; البنيوية الإلحادية عند الحداثيين | مجلة المجتمع

العنوان البنيوية الإلحادية عند الحداثيين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1988

مشاهدات 64

نشر في العدد 885

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 04-أكتوبر-1988

في الأعداد الماضية شرحنا للقارئ الكريم مواقف وآراء رموز الحداثة المتعارضة مع العقيدة الإسلامية وذلك من خلال أمثلة وشواهد شعرية وأدبية سردناها كما هي في كتبهم ودواوينهم، وفي هذا العدد نختتم حديثنا عن الحداثة بإعطاء فكرة عن بدعة «البنيوية» لديهم.

المادية الديالكتيكية تنظر إلى الطرق والمناهج البنيوية على أنها مناهج جزئية خاصة.

من الشطحات الفكرية الوافدة علينا تحت ستار الحداثة، قضية البنيوية التي يدافع عنها حتى الموت الحداثيون وتجاوزا للحوارات الطويلة التي ملأت صفحات الملاحق والصفحات الثقافية حول قضية البنيوية، وهل هي نهج، أم مذهب، أم عقيدة؟ ننقل كتابة الأستاذ أحمد الشيباني الذي يعتبر حجة في المذاهب الفكرية الأوروبية، وفي خاتمة مقالاته الرائعة عن البنيوية في ملحق الأربعاء «ع 238» 10‏ جمادى الأولى ‎١٤٠٨‏ ه يقرد الشيباني:

«أرى لزامًا على أن أختتم سلسلة مقالاتي هذه عن البنيوية في التذكير بالفلسفة التي يستند إليها هذا المذهب ولا أقول المنهج، وذلك لأن ‎البنيوية ‏التي تختلط مفاهيمها الخاصة للألسنية والأنثروبولوجيا وعلم النفس والمعرفة والماركسية، لتعلن جهارًا نهارًا عن اعتمادها المادة أو الطبيعية محورًا لفلسفتها وتلحد بالله -عز وجل- وتنادي بموت الإنسان وتقول بأنه ليس ثمة تاريخ ولا ذات ولا حرية ولا فلسفة، لأن الفكر نفسه، لا بل، والنفس أيضًا هما شيئان من أشياء الطبيعة، وخاضعان لقوانين الحتمية السائدة في عالم الضروريات، وأنه ليس ثمة غيبيات ولا أخرويات وإن القضايا الميتافيزيقية لا يزيد كونها عن عبارات خاوية من كل معنى. وإن كل ما هنالك هو دنيا تنظم نفسها بنفسها تنظيمًا يحفظ لها وحدتها، ويكفل لها المحافظة على بقائها، ويحقق لها ضربًا من الانغلاق الذاتي، وإنها ليست بحاجة إلى علة خارجة عنها».

وفي رد الأستاذ الشباني على زعم الحداثيين أنه لا علاقة بين البنيوية والماركسية، وأن البنيوية مجرد شكل لا مضمون تحته، وأنها فقط منهج للبحث، كما يزعمون تمامًا للحداثة، وأنها مجرد أشكال وأساليب جديدة في الكتابة، وأنها لا تحوي أي مضمون فكري أو اعتقادي مغاير لديننا، وأنها ليست سوى أسلوب حديث ومنهج إبداعي، يعتمد على طريقة غير طريقة الكتاب والأدباء الأوائل.

ويحاولون دائمًا صرف المعركة معهم إلى هذا الجانب بعيدًا عن العقيدة والفكر والمضمون.

قال الشيبياني في رد زعم إمعات البنيوية في فصل البنيوية عن الماركسية ما يلي: «ما‏ قولك أيها الأخ في‏ المعجم الفلسفي الصادر عن موسكو، والذي وضعه جهابذة الفكر الماركسي، حيث ورد فيه في صفحة ‎٩٦‏ وتعت كلمة البنيوية ما يلي: «إن المادية الديالكتيكية تنظر إلى الطرق والمناهج البنيوية على أنها مناهج جزئية خاصة، تخضع للمنهجية الديالكتيكية العامة وترفض الإطار الذي تكون فيه هذه المناهج فعالة. وتبين ضرورة الجمع بينها وبين مناهج البحث الأخرى» ثم ما قولك فيما ورد في الصفحة ‎٢٩٨‏ ‏من كتاب: مفهوم الواقع في‏ التفكير العلمي المعاصر: «من أجل هذا يعتبر شتراوس انفة امتدادًا للمنهج الديالكتيكي، والذي هو منهج لا يخالف في نظره المنهج البنيوي، بل يماثله ويطابقه، وبالإضافة إلى ذلك يتبني المفهوم الماركسي الديالكتيك الطبيعة والتاريخ». وما هو رأي الأخ السريحي فيما تقوله الكاتبة الفرنسية كلوديا «وكذلك فإن فلسفة شتراوس فلسفة ماركسية وبخاصة بما يتعلق ببنيات المجتمع تطبيقًا للنظرية الماركسية على مسالة من أهم المسائل، «وهي مسألة التبادل الزواجي» ومن ثم فما رأي السريحي فيما يقوله ليفي شتراوس شيخ البنيويين ردًا على بول ريكو، يقول شتراوس: «إن‏ ريكو يرى أن في فلسفتين قد تكونان متناقضتين، الأولى منهما تندرج تحت المادية الجدلية وتقول بأولية الممارسة والثانية هي فلسفة مادية محضة. إن ما يراه ريكو ليس سوى رحلتين من مراحل تفكيري». وما هو قول الأخ السريحي فيما يقوله بول ريكو: «إن‏ شتراوس يعتبر ‏منهجه امتدادًا للمادية الجدلية، فيرى أن معظم قضاياه أقرب إلى المادية الميكانيكية منها إلى المادة الجدلية». وما رأي الأخ السريحي فيما يقوله الدكتور زكريا إبراهيم في كتابه: «مشكلة البنية، في ص ‎،٢٨‏ قال: «وحينما ظهرت محاولة التفسير، لتفسير الماركسية تفسيرًا علميًا بنيويًا دون الرجوع إلى مفاهيم الإنسان والتاريخ والممارسة والاغتراب فهنالك نوع من التلاقي بين هذه الماركسية العلمية الجديدة من جهة، وبين الحركة البنيوية من جهة أخرى»‏.

‏ثم ألحقها الأستاذ الشيباني قائلًا: «إنني أتصدى للبنيوية مدفوعًا بقناعتي بأنه لا يجوز البتة العودة إلى المادية المقنعة بقناع ثقافي، وذلك بعد أن حسرنا عن وجهها البشع قناعها الأيديولوجي وهو الاشتراكية وشتى فروعها من علمية وتعاونية وسواها».

‏ثم في تنزله مع السريحي الذي يدعو إلى اعتقاد البنيوية كمنهج، يقول الشيباني: 

«إن‏ قول الأخ السربحي الآنف الذكر هو تمامًا كقول القائل: لنسقط الماركسية ولنحتفظ بمنهج الديالكتيكية العامة» أو قول القائل: «لنكفر بالبوذية، ولكن لتمارس طقوسها». فالمنهج هو الخط والممارسة وإننا، حتى لو افترضنا أن البنيوية هو منهج وليست بمذهب فإنها تبقى مع ذلك المنهج المادي لدراسة المواضيع. فنحن عندما نعمد إلى البنيوية لدراسة أي موضوع فإننا ندرس ذلك الموضوع على أضواء المادية، ولا خلاف أن العلمانية أو العلمية أو المتعالية أو التعالمية التي تضفيها البنيوية على دراستها إنما هي المادية بالذات. فالعلم هو ما يدخل في إطار المحسوس أو المادي، ولذلك عمد الماركسيون إلى وصم الاشتراكية المادية بالاشتراكية العلمية، وهنا أعود ‏وأكرر القول بأنه ليس للبنيويين مذاهب أو عقائد منفصلة عن نظريتهم البنيوية المادية».

‏ثم يتوجه الأستاذ الشيباني إلى الغذامي القائل في كتابه: الموقف من الحداثة – ص13:

«أما الألسنيون وأنا منهم، فهم فئة قليلة دخلت بهم الألسنية إلى بلدنا أخيرًا، وإن لي شرف الانضواء تحت المظلة الجديدة، وعنها كتبت كتابي: الخطيئة والتفكير. وتتميز الألسنية بمنهجيتها في التفكير وتقوم على أن قيمة الشيء ليست في ذاته وإنما هي في وظيفته، أي في علاقة الجزء بالكل»

‏ورد عليه الأستاذ الشيباني قائلًا:

«وما‏ أورده الأستاذ الغذامي لهو تعريف دقيق للنظام الفاشستي حيث لا يتجاوز كون الفرد سلكًا في آلة ضخمة، لذلك نرى البنيويين يعمدون دائمًا إلى تشبيه البنية بمحرك السيارة، ولا خلاف أن مثل ذلك النظام الذي حدد شكله وجوهره الدكتور الغذامي، نظام لا مجال فيه للحرية ولا للإنسان».

‏ثم يضيف الأستاذ الشيباني بعد ذلك ردًا على السريحي الذي صنف الشيباني في رده على البنيوية واعتقاده بألوهية الله وحده «إنه -أي الشيباني- بمثل الفلسفة المثالية». وهذه المقولة توجه دائمًا من قبل الماديين إلى الذين يقولون بوجود الله وربوبيته وألوهيته. فقال الشيباني:

‏«وإنني أعود وأردد قائلًا إنني حين أشدد في تأكيدي على المكانة والحقوق التي أسبغها الإسلام على الإنسان فإنني بذلك أسقط كلا المذهبين المادي والمثالي، فأنا عندما أرفض المذهب المادي بسبب تأليهه للمادة لا أقبل بالمذهب المثالي المؤله للإنسان، ولذلك فإنني كما تعلم لا أقول ولن أقول بأن حدس الإنسان أو تصوره هو الذي يخلق الأشياء وتعدد مفاهيمها فالخالق هو واحد أحد، إنه الله -عز وجل-».

‏ثم ختم الأستاذ الشيباني مقالته في الرد على البنوية بهذه الكلمات:

«وإنني في خاتمة مقالاتي لا يعني إلا أن أؤكد للمرة الأخيرة إنه لا يمكن فصل المنهج عن فلسفته كما أنه لا يمكن فصل الفلسفة عن منهجها. فإننا عندما نمارس الإسلام نمارسه وفق المنهج الإسلامي، فالممارية أي «PRACTICE»‏ يحددها الدين أو النظرية أو المنهج الذي تستوجبه. فلذلك فإن الممارسة الصحيحة أي النهج لا يكون إلا داخل إطار الدين أو المذهب أو النظرية التي تستوجب تلك الممارسة وفقًا لمذهبها».

الرابط المختصر :