; البعد الديني في القضايا الإسلامية الدولية (2-2).. الطابع الديني في العدوان على العرب والمسلمين | مجلة المجتمع

العنوان البعد الديني في القضايا الإسلامية الدولية (2-2).. الطابع الديني في العدوان على العرب والمسلمين

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 16-مايو-2009

مشاهدات 76

نشر في العدد 1852

نشر في الصفحة 24

السبت 16-مايو-2009

  • الأطراف الأخرى تعتدي باسم الدين على المسلمين ومقدساتهم ولا يؤاخذهم أحد.. وإذا رد المسلمون اتهموهم بالإرهاب.
  • المتطرفون اليهود يستندون إلى تفسيرات دينية في إلحاق الأذى بالعرب والمسلمين والحط من شأنهم.
  • حاخامات الكيان الصهيوني سياسيون بلباس ديني.. واخترعوا دينًا لا علاقة له بالأديان السماوية.
  • الجماعات الإسلامية ترى أن الصراع مع الصهاينة استمرار لعداء يهود المدينة للرسول وأن الجهاد فيه فرض عين.

نقلت أجهزة الإعلام العالمية - خلال العدوان الصهيوني على لبنان عام ٢٠٠٦ م - مشاهد من الحدود «الإسرائيلية - اللبنانية» تظهر الجنود الصهاينة وهم يستعدون للعمليات العدوانية ويهزون رؤوسهم وهم يقرؤون كتابهم المقدس، وهذا المشهد له دلالات ثلاث..
أولها: أنها حرب عقيدة بين اليهود والمسلمين، وهي رد على الطابع الإسلامي للمقاومة في لبنان...
وثانيها: أن الجنود اليهود يقومون بعمل مشروع - من وجهة نظرهم - وهو أعمال الإبادة ضد غير اليهود، وفي أرض الغير!
والدلالة الثالثة: أن معنويات الجنود اليهود هابطة، وأن شعبة التوجيه المعنوي في «الجيش الإسرائيلي» لم تكتف بأن يقرأ لهم الحاخامات، وإنما وجدوا أن يقرأ الجنود بأنفسهم، استعدادًا لارتكاب الفظائع التي تقربهم من إلههم، وكأن لهم إلهًا آخر - كما يقولون - يستعديهم على غيرهم، وهذا يتفق تمامًا مع ما جاء في «بروتوكولات حكماء صهيون» المختلف عليها.
أما في الجانب العربي، فلم يظهر جنود «حزب الله» وهم يحملون القرآن الكريم، ويكفيهم أنهم تعلموا أن صد العدوان هو الجهاد، وأعلى درجات العبادة.. ولو ظهر مقاتلو «حزب الله» حاملين المصاحف لاتخذت « إسرائيل » ذلك دليلًا دامغًا على طابعهم الإرهابي، لأن مجرد حمل المصحف يرشح حامله لهذه التهمة المقبولة والجاهزة من جانب الغرب، ويرجع ذلك إلى أمور كثيرة، في مقدمتها التفاوت في نظر الغرب والمسلمين إلى الكتب المقدسة وفق التجربة التاريخية لكل منهما فضلًا عن العداء التاريخي للإسلام في الغرب لاعتبارات لا مجال لتفصيلها.

صورة ذهنية
أما خلال العدوان الأخير على قطاع غزة ديسمبر( ۲۰۰۸ يناير ۲۰۰۹ م)، فقد صرح كبير الحاخامات في الكيان الصهيوني بأنه أوصى الجنود الذين قاموا بعملية «الرصاص المسكوب» ضد سكان غزة بأن يستخدموا كل الوسائل لإبادة السكان تنفيذًا لتعاليم دينهم، مما يطرح سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كان رجال الدين اليهود هم سیاسیون بلباس ديني، أم أنهم اخترعوا دينًا لا علاقة له بالأديان السماوية، خاصة في ضوء تاريخهم في تشويه الأديان، والافتئات على الله سبحانه وتعالى؟ وقد تحفّظ المجاهدون في غزة بالنسبة لهويتهم الدينية، ليس خجلًا من أن نصرهم كان سببه إخلاصهم في العقيدة والدفاع في سبيل الله، ولكن حتى يحافظوا على وحدة الصف الفلسطيني الذي يشترك فيه عدد كبير من الفصائل الفلسطينية التي اختارت المقاومة، رغم أن المقاومة الإسلامية تشكل الجزء الأكبر من قوات المقاومة.
ربما أدرك المقاومون الإسلاميون مدى الحساسية التي أشاعتها بعض الحكومات العربية خاصة مصر، وتكرار مصطلحات مستفزة منذ سيطرة حركة حماس على السلطة في غزة مثل «الإمارة الإسلامية» والادعاء بأن تنظيم القاعدة وصل إلى غزة، مما يؤدي إلى مشروعية التدخل الأمريكي ويبرر الهجوم الصهيوني، فضلًا عن أن مصطلح الإمارة الإسلامية يستدعي إلى الذهن تجربة حركة «طالبان» التي تم
تشويه صورتها تمامًا في الذهن العربي والإسلامي، ومن شأن تثبيت هذه الصورة عند المقاومين الفلسطينيين إحداث الخلط والبلبلة بين عقيدتهم الدينية وعقيدتهم الوطنية المقاومة.
ورغم الارتباط بين الاثنين، والتماثل بينهما في النتيجة إلا أن الصورة الذهنية التي خلفتها هذه الحكومات المناهضة للمقاومة قد أشاعت حساسية لا لزوم لها، في وقت استهدف الصهاينة غزة بكل أنواع الأسلحة، وقاموا بتحييد الحكومات العربية تحييدًا تامًا إزاء غزة.

صراع مستمر
أما على الجانب العربي والإسلامي، فإن هناك قناعة تامة بأن المشروع الصهيوني مشروع سياسي، وأنه يتخفى بالزي الديني حتى يدغدغ مشاعر المؤمنين.. ولولا أن الله سبحانه وتعالى واحد، وأنه لا يمكن أن يميز بين خلقه وأن التمايز أمام الله سيكون في الآخرة وحسب سجل الأعمال، لظن المسلمون خيرًا فيما يسوقه الصهاينة وحاخاماتهم.
وقد رأينا - في مرات عدة - كيف أن الدراسات الصهيونية تقتحم المقدسات الإسلامية ورموزها ويتعرضون للقرآن الكريم، كما يشنون حملات إساءة - لا تزال مستمرة - على النبي محمد ﷺ. 
وكذلك أساؤوا إلى المسيح عيسى عليه السلام فى فيلم عرضه التلفزيون «الإسرائيلي» في أوائل شهر مارس الماضي يتضمن اعتداء صارخًا على سيرته، ولم تنفع توسلات بابا الفاتيكان للسلطات الصهيونية لمنع عرضه.. والموقف العربي والإسلامي من هذه القضية تمليه أحكام القرآن الكريم التي تلزم المسلم بأن يؤمن بكل الرسل والأنبياء وكتبهم.
والمعلوم أن الجماعات الإسلامية في العالم الإسلامي - وهي أكثر التصاقًا بتفسيرات معينة في الإسلام - تنظر إلى الصراع مع الصهاينة من منظور ديني بحت على أنه صراع تاريخي، وأن الجهاد فيه «فرض عين»، وأنه استمرار لعداء اليهود في المدينة المنورة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن الكريم قد أشار إلى أن اليهود لن ترضى عن الرسول ولو اتبع ملتهم، وأنهم لا يقبلون الإسلام، بينما يؤمن المسلمون باليهودية.. فكأنهم يفرقون بين اليهودية وبين اليهود، ويستدلون بهذا لتأكيد أن العداء بين النبي واليهود يمتد إلى أن تقوم الساعة بين السلالات اليهودية وبين أتباع محمد ﷺ وأن الاستمرار في محاربة اليهود وعدائهم هو إحياء لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

تفسيرات دينية
ورغم أن موقف المتطرفين اليهود يماثل موقف الجماعات الإسلامية، وأن الطرفين يحتكمان إلى الكتب المقدسة، إلا أنه من الصعب إقناعهما بالطابع السياسي للصراع مع الكيان الصهيوني.. فالجماعات الإسلامية تعتبر المنهج السياسي طرحًا علمانيًا يهدف إلى تمييع الحقيقة المتمثلة في الطابع الديني، وترى أن الجهاد قديمًا كان ضد الكفار، وهو اليوم ضد الذين أذوا محمدًا.. وقد امتدت تفسيرات هذه الجماعات إلى كل من شارك في هذا الإيذاء من أتباع الأديان المختلفة بشكل موسع، وأدى إلى كثير من النتائج التي يختلف التفصيل في سياقها عن هذا السياق.
وقد اتخذ المفكرون العرب والمسلمون موقفًا مناهضًا لهذا الموقف الديني، خاصة الطرف الإسلامي، ونظرًا لعدم التكافؤ بين « إسرائيل » والمحيط الذي تعيش فيه، فإن المتطرفين اليهود -وحتى غير المتطرفين - يستندون إلى تفسيرات دينية في إلحاق الأذى بالعرب والمسلمين، بل وإطلاق أوصاف للحط من شأنهم.

البوسنة وكوسوفا
القاعدة هي أن الأطراف الأخرى تعتدي باسم الدين على المسلمين ولا يؤاخذهم أحد، وإذا رد المسلمون اتهموا بالإرهاب، هذه هي القاعدة العامة ويتحمل مسؤوليتها المسؤولون والحكومات العربية والإسلامية التي تتساهل في مثل هذه الاتجاهات، فلا تجد الشعوب أحدًا يرد عنها الاعتداء على دينها ومقدساتها، فيكون رد فعلها عنيفًا ويفتقر إلى التنسيق كما حدث في أزمة الرسوم المسيئة للرسول.
أما في كوسوفا - ومعظمها من المسلمين، وعدد كبير منهم درسوا بالأزهر الشريف والمعاهد الدينية العربية - فإن الاستهداف القومي والديني من جانب الصرب كان بشعًا، وارتكبت مجازر تتم عن الحقد على المسلمين، فاجتمعت عقدة الدين والقومية مع قوة الصرب ونفاق المجتمع الدولي في تعقيد مأساة المسلمين في كوسوفا.. وعندما تدخلت الولايات المتحدة وحلف الأطلسي في التصدي للصرب، فإن الولايات المتحدة روجت لنظرية غير صحيحة مؤداها أنها تدافع عن المسلمين والمستضعفين وهذه النظرية لا تنسجم مع السلوك الأمريكي المتوحش ضد المسلمين في مناطق أخرى.
وقد حاولت الولايات المتحدة استخدام هذه النظرية بعد تسوية البوسنة لإقناع حكومات العالم الإسلامي بأهمية الصداقة الإسلامية الأمريكية لولا أن أحداث 11 سبتمبر عصفت بهذه النظرية، بل إن واشنطن بعد تولي «باراك أوباما» تحاول استحضار كل هذه الصفحات حتى تؤسس لسجل متكامل من الدفاع الأمريكي عن القضايا الإسلامية.
أما في البوسنة، فقد كشفت تحقيقات المحكمة الجنائية الخاصة بجرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة عن شهادات مؤلمة أدلى بها الجنود الصرب، وبرروا فيها اغتصابهم للنساء المسلمات بأن قصدهم كان نبيلًا، وهو تنظيف أرحامهن من السلالة الإسلامية «القذرة»، وإدخال سلالة «نظيفة» لتحسين نسلهن، وهذه الصورة هي أبشع صورة لأثر الدين على الصراع السياسي.

الرابط المختصر :