العنوان البيع الرخيص والكراسي المهزوزة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1982
مشاهدات 67
نشر في العدد 587
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 14-سبتمبر-1982
التنظيم العالمي للإخوان المسلمين:
لأنه دعوة للتوقيع على بيع فلسطين مقابل وعد بإنشاء جسد مسلوب الإرادة مشلول الفعالية.
ومزيد من التشرد والتمزق والضياع!
لم يكن موقف الرئيس ريغان الذي أعلنه في مشروعه الجديد بالمفاجئ لنا إلا في بعض تفصيلاته وجزئياته؛ ذلك أننا كنا على يقين أن الرجل الذي قدم السكين الحادة لذبح الشعبين الفلسطيني واللبناني للجزار اليهودي الخبيث والعملاء من المارونيين، لا بد أن «يمثل» دور المنقذ وهو يقدم مواد الإغاثة والإسعاف الأوَّلي للضحية التي تبدأ بالتقاط أنفاسها وتضميد جراحها التي هيهات أن تندمل وتبرأ إلا على يد قائد مسلم فذ، وطبيب مؤمن صادق يعرف أن العلاج الوحيد لا يمكن أن يكون إلا بوحدة الأمة المشتتة وعودة الأمة الضائعة إلى الله، وأن طريق الجهاد والاستشهاد هو الطريق الوحيد الذي يؤدي بنا إلى ساحات الشرف والكرامة على ربى فلسطين وفي رحاب الأقصى المبارك مهما طال الزمن وامتد ليل الظالمين المتخاذلين:
﴿وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الأنفال: ٦٢،٦٣،٦٤)
هذا هو رأينا المبدئي الواضح المحدد في أسلوب الحل وطريق العمل للقضية الفلسطينية التي تآمر عليها المتآمرون وصمت حيالها الصامتون، وإلا ماذا يعني أن ينشأ في الأردن وبعض فلسطين کیان اتحادي نصفه منزوع السلاح ونصفه الثاني مهدد بالتآمر واقع تحت رحمة من لا يرحمون!
وإذا كان لا بد من التفصيل في هذا المقام، فإن من الواضح أن أبرز العناصر الأساسية التي يقوم عليها مشروع ريغان للسلام المزعوم هي:
١- تجميد إقامة المستعمرات اليهودية في الأرض المحتلة عام ١٩٦٧م.
٢- إعطاء الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة حق إقامة حكم ذاتي، على أن يقوم بين هذا الحكم الذاتي في الضفة الغربية والقطاع وبين الأردن شكل من أشكال الاتحاد.
٣- إمكانية انضمام منظمة التحرير فيما بعد لطرف من أطراف الحوار والمفاوضات التي دعا لها ريغان بين العرب واليهود.
٤- وأخيرًا يقول ريغان إننا على قناعتنا بأن القدس يجب أن تبقى غير مجزأة، إلا أن وضعها النهائي يجب أن يتقرر عن طريق المفاوضات.
لم يكن إعلان هذه الأسس التي سنفنِّدها واحدًا بعد الآخر بمعزل عن التأكيدات الأمريكية والضمانات العملية التي تحمي إسرائيل وتحرص على أمنها وصداقتها بصورة لا يتطرق إليها الشك في دوامة المناورات والمباحثات وردود الفعل العربية واليهودية على حد سواء:
لقد أكد الرئيس ريغان ومع أكثر من مسؤول أمريكي أن أمن إسرائيل هو الأساس في أي محاولة لوضع حل لما أسموه بقضية الشرق الأوسط، كما أشاروا بوضوح في تصريحاتهم المواكبة لإعلان المشروع والتعليق عليه أن العلاقات بين أمريكا وإسرائيل لا يمكن أن يتطرق لها أي نوع من أنواع الضعف أو الخلل مهما ارتفعت درجة حرارة العتاب الذي يسوقه المسؤولون اليهود عبر تصريحاتهم وانفعالاتهم؛ لأن أمريكا تتعهد أولًا وقبل كل شيء بوجود إسرائيل آمنة مطمئنة عزيزة مدللة في ظل الحماية والسلاح والرجال مما توفره الولايات المتحدة الأمريكية.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 73).
هذه هي تفصيلات مشروع ريغان الأولية وأسسه التي يقوم عليها والتي طبلت لها بعض وسائل الإعلام العربية وزمرت لها أبواقه، أن تقوم في الضفتين دولة اتحادية: الجانب الغربي من جسدها مشلول الإرادة لا حياة فيه إلا ما تمثله الإدارة المدنية العزلاء بكل قزميتها، والجانب الشرقي من جسدها مشدود إلى المعونات الأجنبية المباشرة أو العربية المأمورة بالانسياب أو التوقف وفق معطيات ألاعيب السياسة الدولية التي لا ترحم، وعلى مرمى البصر منها دولة عدوانية توسعية زرعها الاستعمار وفي طليعته بريطانيا بوعد بلفور والولايات المتحدة الأمريكية بكل أسباب الحياة المادية والقوة الطاغية، ولا ننسى في هذا المقام الدعم السوفيتي والاعتراف بإسرائيل والمزايدة الماركسية.
أما ردود الفعل العربية على مشروع ريغان بين الصمت المشبوه الذي اعتدناه من الحكام ووصف المشروع بصفات الإيجابية، والتقدم نسبيًّا عما كانت عليه أمريكا والخطوة الجادة على طريق حل القضية برمتها، وكان رد الفعل اليهودي الرفض القاطع للمشروع واعتباره موقفًا عدائيًّا مستهجنًا من الولايات المتحدة تجاه «إسرائيل» المدللة.
والملحوظ أنه في الوقت الذي بدأ عدد من المسؤولين العرب يلهث وراء مشروع ريغان، أعلنت الحكومة الإسرائيلية رفضها القاطع للمشروع وندد فيه مناحيم بيغن بالمشروع مؤكدًا أن ما سماه بيهودا والسامرة لن يعود مرة أخرى ضفة غربية مرتبطة بالأردن وإلى الأبد، كما أعلنت الحكومة الإسرائيلية عزمها على إقامة مزيد من المستوطنات في المناطق المحتلة من فلسطين عام ١٩٦٧م.
ونحن نتساءل حتى من خلال نظرة المطبلين للمشروع المزمرين له:
•ماذا تعني دعوة ريغان إلى تجميد إقامة المستعمرات اليهودية في الأراضي المحتلة سوى بقائها كما هي، وزرعها أوكارَ إرهابٍ وقلاع رعب وتخريب وتجسس في البقية الباقية من فلسطين، ونحن من حولها لا حول لنا ولا قوة في كيان الحكم الذاتي الهزيل؟
إن ريغان لم يقل حتى من وجهة نظركم يا دعاة الصلح مع اليهود وبضرورة إخلاء المستعمرات من اليهود وإنهاء وجودها في البقية الباقية من الجسم الفلسطيني الممزق، فأي تجميد هذا الذي يعنيه سوى مباركته لوجود المستعمرات بينكم وموافقتكم على ذلك وأنتم صاغرون؟
•وماذا تعني دعوة ريغان إلى إعطاء الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة حق إقامة حكم ذاتي منزوع السلاح مسلوب الإرادة لا حول له ولا قوة، سوى بقاء الشعب الفلسطيني تحت رحمة جيش العدوان اليهودي في كل لحظة يفكر فيها هذا الشعب في مستقبله أو يتطلع فيها إلى حريته؟ ألَا ترون أن البيعَ رخيص وأن الثمن بخس دراهم معدودة أو كراسي مهزوزة لا تلبث أن تنهار على رؤوس الموافقين المتآمرين؟
•وماذا يعني إعلان ريغان إمكانية انضمام منظمة التحرير الفلسطينية في وقت لاحق لأحد الأطراف المتفاوضة سوى عدم الاعتراف صراحة بالمنظمة التي بحَّت أصوات الحكام العرب ووسائل إعلامهم من ورائهم بأن الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني هي منظمة التحرير، وأن ريغان أعلن هذا الجانب من مشروعه على استحياء لئلا يخدش المشاعر اليهودية التي تخاطبه من خلال التوراة وتذكرها بوعدها الأسطوري الذي آمن به الغرب الصليبي واليهودية العالمية على السواء؟
•أما قول ريغان بأن تبقى القدس غير مجزأة فما نحسبه سوى ترديد للتصريحات اليهودية المتكررة بأن القدس هي العاصمة الموحدة لدولة إسرائيل، ولا يقول عاقل إن ريغان في موقفه هذا ينوي تسليم القدس الموحدة للعرب على موائد المفاوضات الناعمة، إنما يعني أن يأذن لمن أراد منهم بالصلاة في المسجد الأقصى تحت الحراب اليهودية وراية إسرائيل ذات النجمة السداسية، وهو الأمر الذي أعلنته إسرائيل أكثر من مرة كلما تعرضت للقدس أو أتت على ذكرها باسم أورشليم.
•إننا نعلن صراحة وبلا مواربة رفض مشروع ريغان ونرى فيه شركًا جديدًا يسلمنا لمزيد من التمزق والضياع، ويحول بين أمتنا وبين الوحدة وجمع الصفوف، ويباعد بيننا وبين منهج الله الذي فيه الخلاص كل الخلاص من كل التشرذم والخور والهوان، وتؤكد أن بقاءنا في رفض دائم وتوثب مستمر وإعداد متواصل أفضل لنا من أن ندمغ بخاتم الذل ونطبع بطابع الولاء لليهود والصلح معهم على بيع فلسطين على أي صورة من صور البيع، فما بالكم على هذه الصورة المهيئة من صور البيع الرخيص في سوق النخاسة الدولية!
لقد استطاع اليهود بخبثهم الإعلامي وتآمرهم السياسي مسخ القضية الفلسطينية من إسلامية إلى عربية إلى فلسطينية إلى تسميات راحوا هم وعملاؤهم يطلقونها على المقاتلين الفلسطينيين من إرهابيين إلى مخربين.
ثم عملوا على تشريد هؤلاء تحت سمع الرأي العام العالمي وبصره في شتى بقاع العالم تحت رحمة الأعداء والأصدقاء على السواء. إننا نؤمن بأن القضية قضية إسلامية ولا يجوز أن تكون غير ذلك، ولا بد من حشد الطاقات لها على هذا المستوى. فليفهم المسلمون واجبهم وليفهم حكام البلاد الإسلامية ذلك وليفهم الإخوة الفلسطينيون أننا والمسلمين كافة معهم، وليعلم أعداء الله أن جذوة الجهاد لن تنطفئ وأن راية الشهادة لن تسقط مهما تآمر المتآمرون واشتد عدوان المعتدين.
إننا نناشد الملتقين في مؤتمر القمة أن يسجلوا موقفًا جديدًا موحدًا من مواقف الصدق مع الله ومع أمتهم ومع أنفسهم، أما نحن الإخوان المسلمين فإننا نرفض هذا المشروع الأمريكي التآمري رضي به من رضِي ورفضه من رفض، لأننا ننطلق من مبدأ أن فلسطين كلها مستقر عقيدة أمتنا ومنطلق معراج رسولنا -صلى الله عليه وسلم- إلى السموات العلى، ولأن إسلامنا لا يرضى لنا أن نقر مغتصبًا لأرض على اغتصابه فكيف إذا كانت أرضًا إسلامية بارك الله حولها؟
إن الأمة مدعوة إلى وحدة الصف والمخلصين من أبنائها مكلفون شرعًا أن يكونوا على قلب رجل واحد في كشف مخططات العدو وفضح روح الاستخذاء التي تسيطر على كثير من أولي الأمر، ليقوم فينا صف واحد كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا حتى نفوت الفرصة على الطامعين والمتخاذلين:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (سورة الأنفال: ٧٤،٧٥)
١٨/ ذو القعدة ١٤٠٢هـ
٦/ أيلول ۱۹۸۲