العنوان البوسنة والهرسك- من سيحاكم مجرمي الحرب في البلقان؟
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1994
مشاهدات 120
نشر في العدد 1088
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 15-فبراير-1994
مجرمو الحرب في البلقان هم الصرب والكروات،
وكل الذين أعانوهم بالمال والسلاح والتآمر والصمت الرهيب على جرائمهم البشعة، وعلى
ارتكاسهم في أحط دركات الهمجية وانعدام الضمير، وهم يمارسون عدوانهم الوحشي على
الشعب المسلم في البوسنة والهرسك منذ ما يقرب من عامين.
أما جرائمهم فقد فاقت الحصر، وشملت كل الأفعال
المحرمة والمعاقب عليها والتي عادة ما يصنفها علماء القانون الدولي في ثلاث
مجموعات، طبقًا للمسابقة الدولية التي أسفرت عنها محاكمات نورمبرج عقب الحرب
العالمية الثانية، وهي:
1- جرائم السلام: التي تشمل القيام بشن حرب عدوانية، وإدارتها،
والتخطيط لها، ومتابعتها، أو أي حرب تقع خرقًا للمواثيق الدولية.
2- جرائم الحرب: وهي
تشمل انتهاكات قوانين الحرب وأعرافها ومبادئها وأخلاقياتها. وتتضمن هذه الانتهاكات
القتل العمد، وإساءة معاملة السكان المدنيين، وإقصاءهم - Deportation
وإجبارهم على القيام بأعمال شاقة، وقتل الأسرى عمدًا، وإعدام
الرهائن ونهب الأموال العامة أو الخاصة، وتهديم المدن والقرى.
3- جرائم ضد الإنسانية: وهي تشمل كل الأفعال التي تتضمن شناعة خلقية،
وتلحق الضرر والأذى بالضمير الإنساني، وتحط بالكرامة الآدمية مثل القتل المتعمد
غدرًا والاسترقاق، واغتصاب النساء، والإقصاء قسرًا عن الوطن، والتعذيب، والتجويع
والإبادة الجماعية، وكل الأفعال التي تجرى باسم التطهير العرقي أيًّا كانت أسبابها
سياسية أو دينية أو سلالية. ويضاف إلى ذلك كل الأعمال العدوانية التي تلحق الضرر
بالتراث الثقافي والديني والإنساني مثل هدم دور العلم وتخريب أماكن العبادة،
وإحراق المكتبات، وقتل العلماء، أو إهدار كرامتهم..
لم يترك الصرب والكروات، وأعوانهم جريمة من
تلك الجرائم إلا وبالغوا في ارتكابها على مرأى ومسمع من العالم كله، دون رادع من
قانون أو أخلاق أو مبادئ أو حتى المشاعر الإنسانية الفطرية التي لا تفارق أكثر
الجماعات بدائية، فمنذ قيام الصرب بشن حربهم العدوانية في إبريل ١٩٩٢ على مسلمي
البوسنة، وحتى ٣ يناير ١٩٩٤ بلغ عدد القتلى والجرحى ٣٠٠ ألف شخص، أغلبيتهم الساحقة
من المدنيين الأبرياء.
وقد أعلنت وزارة الصحة البوسنية في سراييفو أن
عدد القتلى من جراء الاعتداءات الصربية والكرواتية، بلغ ١٤١,٦٠٥ ألف قتيل وأن
الجرحى والمصابين ١٦٠ ألفًا. وذلك في المناطق التي يسيطر عليها المسلمون هذا
بالإضافة إلى اغتصاب ٣٠ ألف امرأة، واحتجاز ٤٠٠ ألف شخص في معسكرات اعتقال جماعية،
وتهجير أكثر من مليون مواطن بوسني إجباريًّا، وتدمير ٨٠٠ مسجد، منها ثمانية عشر
مسجدًا في مدينة بانيا لوكا (الواقعة غرب البوسنة) هي كل مساجد هذه المدينة، مع
رفض كل محاولات المجلس الإسلامي البوسني لإعادة ترميم ما يمكن من تلك المساجد.
ومبالغة في انتهاك كل ما له صلة بحقوق
الإنسان، واحترام آدميته ومشاعره، فإن السلطات العسكرية الكرواتية صارت ترغم
المسلمين الفارين إليها من جحيم الصرب في البوسنة على القتال ضمن صفوف الجيش
الكرواتي ضد إخوانهم مسلمي البوسنة، وضاعت سدى شكاوى منظمة حقوق الإنسان في زغرب ومناشداتها
للجهات المعنية بالتدخل لإنقاذ أكثر من ٦٠٠ جندي مسلم بوسني من هذا العمل المشين.
لقد باتت مهمة إحصاء وحصر وتوثيق كافة الجرائم
التي ارتكبها المعتدون الصرب والكروات وأعوانهم من المهمات الأساسية التي يجب
القيام بها لحفظ حقوق أهلنا من مسلمي البوسنة والهرسك والمطالبة بالقصاص العادل من
أولئك المجرمين. ويمكن لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وجامعة الدول العربية، ومنظمات
الإغاثة الإسلامية، أن تقوم بدور كبير في هذا المجال، وفي الإعداد لمحاكمة
المجرمين، لأننا نحن المسلمين أولياء تلك الدماء التي أهدرت والأعراض التي انتهكت
والمساجد والمنشآت التي دمرت وأحرقت والأموال والممتلكات التي نهبت والأطفال الرضع
واليتامى والنساء والعجائز والشيوخ الذين لا يملكون حيلة، ولا يستطيعون سبيلًا، في
هذا العالم الهمجي، وهذا مما يفرضه علينا الواجب الإنساني تجاه المظلومين عامة،
وتجاه الإخوة في العقيدة والدين بصفة خاصة، وعلينا ألا ننتظر أحدًا غيرنا ليقوم
بهذا الواجب نيابة عنا فهذا أمر لم ولن يحدث.
ولكن هل المسؤولية الجنائية عن هذه الجرائم
المرتكبة في حق الشعب البوسني وفي حق أمتنا الإسلامية كلها تقتصر فقط على مجرمي
الصرب والكروات؟
إن السوابق القانونية التي أسفرت عنها محاكمات
مجرمي الحرب العالمية (في نورمبرج وفي طوكيو) تؤكد على أن المسؤولية الجنائية عن
جرائم الحرب -بكل أنواعها- يتحملها حكام الدول المعتدية وقواد جيوشها وجنودها،
ورجال الإعلام والصناعة والمال الذين مولوا العمليات العدوانية وأمدوا المنفذين
لها بالتوجيهات والإرشادات، والدعم المعنوي والمواقف التي تسهل الاستمرار في
عدوانهم. فإذا أضفنا إلى ذلك المسؤولية في الهيئة الدولية -الأمم المتحدة- المنوط
بها رعاية وحفظ السلام والأمن الدوليين لتقاعسهم عن القيام بما يمليه عليهم واجبهم
وضميرهم، فإن مجرمي الحرب في البلقان المطلوب القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة
العادلة هم: حكام صربيا وكرواتيا، وقادة جيوشهما الذين شاركوا في العدوان، ورجال
الإعلام والصناعة والمال فيهما، وقادة القوات الدولية التابعة للأمم المتحدة
وأفرادها الذين أسهموا أو شاركوا في وقوع الجرائم والاعتداءات على أبناء الشعب
المسلم في البوسنة منذ اندلاع الحرب، وكذلك الأمين العام للأمم المتحدة الذي ما
فتئ يعلن التصريحات ويتخذ المواقف المؤيدة والمتحيزة تحيزًا صارخًا لصالح المعتدين
الصرب والكروات مدعيًا عجز الأمم المتحدة عن رد عدوانهم، وبدعوى أنه -رأي الأمين
العام- يخشى من المسؤولية الأخلاقية إذا تعرضت قوات الأمم المتحدة لأي خطر من جراء
تصديها للصرب (جريدة الأخبار القاهرية ١٠/١/١٩٩٤) في الوقت الذي لا يشعر فيه هذا
الأمين العام بأية مسؤولية أخلاقية إزاء المسلمين في البوسنة، وهم الذين يقتلون
وتنتهك أعراضهم، ويشردون وتنهب أراضيهم بالقوة الغاشمة منذ ما يقرب من عامين كاملين.
وحتى بعد أن أعلن حلف الأطلنطي -في اجتماعه
مطلع هذا العام- عن استعداده لتوجيه ضربات جوية ضد مواقع الصرب بالاشتراك مع
القوات الدولية لفك الحصار المفروض على المدن البوسنية، فقد رفض الأمين العام تلك
المبادرة في رسالة بعثها إلى مجلس الأمن بدعوى أن قوات الحماية الدولية أضعف من أن
تقوم بالعمليات العسكرية اللازمة لهذه الخطوة (الأهرام ٢١/١/١٩٩٤). رجل مثل هذا
يجب أن يكون على قائمة المطلوب محاكمتهم كمجرمي حرب في هذه القضية!
لقد اتسمت تحركات الأمم المتحدة بالبطء الشديد
تجاه مأساة البوسنة، وجاءت مواقفها (سواء من خلال مجلس الأمن أو الجمعية العامة،
أو الأمين العام) متحيزة لصالح المعتدين ومكرسة لنتائج اعتداءاتهم، ومن أبرز
الأدلة على ذلك ما تم اتخاذه من إجراءات لمحاكمة مجرمي الحرب من الصرب والكروات،
فبعد مرور عام كامل على بدء العدوان على البوسنة أصدرت الجمعية العامة للأمم
المتحدة بتاريخ ٢٥ مايو ١٩٩٣ قرارها رقم ٨٣٥ بإنشاء محكمة دولية لمحاكمة مجرمي
الحرب في البلقان، وكان من المفترض أن تتم إجراءات القبض على المتهمين وتقديمهم
للمحاكمة بأقصى سرعة إرضاء للضمير الإنساني الذي آلمته المأساة، ولردع المعتدين عن
المضي في أعمالهم الإجرامية، ولكن إجراءات التنفيذ اتسمت بالتراخي الشديد، وجاءت
الخطوات الأولى منها مخيبة للآمال التي انعقدت على المحاكمة، إذ لم يتم بعد مرور
ثمانية أشهر على صدور قرار إنشاء المحكمة سوى تعيين القضاة وعددهم أحد عشر قاضيًا،
قاموا بعقد أول اجتماع لهم في لاهاي في السابع عشر من نوفمبر الماضي لمناقشة
النظام الداخلي للمحكمة، وليس من بينهم قاضٍ واحد مسلم، بالرغم من أنه تم اختيار
ثلاثة منهم من ثلاث دول إسلامية كبيرة هي: ماليزيا وباكستان، ومصر.
فمن ماليزيا -التي يشكل المسلمون فيها ٧٠% من
سكانها- تم اختيار قاضٍ هندوسيٍّ ومن باكستان -التي يزيد المسلمون فيها عن ٩٠% من
سكانها- تم اختيار قاضٍ زرادشتيٍّ من أصل فارسي، أما من مصر -التي تصل نسبة
المسلمين فيها إلى ٩٤,٥% من سكانها- فقد تم اختيار قاضٍ مسيحيٍّ أرثوذكسي. فما
الذي يبرر هذا التحيز الصارخ ضد المسلمين من هيئة يفترض فيها الحياد والنزاهة
وتطبيق قواعد العدالة والإنصاف؟ وإذا كان بعض الدبلوماسيين الغربيين قد دافعوا عن
هذا الاستبعاد المنظم للمسلمين من عضوية هذه المحكمة بحجة واهية تقول إن المسلم قد
ينحاز إلى جانب الضحايا البوسنيين لأنهم مسلمون، أليس من حقنا نحن المسلمين أن
نطعن في صلاحية ونزاهة هذه المحكمة بالنظر إلى الهوية الدينية -غير الإسلامية-
لأعضائها؟ وأيهما أخف ضررًا وأقرب للعدالة في هذه الحالة: التحيز لصالح المجرم
المعتدي أم التحيز لصالح الضحية المعتدى عليه؟
إن هيئة الأمم المتحدة قد فشلت في هذه القضية
-كعهدها دومًا في كل القضايا العربية والإسلامية- فشلًا ذريعًا ومزدوجًا وذلك
لسببين على الأقل، أولهما: أن قرارها بإنشاء هذه المحكمة يعكس إخفاقها في وقف
جرائم الصرب والكروات عن طريق التدخل الدبلوماسي أو العسكري طبقًا لأحكام الفصل
السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وثانيهما: أن تشكيل المحكمة وخلوها من أي قاضٍ
مسلم يعكس التحيز الصارخ، لا ضد الضحايا من مسلمي البوسنة فحسب، بل ضد الأمة
الإسلامية كلها أيضًا.
ولن تكون هذه الهيئة المسماة «الأمم المتحدة»،
وأجهزتها المختلفة -كما لم تكن منذ نشأتها- سوى أداة في يد القوى الكبرى لإضفاء
الشرعية القانونية على الممارسات والأعمال الإجرامية التي تقع في حق أمتنا وشعوبها
العربية والإسلامية. إنها هيئة زائفة ومرتع خصب لممارسة النفاق الدولي ولتحقيق
مآرب عبيد الشهوات ورعاديد السياسة والمال، فهيهات أن تنشأ من خلالها محكمة عادلة
لمحاكمة مجرمي الصرب وأعوانهم.
محكمة عدل إسلامية
لابد من قيام محكمة عدل إسلامية على مبادئ
العدل والإنصاف لترعى الذمم والعهود، وتصون الحرمات، وتحفظ الكرامة الإنسانية بغض
النظر عن فوارق الجنس أو الدين أو اللون أو اللغة أو القوة والضعف. إن محكمة دولية
تقوم على أسس العدالة الإسلامية هي وحدها القادرة على إحقاق الحق وإعادته إلى
نصابه، وردع المعتدين والظالمين، ونحن الذين أمرنا الله تعالى في كتابه الكريم
بقوله: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8) ولن يستمر الظالم القوي على قوته أبد
الدهر، والضعيف المظلوم لن يدوم على ضعفه مدى الحياة، ولكنها أدوار، وأطوار تعترض
الأمم والشعوب كما تعترض الآحاد والأفراد (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ
مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (الشرعاء: 227).
(*) باحث بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية
والجنائية - مصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل