمر يدل على مدى الارتباط بين الشيوعية والصليبية حينما يكون الإسلام هو الهدف، فهل يعي أولياء الأمور في العالم الإسلامي هذه الحقيقة فيمدوا حركة الجهاد الأفغاني بالإمكانات المادية اللازمة لنضمن لهم استمرار حركتهم الجهادية وليدفعوا عنا خطر الاستعمار الروسي الملحد والاستعمار الأمريكي الصليبي؟
إن المسؤولية أصبحت عامة والكل مسؤول أمام الله ولا عذر لأحد، فليكن شعارنا كل شيء من أجل معركة الإسلام في أفغانستان.