; البنا منهج غير مسبوق في البناء.. لماذا نجح البنا وأخفق غيره؟ | مجلة المجتمع

العنوان البنا منهج غير مسبوق في البناء.. لماذا نجح البنا وأخفق غيره؟

الكاتب شيروان الشميراني

تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2003

مشاهدات 116

نشر في العدد 1562

نشر في الصفحة 66

السبت 02-أغسطس-2003

لم أقرأ أو أسمع من الأعداد الكبيرة التي كتبت أو تحدثت عن الإمام حسن البنا -فكرًا وشخصية- من الإخوان المسلمين وغيرهم ومن الغربيين أجمل وأروع مما كتبه الشهيد سيد قطب في مقاله «حسن البنا وعبقرية البناء» فقد استخلص -رحمه الله- معالم ممتازة من شخصية حسن البنا في مجال الدعوة والحركة، والتي أرى أن النجاح يكون صعبًا وبعيدًا جدًا بدونها، سواء على مستوى الفرد الداعية أو الجماعة، ونختار من هذه الملامح الدعوية أربعة، وهي:

أولًا- دعوة وبناء:

      الفرق كبير بين الدعاية والبناء، فالدعاية هي التوضيح للفكرة والمبادئ عبر وسائل محددة وواضحة، من خلالها يسمع الناس البلاغ، وتكون إقامة الحجة على جمهور الناس، أما البناء فهو شيء آخر، فهو صياغة هياكل حية تحوي في نفوسها وعقولها هذه المبادئ والأفكار، فتكسبها خاصية الحياة، ولا تبقى ميتة بحاجة إلى من ينفخ فيها، وهذا ما فعله الإمام حسن البنا، فرغم قلة كتبه وكتاباته وقصر خطبه ومحاضراته، إلا أنه ترك ضخمًا وعظيمًا وحيًا، لبناته تتكون من بشر أحياء، لقد رأينا الكثيرين من الكتاب وأصحاب الشروح لكن أفكارهم ماتت بموتهم، ولم يقدروا علي تربية رجل واحد أو امرأة واحدة، ومن هنا قال سيد قطب -رحمه الله-: وما كل داعية يملك أن يكون بناء وما كل بناء يوهب هذه العبقرية، وهذا البناء الضخم (الإخوان المسلمون) هو مظهر هذه العبقرية الضخمة في بناء الجماعات. 

ثانيًا- البناء الروحي:

مع عظمة الهيكل التنظيمي لحركة الإخوان ودقة عقلية البنا السياسية وأخذه بوسائل العصر، إلا أن الميزة الكبرى لهذا التنظيم تكمن في (البناء الروحي) الضامن للبناء الخارجي، يقول -رحمه الله- في رسالته دعوتنا في طور جديد أيها الناس قبل أن نتحدث إليكم في هذه الدعوة عن الصلاة والصوم وعن القضاء والحكم وعن العادات والعبادات وعن النظم والمعاملات نتحدث إليكم عن القلب الحي، والروح الحية، والنفس الشاعرة، والوجدان اليقظ، والإيمان العميق، ولهذا أستطيع أن أقول إن أول ما نهتم له في دعوتنا، وأهم ما نعول عليه في نمائها وظهورها وانتشارها، هذه اليقظة الروحية المرتجلة، فنحن نريد أول ما نريد يقظة الروح، حياة القلوب، صحوة حقيقية في الوجدان والمشاعر، ولسنا مجرد أحزاب لها مبادئ فكرية ترى بها الحياة، إننا نملك ميزة لا يملكها غيرنا من العاملين في ميدان الفكر والسياسة، وهي البعد الديني للعمل السياسي لو كان العمل الحزبي الصرف غايتنا، لم يكن من مبرر لوجودنا، ما أكثر الأحزاب -من حيث العدد- وكان بالإمكان الانضمام إليها، ولكن وجود الحركة الإسلامية جاء لملء فراغ لا يمكن ملؤه بغيرها، وهو الاهتمام بالآخرة، وإصلاح الدنيا من خلالها، وتهذيب النفس وتزكية الروح بعد تنميتها، فالأسرة عند الإمام البنا أتت من هذا المنطلق؛ لأنها جسم وروح، أما الخلية -عند الأحزاب والاتجاهات الأخرى- فليس لها إلا الجسم وحده، والبناء الداخلي لهذه الجماعة -وفق الأستاذ قطب- «أدق وأحكم، وأكثر دلالة على عبقرية التنظيم والبناء، البناء الروحي هذا النظام الذي يربط أفراد الأسرة وأفراد الكتيبة وأفراد الشعبة» ومن هنا نحذر الحركات الإسلامية من الإغراق في العمل السياسي، وإنهاك الأعضاء في النشاطات السياسية التي تميت القلوب، وتسبب الشقاق لو انفردت بساحة العمل، إن الحضور في الميدان لا يكمن في المسابقات السياسية مع الأحزاب العلمانية، ومقارعة الباطل ومدافعته ليست مقتصرة على البعد السياسي للحياة والحركة الإسلامية عليها مهمة الإصلاح الشامل، إصلاح جميع مرافق الحياة، وأن تعيد للدين دوره البارز، وبالتالي فإن طغيان الجانب السياسي على الجوانب الأخرى يبعد الحركة عن مهمتها الرئيسة، ويحدث خللًا في بنيتها المتكاملة، ويكون ذلك على حساب بقية الجوانب، تضخم في ناحية وذبول في نواح أخرى.

 ثالثًا- التعريف والتكوين:

      إن الإمام معروف بخطابته وقدرته على التحدث وسرعة دخول كلماته إلى القلوب، إلا أنه لم يكتف بإجاشة المشاعر، وإلهاب العواطف، لم يكن يكتفي بإنجازات المنبر، بل كانت الخطابة وسيلة من بين وسائله الكثيرة التي كان يستخدمها في تبليغ دعوته وإيصال فكرته، الإمام حسن البنا -رضوان الله عليه- كان ينير العقول بشعاع العاطفة، ويلجم العاطفة بلجام العقل، وكان  (التكوين) عنده تاليًا لمرحلة (التعريف) لأنه كان يرمي إلى بناء مجتمع إسلامي متكامل يعيش عصره ولا ينفصل من ماضيه وثوابته، ثم إن القائد الناجح لا يتكون جيشه من عواطف ملتهبة تبرد بمجرد انخفاض صوت الخطيب، أو تنخدع بمناورة سياسية من الآخر المنافس أو المعادي، لقد علق الشهيد سيد قطب على قصة طالوت في القرآن الكريم بأن القائد يجب ألا ينخدع بعاطفة الجنود، بل لا بد من الاختبار والتمحيص في الطريق، ولن يثبت في النهاية إلا الذين نجوا في (التكوين) وبجدارة. 

رابعًا- تبسيط شرح العقيدة:

     في تاريخ الفكر الإسلامي هناك تجربة غير ناجحة في ميدان شرح العقيدة؛ إذ يتعامل اتجاه واسع من علمائنا مع العقيدة بمنطق الثقافة اليونانية، فيما يسمى بعلم الكلام، لقد صاغوا العقيدة في قوالب جامدة وألفاظ معقدة، أزهقوا روحها، وأبقوها جنة بلا حراك، ووضعوها في إطار فلسفي فقدت به غايتها وحيويتها، فلم تعد تثمر فعلًا، وكرد فعل على هذا الاتجاه تكونت مدرسة أخرى تضاد علم الكلام في النهج بصورة كلية، إلا أن الأثر الفعلي لنهجها في دراسة العقيدة لا يختلف كثيرًا عن علم الكلام، فالبرود النظري كامن فيه، وجاء الإمام البنا فراجع مجمل التراث الإسلامي ومختلف مدارسه الفكرية فلم يجد أثمر وأجمل من نهج القرآن في شرح العقيدة، إن القرآن يعطي العقيدة دورًا في واقع الحياة، والاكتفاء بالشرح النظري يفقدها هذا الدور، ويسلبها حيويتها وحرارتها، يقول سيد قطب إن مجرد الدراسة العلمية للعقيدة لا تكفي، وإذا قصر الداعية همه على هذه الدراسة فإنه سينتهي إلى تجفيف الينابيع الروحية التي تكسب هذه الدراسة نداوتها وحرارتها وخصوصيتها، وإن مجرد الدراسة لا يستغرق الطاقة فستبقى هنالك طاقة عضلية، وطاقة عملية، وطاقة فطرية أخرى، ولقد تجاوز الإمام ذلك وتجاوز جميع المدارس الفكرية، عاد إلى القرآن مباشرة، وربطه بالواقع المعيش، وكان بذلك مجددًا للمنهج القرآني في عرض العقيدة.

    وأخيرًا نسأل مع الشهيد سيد قطب: ترى أكانت مصادفة عابرة أن يكون لقبه البنا؟ أم أنها الإدارة العليا التي تنسق في كتابها المسطور بين أصغر المصادفات، وأكبر المقدورات في توافق واتساق؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

636

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية