العنوان البعد التربوي للحج
الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-2000
مشاهدات 77
نشر في العدد 1392
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 14-مارس-2000
• يجتمع المؤمنون على صعيد واحد، فتتجسد فيهم وحدة الامتثال لأمر الله.
الصلاة، والزكاة، والصيام مراتع خصبة شرعها الله -عز وجل- ليتزود منها المسلم بالمثل الأخلاقية التي يمليها صلاح دينه ودنياه، ففي هيئة الصلاة أقوالها، وأفعالها، قيامها وركوعها، وسجودها، وأوقاتها، ومساجدها، واتجاهها - اتحاد المؤمنين، وفي الصيام وحدة شهره، ومراقبة الصائم لجميع جوارحه، وتزكيتها، وتطهيرها، وفي الزكاة قضاء على الأنانية المادية، وتدريب على البذل والعطاء، لتقوى أصرة الأخوة الإسلامية بين المسلمين، وإذا كان في هذه الأركان الثلاثة ما به يتطهر الفكر البشري من الانعزالية، والأنانية، وما به يتشبع بروح التواصي والتعاطف، ففي الحج أيضًا من هذه المعاني ما يزيد هذه الوحدة والمساواة بين المؤمنين قوة، ورسوخًا.
يقول الأستاذ الحاج أحمد الحبابي في كتابه «مرونة الإسلام»: «في مكة، وحول الكعبة في الطواف، وفي السعي بين الصفا والمروة، وفي عرفة، وفي المزدلفة، وفي المشعر الحرام، وفي منى، وفي رمي الجمرات- يجتمع المؤمنون على صعيد واحد وفي نظام ولباس واحد، وتلبية موحدة».
وفي شعور المؤمنين بأن مكة بلد الله الحرام هي للمسلمين جميعهم على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، كل هذا وغيره يحقق للمؤمنين في موسم الحج وحدة المظهر، وعن ذلك تنشأ الوحدة الروحية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية، وفي لباس الإحرام المتحد الخالي عن التجمل والتباهي، وفي التشعث، ولتغبر يقضي المؤمن على أنانيته والتفاخر، والتعالي، وفي ذلك تذكير بموقف الناس بين يدي الله --عز وجل حفاة عراة من كل شيء يوم العرض والحساب، يقول -سبحانه-: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (سورة الحاقة: 18). إن المقصود الأعظم من أداء فريضة الحج هو امتثال أمر الله تعالى، كما امتثله خليل الله أبو الأنبياء إبراهيم -عليه السلام- حيث أمره -تعالى- بإقامة هذا الموسم العظيم، وبأن يؤذن في الناس بالحج، يقول -عز وجل-: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ﴾ (سورة الحج: ٢٨).
ومن المعلوم أن مشروعية الحج قديمة في هذه الأمة الإسلامية، قدم الصلاة والزكاة والصيام منذ رسالات الأنبياء -عليهم السلام- يقول -سبحانه-: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (سورة الحج: ٣٤).
إن أهم ما ينبغي أن يتذكره المؤمن -وهو يؤدي فريضة الحج- تلك العقيدة الصافية النقية من كل الشوائب عقيدة التوحيد التي أمر الله -عز وجل- بها خليله إبراهيم -عليه السلام- بعدما بوأه مكان البيت، وأرشده إلى قواعد الحج ومناسكه، يقول -تعالى-: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ (سورة الحج: ٢٦). وفي الأماكن المقدسة، والبقاع المباركة يتذكر المؤمن إبراهيم الخليل -عليه السلام- وهو يدعو ربه في ضراعة وخشوع: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة البقرة: 128).
ويتذكر أمر الله -تعالى- خليله إبراهيم -عليه السلام- برفع قواعد البيت الحرام وامتثاله أمر ربه، يقول -سبحانه-: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (سورة البقرة: 127)، وفي تلك المواطن الطاهرة يتذكر المؤمن ذلك الابتلاء العظيم حيث أمر الله -تعالى- خليله إبراهيم -عليه السلام- بذبح ولده إسماعي: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ (سورة الصافات: ١٠٢).
فيستسلم إسماعيل لأمر الله وقضائه ويقول: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة الصافات: 102) ثم تكون عاقبة صبرهما، وامتثالهما أن فداه الله تعالى بذبح عظيم، وأن شرف خليله بندائه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة الصافات: 104-105). ويتذكر المؤمن وثوق إبراهيم -عليه السلام- بريه وضراعته، حينما أنزل ولده وزوجته قرب الكعبة على غير زاد: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ (سورة إبراهيم: ۳۷).
ويتذكر هاجر وابنها عندما نفد الزاد القليل والطعام والماء، إذ قامت تسعى بين الصفا والمروة لعلها تجد ما تسد به رمقها وولدها، حتى استكملت سبعة أشواط، كما يتذكر الحاج في تلك المواطن الطاهرة نزول القرآن على خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وما عاناه من كيد وأذى ومؤامرات في سبيل نشر الإسلام، ومحو آثار الشرك.
باختصار: شعائر الحج ومواطنه كلها عبر وحكم، وذكريات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل