العنوان البوسنة والهرسك أبعاد التآمر الغربي في البوسنة
الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1995
مشاهدات 68
نشر في العدد 1162
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 15-أغسطس-1995
جاء اجتياح الصرب لمنطقة سريبرينيتسا ثم منطقة جيبا المسلمتين شرق البوسنة، وإعمالهم أسلحة التصفية الجسدية في ألوف المسلمين مع اغتصاب ألوف المسلمات ليضاعف من أحزان وهموم وغضب جموع المسلمين في كل مكان.. وفي نفس الوقت ليعري أساليب التآمر والخداع الغربية التي يسعى الغرب الصليبي بكل همة من خلالها لاجتثاث جذور الإسلام والمسلمين في البوسنة.. وأيضًا ليضع جميع حكومات المسلمين في موضع غاية في الحرج بل والسخرية.
فقد حرصت الأمم المتحدة، ومجلس أمنها، وأمينها العام على نزع سلاح المسلمين في المناطق التي أعلنت من خلال قرارات لها، أنها ملاذات آمنة تحظى بحماية الهيئة الدولية دون أن تنهض الهيئة أو مجلس الأمن بأي واجب من واجبات الحماية أو توفير الأمن، حتى أن سريبرينيتسا لم يكن بها ما يزيد على العشرين من جنود الأمم المتحدة، كما أنه رغم تنبيه الهيئة الدولية، ومجلس الأمن، والسيد بطرس غالي إلى خطورة التحركات الصربية حول المنطقة، وضرورة توفير الحماية الكافية لها إلا أن الأمين العام ومجلس الأمن لم يحركا شيئًا حتى سقطت المدينة والمنطقة في أيدي الصرب.
مجلس الأمن يؤكد التواطؤ الغربي
وجاء قرار مجلس الأمن في أعقاب سقوط سريبرينيتسا ليؤكد تواطؤ الغرب والهيئات الدولية وبطرس غالي، فقد أصدر المجلس قرارًا يفوض الأمين العام- بطرس غالي- اتخاذ كافة الوسائل بما فيها القوة لاسترجاعها في الوقت الذي أعلن فيه بطرس غالي من القاهرة، حيث كان في زيارتها: إنه في رحلة إلى إفريقيا لمعالجة أزمات وقضايا القارة.. وأنه لن يغير برامج رحلته.. ثم عاد ليعلن أنه لن يلجأ إلى استخدام القوة لاستعادة سريبرينيتسا.
وجاءت الضجة الإعلامية التي افتعلها الرئيس الفرنسي شيراك في أعقاب سقوط سريبرينيتسا مصحوبة بسيل من التصريحات الرئاسية المتشددة التي تهدد وتتوعد الصرب لتلقي الأضواء أكثر على الدور الفرنسي، لقد أعلن شيراك أنه لا بد من تحرك دولي لاستعادة المدينة، وأن الشرف الدولي ومبادئ حقوق الإنسان يقتضيان حشد القوى وتوجيه الضربات للصرب لإخراجهم من المدينة، وأنه إذا لم تتحرك الأمم المتحدة ودول الغرب فإن فرنسا ستنفرد بالحركة... إلا أن حدة التصريحات صارت تتراجع وتتهادى وتلين، حتى انتهى شيراك إلى الإعلان أن فرنسا لن تقبل باجتياح جور أجدي، وأنها لن تتحرك لحماية سراييفو.. بما يعني إيماءة فرنسية واضحة، بل ومفضوحة.
وفي إطار التآمر الغربي على أرواح المسلمين وأعراض المسلمات...
وحتى الدور البريطاني متعاونًا إلى أبعد الحدود مع الدور الفرنسي.. إذ تزعمت الدولتان حملة أحكام حظر السلاح على مسلمي البوسنة بدعوى الخوف من اشتعال حدة الحرب.. كما مضت بريطانيا إلى أبعد الحدود في التأكيد على أن مهمة القوات الدولية في البوسنة لا تعدو تسيير قوافل الإغاثة، وأن مهمة قوات التدخل السريع التي تم تشكيلها مؤخرًا لا تعدو توفير الحماية للقوات الدولية. ويعني هذا أن أرواح ودماء وأعراض المسلمين وديارهم في البوسنة مباحة للصرب يعبثون فيها كيفما شاءوا. وفي ظل حظر السلاح عن مسلمي البوسنة، فإن ساحة التصفية والإبادة الوحشية متاحة بل ومباحة أمام الصرب ليعربدوا فيها تحت الرعاية الغربية وفي ظل مجلس الأمن والسيد بطرس غالي.
الخداع الأمريكي
أما عن الدور الأمريكي فقد حددته الخارجية الأمريكية منذ بدء المأساة، وهو أن مسلمي البوسنة لا يمثلون مصلحة بالنسبة للسياسة الأمريكية، ولا يشكلون أهمية تستدعي التدخل من أجلهم.. بل ومضت السياسة الأمريكية تنهج نهج الخداع والتغرير بالمسلمين.. ومن ذلك إطلاق العديد من التصريحات على مستوى الرئاسة والكونجرس تؤيد رفع حظر السلاح عنهم، وتوحي بأن ثمة قرارات توشك أن تتخذ التأكيد التعاطف معهم، حتى جاء الاتفاق الأخير بين الرئيس الأمريكي والكونجرس على تأجيل بحث رفع الحظر، حرصًا على العلاقات والتنسيق بين أمريكا وحليفتيها بريطانيا وفرنسا.. ثم جاء تصريح الرئيس كلينتون أن قرار رفع الحظر من السلاح بالنسبة للبوسنة، إذا صدر فسيستخدم حق الفيتو ضده، وإذا حظي القرار بموافقة ثلثي الأعضاء أو أكثر فإن الرئيس سيعمل على تأجيل تنفيذه إلى ما بعد أسابيع من انسحاب القوات الدولية عن البوسنة.. أي حينما تكون البوسنة والمسلمون سكانها.. قد زالوا من فوق خريطة أوروبا.
إن الرئيس الأمريكي لا يفتأ يعلن عن استعداد بلاده لحشد القوات، وإرسال الطائرات، وتسيير الأساطيل لا لإقرار السلام في البوسنة، ولا للتأكيد على مبدأ حقوق الإنسان الذي تتغنى به الإدارات الأمريكية، ولكن لتأمين انسحاب القوات الدولية، أو لفك حصار يفرض عليها، كما أن الرئيس كلينتون لا ينسى أن يقول وهو يعقب على قرارات وزراء الدفاع ورؤساء الأركان الغربيين، وفي أعقاب الاجتماع الذي عقدوه في لندن في الآونة الأخيرة إنه يشجع ألا تزج الأمم المتحدة بنفسها في الحرب الدائرة في البوسنة»، وكأن ما يجري على ساحة البوسنة من عدوان صارخ، ومجازر وحشية تجتث فيها رقاب المسلمين العزل الأبرياء المحرومين من كل وسائل الدفاع عن النفس.. ليست هي حرب بين الصرب المدججين بكافة أنواع السلاح وبين أهل البوسنة المجردين من كل سلاح وإذا كانت أحداث البوسنة الدامية الأخيرة، قد تتابعت في شكل أشد مأساوية لتفضح وتعري مواقف الغرب، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن والسيد بطرس غالي، فإنها وضعت المسلمين الرسميين والمنظمات الإقليمية الإسلامية في وضع غاية في الحرج، بل والسخرية، فلم تبدر بادرة واحدة، ولو متواضعة من جهة إسلامية تمثل ضغطًا على الغرب، رغم أننا نملك الكثير من وسائل الضغط، بل كان الامتثال لقرارات مجلس الأمن الخاضع للسيطرة الأوروبية.
لم تحرك المجازر التي راح ويروح ضحيتها الألوف من مسلمي البوسنة شعرة ألم أو حزن.. أو غضبة للأرض والدم والعرض وإذا كانت ثمة قرارات اتخذتها مجموعة الاتصال الإسلامية في لقائها الأخير في جنيف، ومن بينها قرار بعدم شرعية أو قانونية قرار حظر السلاح عن المسلمين في البوسنة، ثم صدور تصريحات متحمسة من جهات مسئولة في حكومات إسلامية، فإن الشكوك قد أحاطت بها منذ ساعة صدورها، خاصة وأن هناك قرارًا سابقًا للمؤتمر الإسلامي، كان قد حدد فيه مهلة شهر ونصف الشهر من صدوره لتقوم دولة بمد البوسنة بالسلاح، إذا لم تنهض الأمم المتحدة، أو مجلس الأمن بإلغاء قرار الحظر.. ومع ذلك مضى عامان وأكثر... والقرار لا يعدو حبرًا فوق الورق.
تراجع ماليزيا عن تقديم السلاح
لقد أعلن مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا بعد انتهاء اجتماعات لجنة الاتصال الإسلامية في جنيف أن ماليزيا ستمد حكومة البوسنة بحاجتها من السلاح، وأكد في تصريحاته تواطؤ الغرب، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن، ونادى بضرورة طرد بطرس غالي.. إلا أنه لم يمض يومان على تصريحات مهاتير محمد التي كان كثير من المسلمين يأملون من ورائها خيرًا.. حتى صرح سفير ماليزيا في الأمم المتحدة، بأن ماليزيا لا يمكن أن تتصرف منفردة في هذا الشأن.
إنها مأساة.. تعيشها البوسنة المسلمة.. لا لشيء إلا لأنها ارتضت الإسلام، وارتضت العيش في إطاره وظلاله.
إنها المؤامرة تحوط بالمسلمين أهل البوسنة.. المتآمرون فيها هم الغرب، والأمم المتحدة، والسيد بطرس غالي والصرب هم المنفذون... وليس ثمة فارق بين الدور الروسي والدور البريطاني أو الأمريكي أو الفرنسي.. فالهدف عند الجميع واحد.
أما صمت المسلمين الرسميين إزاءها وعجزهم أو تقاعسهم حيالها رغم ما يملكون من وسائل وإمكانات، فإنه يعني من بين ما يعني مزيدًا من المجازر وأعمال الإبادة والتصفية الإجرامية التي تستهدف اقتلاع جذور الإسلام والمسلمين.. أصحاب الأرض والديار في البوسنة..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل