; البيئة و القدوة | مجلة المجتمع

العنوان البيئة و القدوة

الكاتب عبدالسلام الرندي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

مشاهدات 77

نشر في العدد 1229

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

للبيئة الصالحة شأن عظيم في الإصلاح واكتساب العادات الحسنة، ونبذ السيئة، وأثرها على الفرد واضح جلي في نقل خلق الجماعة إليه، بل إن استحسان الأشياء واستقباحها في بعض المجتمعات هو انعكاس لطبيعة البيئة وتقدير الجماعة لهذه الأشياء، ومع الممارسة اليومية أو المتكررة، ينصبغ بها الفرد حتى تغدو عادات ثابتة لها في النفس تأصيل، والتقليد يبدأ بالمرء من سني الطفولة الأولى ويستمر معه، فكم من تصرف باطل شاع بين الناس بسبب التقليد لعادات لا تستقيم مع الخلق السوي، يدفع إليها رؤية من يقتدي بهم يفعلونها. 

فوجود القدوة الحسنة متمثلة في أشخاص يختلطون بالناس ويعايشونهم في معاملاتهم وأحاسيسهم وشجونهم يولد الارتياح النفسي لإمكانية الارتقاء إلى مستوى هذه القدوة بتطويع الخصائص والصفات، وإن شق المسير، قال تعالى: (لَّقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَة لِّمَن كَانَ يَرجُو ٱللَّهَ وَٱليَومَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرا) (الأحزاب أية: 21) ( فَبِمَا رَحمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُم وَلَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلقَلبِ لَٱنفَضُّواْ مِن حَولِك فَٱعفُ عَنهُم وَٱستَغفِر لَهُم وَشَاوِرهُم فِي ٱلأَمر فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى ٱللَّه إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران آية: 159). فوصف الله سبحانه وتعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالرحمة واللين، كما وصفه الله تعالى في آية أخرى بالرأفة والرحمة: 

(لَقَد جَآءَكُم رَسُول مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِٱلمُؤمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيم) (التوبة: 128)، والحرص هذا الاهتمام بما ينفع الناس، وتعاهدهم بالسبل الحسنة إلى ما يجنبهم الخسران، وفي سير صحابته الكرام الدليل الناصع على التأثر به، ونقلهم ما اكتسبوه من أسوتهم جعلهم قدوة لمن بعدهم، وكون الرسول r انتقل إلى الدار الآخرة، لا يعني انقطاع هذه الأسوة، فسيرته الطيبة العطرة لا تزال تحكي لنا ما يأنس به من يبتغي الرفعة والسمو، وهكذا يكون في كل زمن أناس ترنو إليهم الأعين تقديراً وتطلعاً للوصول إلى ما وصلوا إليه.

وظهور الشباب الملتزم بأمر الله ونهيه ناصحاً لأهل مجتمعه، محباً الخير لهم ويفعل ما ينفعهم، وإن تحمل في ذلك الجهد بكل أشكاله، له وقع كبير في نفوس من عرفه أو سمع عنه، ولا يخفى أثر ذلك في النفس وفي الغير، قال النبي صلى الله عليه وسلم « لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس » «صحيح الجامع الصغير رقم الحديث ٥١٣٤»، وما أطيب وقعها في النفس حينما يقف ذلك الشاب كي يفسح الطريق لغيره، أو ينهض لمد يد العون، أو يعود مريضاً، أو يعين على النوائب أو مؤثراً غيره على نفسه متألماً لآلامهم وساعياً لنجاتهم وإسعادهم، مظهراً بذلك بذا صورة طيبة تعلق في الأذهان، مغايراً لأولئك الذين لازالوا في بعض الطيش أصلحهم الله، فكم من فعل سيئ فعل مرة وأخرى حتى تقبلته النفوس الضعيفة واستساغته لعدم إدراكها حقيقته وآثاره، وبالمقابل، فإن المعاملة الحسنة مع الناس ترغب بصورة أكبر تأثيراً في ذلك الفعل الحسن والدعوة إليه، فيسقط الخبيث ويحل محله الطيب، وما أكثر مداخل القلوب لمن أراد الإصلاح لو تفكر، كلمات بسيطة وجهد قليل يفتح الله به مغاليق القلوب.

 والقدوة في زماننا، الذي اختلطت فيه الأمور وتشابكت الأهواء والعادات، أن تكون مستقلاً بحركاتك وأعمالك عما تداخل في أفعال الناس من سوء، فتحرر نفسك مما ألزم الآخرون فيه أنفسهم من تبعات لا تصح، وهذا ما أسماه الجنيد البغدادي بعبارة «الحرية عن ما سوى الله» ، فقال في ذلك: »لا يكون العبد عبداً حتى يكون مما سوى الله تعالى حرًا» ومثل ذلك يقول الفضيل: » والله ما صدق الله في عبوديته من لأحد من المخلوقين عليه ربانية».

وتخلق المسلم بما أمر الله تعالي به في كتابه العزيز، وبما أوصانا به الرسول الكريم r قولاً وفعلاً، هو المعلم الواضح للإتباع الفعلي لهذا الدين، وإلا كان كمن قال الله عز وجل فيهم:  (مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّورَاةَ ثُمَّ لَم يَحمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلحِمَارِ يَحمِلُ أَسفَارا) (الجمعة آية: 5) فالعلم المكتسب لا نفع فيه كبير إذا لم يغير حال صاحبه، وما لم يتمثل به ويكون منهجاً لحياته، ويدعو الناس إليه بقوله وفعله وسمته، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «أخوف ما أخاف إذا وقفت بين يدي الله أن يقول: قد علمت فما عملت ...؟«

كم من محاضرات حضرت، وكتب قرأت، وأشرطة سمعت، لم يبق في الذهن منها إلا اليسير، ولكن تبقى المواقف الطيبة التي يقفها أهل الصلاح ماثلة أمام من يخالطونهم، ولعل موقفاً واحداً يترك من الأثر ما يغير مجرى حياة الإنسان. 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

975

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 7

160

الثلاثاء 28-أبريل-1970

عودة إلى الشباب المتهم

نشر في العدد 3

152

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة