العنوان البلقان.. المشروع الحضاري.. رؤية تركية للتعاون الإسلامي في البلقان
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 13-فبراير-2010
مشاهدات 195
نشر في العدد 1889
نشر في الصفحة 32
السبت 13-فبراير-2010
- جامعة سراييفو الدولية في البوسنة من الإنجازات التعليمية الكبرى التي أقامتها تركيا خارج حدودها.
- مؤسسات إغاثة تركية ساهمت في إعادة بناء المساجد والصروح التاريخية وتشييد المدارس الإسلامية.
- د. مهمت جان: لا توجد عراقيل اقتصادية أو ثقافية أو دينية أمام هذه المشاريع. والمهم هو أن يشعر أهل البوسنة بأن إخوانهم إلى جوارهم.
يولي ما يطلق عليهم في الأدبيات السياسية المعاصرة «العثمانيون الجدد» اهتماما بالغا بالتعليم، كأحد أهم ركائز النهضة المرجوة للأمة.. وقد أقاموا لهذا الغرض شبكة من المدارس والمعاهد والجامعات، ليس في منطقة البلقان» فحسب بل في منطقتي القوقاز وآسيا الوسطى أيضا.. وهم لا يعدون : ذلك خدمة لتركيا التاريخية بل إسهاما حضاريا يخدم الحضارة الإسلامية، وينفض عنها غبار السنين ويقدمها للعالم بعيدا عن الصورة المشوهة والانطباعات الذاتية التي حاول البعض رسمها للإسلام والمسلمين في مختلف أنحاء المعمورة.
وإن كان التعليم هو السمة البارزة للنشاط التركي في «الجمهورية الجديدة»، فإن ذلك لا يعني غياب الدور السياسي والاقتصادي المكمل، بل الأساس لأي نشاط على النطاق الدولي.. وليس في الأنشطة التركية المتسمة بالذكاء والحكمة ما يثير الأطراف الأخرى ويبدو أن هناك قبولا تحت المراقبة من قبل القوى الإقليمية والدولية، لكن الأتراك يؤكدون أنه ليس لديهم ما يخفونه، فهم يعملون في النور «كما يقولون»، وبالتنسيق مع السلطات المحلية، وفق اتفاقات موقعة بين الطرفين، وفي إطار القانون، وما تقتضيه العلاقات الدولية من تعاون بين مختلف الشعوب والثقافات.
الدور التعليمي
تعد «جامعة سراييفو الدولية» من الإنجازات التعليمية الكبرى التي أقامتها تركيا خارج حدودها .. وقصة هذا الصرح كما يقول رئيس قسم البحوث بالجامعة المفكر التركي «د. مهمت جان» لـ «المجتمع من بنات أفكار الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش-يرحمه الله-في أيامه الأخيرة «أكتوبر ۲۰۰۳م» وهو طريح الفراش حين زاره رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان عندما كان عمدة المدينة «إسطنبول» فطلب منه «بيجوفيتش» إقامة جامعة تركية في البوسنة، واستجاب «أردوغان» لطلبه، وتم إنشاء مؤسسة نصفها من البوسنيين ونصفها الآخر من الأتراك، وأطلق عليها «مؤسسة سراييفو لتطوير التعليم».
وعن أهداف المؤسسة قال «د. جان»: الهدف الرئيس تطوير التعليم من خلال الجامعة، وإقامة مدارس ومبيتات للطلبة».
ورغم الدور المتنامي للجامعة، فإن تكاليفها لا تزيد على 10 ملايين دولار أمريكي، ويقام حاليًا صرح كبير هو مبنى الجامعة الجديد في «إليجا» بكلفة قدرها ٥٠مليون دولار.
وتتكون الجامعة من ثلاث كليات حاليًا هي: كلية الهندسة والعلوم الطبيعية والاقتصاد والعلوم السياسية، والإدارة والعلوم الإنسانية. ويُدرس في الكليات الثلاث ١٤ تخصصًا، مثل العلاقات الدولية، والاقتصاد ودراسات عليا في الاقتصاد الإسلامي وغيرها من التخصصات.
وعن الجديد الذي أضافته الجامعة قال «د. جان»: «في العهد الشيوعي كان لديهم نظام تعليمي صارم وقوي، وكان الاتحاد السوفييتي السابق يترجم جميع البحوث العلمية ويرسلها لكل الدول الاشتراكية في ذلك الحين، وبعد انتهاء الحقبة السوفييتية وبسبب بعد الدول الاشتراكية عن اللغة الإنجليزية فقدت حلقات وصل كثيرة بينها وبين البحث العلمي».
وتابع: «بعد انهيار الاتحاد السوفييتي استمرت كليات الهندسة الميكانيكية والكهربائية في أداء وظائفهما بقدرات جيدة واستمر البحث العلمي في هذا المجال، لكن-في الكليات الأخرى، ولاسيما الاقتصاد حيث كانت تدرس النظرية الماركسية-كان الأمر صعبًا ، لذلك نستطيع القول: إن الجامعة قدمت وأحضرت معها وسائل وآليات البحث وكل ما هو جديد في مجالات البحث العلمي ومقبول دوليًا ومتوافق عليه أكاديميًا، والكتب التي تدرس هي نفس الكتب-تقريبًا-التي تدرس في الجامعات العالمية الشهيرة وفي أحدث نسخها».
وحول تمويل المؤسسات التعليمية التركية قال «د. مهمت جان»: «الحكومة التركية لا تمول هذه المشاريع، بل المجتمع الأهلي والمؤسسات الأهلية؛ حيث تتلقى منها المساعدات، وتجمع التبرعات.. ولأن المؤسسات التعليمية مشروع حضاري يتجاوز تركيا، فإن القائمين على هذه المشاريع يأملون في مشاركة حضارية من قبل من يهمهم الأمر، ولم يقف الأمر عند جمع التبرعات، بل إن الرسوم التي يدفعها الطلبة كافية للتشغيل».
وأضاف: «في المبنى الجديد للجامعة هناك مشاريع استثمارية، مثل فندق، ومركز تجاري ملحق بالمبنى الذي كلف بناؤه ٥٠ مليون دولار أمريكي وهناك حالات خاصة تتعلق بالطلبة الفقراء حيث تخصص منح لهذه الفئة، كما تخصص منح للمتفوقين. أما رواتب الأساتذة فلا تضاهي رواتب نظرائهم في دول أوروبا والولايات المتحدة وهذه طبيعة المشروع الحضاري الذي يعتمد بالدرجة الأولى على تضحيات رجاله».
المشروع الحضاري
يؤمن الأتراك بالمشروع الحضاري الإسلامي دون الصدام مع أحد، بل بالتعاون والحوار دون تنازل عن الثوابت والقيم. ويصف المفكر التركي «د. مهمت جان» ذلك بشجرة البلوط التي ترمي جذورها في الأرض وتستمر في الصعود ولا تعود أبدأ إلى أسفل».
وأوضح قائلًا: «في هذه الحقبة التي جاز لنا أن نسميها ما بعد الحداثة» هناك مصطلح «الحقول الثقافية»، وإذا رجعنا إلى كتاب «الجمهورية التركية الجديدة»-المؤلفه «جراهام فولر»-سنجد أنه بين الدور التركي بشكل مختصر. وإذا استعرنا بعض آليات «تشومسكي»، و«فوكاياما»، وغيرهما ممن يتوقعون سقوط الحضارة المادية بعد عصر الحداثة سنكون قد وصلنا إلى الجدار ونجحنا في تشكيل الواقع الجديد، وهو عودة الحضارات السابقة التي كانت حاضرة في حقب تاريخية متفاوتة».
وتابع «د. جان»: «بناء على ذلك، فإن الشعوب الإسلامية سيعاد ترتيبها بحيث تشكل حقل الحضارة الإسلامية، وسيكون مسلمو البلقان والأقليات المسلمة في العالم جزءا من هذا الحقل، كما سيكون الدور التركي جزءا مهما منه، وسيكون لكل بلد إسلامي دور لتسهيل تطور المسلمين في البلقان من ناحية الارتباط بالحضارة الإسلامية. فالأتراك والعرب وغيرهم من المسلمين يريدون المساعدة، ووجودهم هنا جزء من مشروع استعادة دورة الحضارة الإسلامية».
وأضاف: «من ملامح هذا الوجود، توقيع عدة اتفاقات مع دول المنطقة بخصوص حرية الحركة والدخول بدون تأشيرة، وإلغاء الضرائب الجمركية، واتفاقات التجارة الحرة والحضور الاقتصادي من خلال مشاريع اقتصادية ذات نفع عام. ومن المشاريع التي أقامها الأتراك في البوسنة - على سبيل المثال لا الحصر-مصانع الورق والزجاج والأثاث ومشاريع البنية التحتية كإصلاح السكك الحديدية، وغيرها. وهي مشاريع لها نظائر في دول البلقان الأخرى.
العمل الإغاثي
لا يغفل الأتراك العمل الإغاثي العيني فهناك مؤسسات إغاثة أهلية وحكومية ساهمت في إعادة بناء الصروح التاريخية في البلقان مثل «جسر موستار»، وكذلك المساجد مثل مسجد سنان باشا الذي دمر في الحرب العالمية الثانية، وبناء المدارس الإسلامية في الجبل الأسود وكوسوفا. وهناك مشروع كلية الدراسات الإسلامية في ألبانيا، وجامعة في شا في كوسوفا مقدونيا.
ويدعو الأتراك المسلمين في العالم للتعاون معهم وإقامة شراكة على مختلف المستويات من أجل صالح المسلمين في البلقان وفي كل مكان.
وعن هذه المشاريع يقول المفكر التركي «د. مهمت جان»: لا توجد مشاريع كافية تتطلبها المرحلة، لكن ما يهم هو أن الناس هنا لا يشعرون بالوحدة مثل السابق بل عندما يجدون إخوانهم إلى جانبهم يشعرون بالقوة والأمان، وتصبح معنوياتهم أفضل».
ويضيف: «لا توجد عراقيل على المستويات الاقتصادية، أما على الصعيد الثقافي فإن هناك قانونًا يحيل الأمر للمؤسسات الدينية المحلية، وهي التي تتعاطى مع مثل هذه المشاريع، ولا توجد مشكلة في هذا الخصوص، فالجهة الدينية الرسمية هي التي تعطي التراخيص لإقامة مثل هذه المشاريع».
وعن الرؤية التركية للتعاون الإسلامي يقول: «إنها تتمثل في تطوير وتحقيق شمولية الدين، ولذلك لابد من السماح لوجهات النظر المختلفة بخوض نقاش وإجراء بحوث لأن كل ذلك إثراء للتراث الإسلامي، والنقاش سينعكس بطريقة مناسبة على الواقع الموضوعي، بعيدًا عن الصدام الحزبي أو الطائفي».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل