; البعث الإسلامي الحاضر: لماذا يستحوذ على الفكر السياسي في الغرب؟ | مجلة المجتمع

العنوان البعث الإسلامي الحاضر: لماذا يستحوذ على الفكر السياسي في الغرب؟

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1979

مشاهدات 77

نشر في العدد 427

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 09-يناير-1979

«إن البعث الإسلامي يقلق العالم» هذه عبارة أطلقتها يوم 25/11/1978 الصحيفة الصهيونية الهيرالد تربيون، ثم لاكتها الأقلام الحاقدة في أشهر صحف العالم الغربي، رافعة عقيرتها بالدس على الفكر الإسلامي تارة أخرى.

نعم، إن الصحوة الإسلامية الواعية تتنامى يومًا بعد يوم، ولعل البعث الإسلامي المشرق كاد ينتظم العالم المسلم من إندونيسيا وباكستان في الشرق، إلى مصر في قلب أفريقيا..  وتركيا العائدة إلى الله وسط ظلمة الحضارة المادية الحديثة.. هذا البعث الإسلامي المتوازن، المتكامل، المستعلي بالله، المصر على رفع راية القرآن الكريم، المتمسك بحقوقه، الملتزم بحقوق أمته وشعبه.. هذا البعث يشكل خطورة عظيمة في التفكير العربي، ويثير الفكر السياسي الصليبي – اليهودي - الإلحادي الذي ينظر إلى الأمور بمنظور الاستراتيجية النفعية، ولعل الخوف الذي يكتنف الغرب من هذا البعث يرجع إلى معرفة دهاقنة الصليبية واليهودية بالنتائج التي قد تترتب إذا استمر بريقه في أقطار العالم المسلم، ومن أجل هذا بدأ الإعلام الغربي واليهودي ببث الأخبار والتعليقات المتلاحقة التي تسمم الرأي العام العالمي، وتثير الأحقاد في طوائفه المختلفة على الإسلام، وقد اتخذت هذه الحملة صورًا وأشكالًا مختلفة منها:

  • التشكيك بقدرة الشريعة الإسلامية على إيجاد حياة عصرية حديثة تستمد أصولها من التاريخ الإسلامي والرؤية الدينية التي تنعتها أجهزة الإعلام الغربية بصفات التخلف والجمود، وقد بدأت الحملة في هذا الاتجاه بتعليق مطول كتبه الصحفي الصليبي الحاقد «جوزف كرافت» في صحيفة الهيرالد تربيون، حمل فيه على الأمة الإسلامية بحقده الصليبي المعروف، متحدثًا عن التعصب الإسلامي وما تحمله أيديولوجية التفكير الإسلامي من تناقض بين العصرية والتراث في بناء المجتمع المسلم، وقد انضمت صحيفة نيويورك تايمز في الحملة على الإسلام من خلال التشكيك بقدراته، وكررت مزاعم كرافت بغية شحن الرأي العام العالمي بالحقد على تطلعات المسلمين إلى وثبة حديثة، وبحث الوجدان في المجتمعات الإسلامية عمن يحقق حاكمية هذا الدين في الأقطار الإسلامية.
  • إثارة المجتمعات الرأسمالية والشيوعية على الإسلام، ومحاولة رسم صورة مرعبة للنتائج التي يمكن أن تحققها دعوة المسلمين إلى الجهاد، ولعل هذا الاتجاه في حملة التفكير السياسي في الغرب على الإسلام يرمي إلى تنبيه العالم من خطر الجماعات الإسلامية الحركية على المصالح الغربية، الاستعمارية في العالم، وقد بدأت هذه الحملة بالفعل، فقد افتتحت مجلة «جويش كرونيكل» البريطانية اليهودية هذا الاتجاه بتحذير قدمته إلى العالم الغربي والاتحاد السوفياتي من الذيول الخفية الضخمة التي يمكن أن تنتج عن دعوة الحركة الإسلامية إلى الجهاد، وفي مقال افتتاحي بعنوان «الجهاد في سبيل الإسلام» أعربت المجلة عن اعتقادها بأن خبراء الاستراتيجية الغربيين، سوف يثبتون قصر نظرهم السياسي، إذا ما تجاهلوا النداءات المتزايدة التي توجهها الأكاديميات والجامعات القوية في العالم الإسلامي، من أجل إعادة النظر في المنافع المزعومة للتمدن، والعودة إلى التعاليم الأساسية للإسلام، وزيادة في حث دول العالم على خنق البعث الإسلامي مضت المجلة تقول: «لا العالم الغربي، ولا الاتحاد السوفياتي يستطيعان أن يشهدا هادئي البال هذه اليقظة وهذه النهضة لعالم إسلامي لو أنه أسيء توجيهه فإنه لا يستطيع أن يزعزع استقرار جزء كبير من العالم».

- لقد شعر الغرب الاستعماري بفشل سياسته الماضية في استمرار تطويع الشعوب المسلمة وإخضاعها لرغباته، وعندما أراد إبعاد الإسلام ابتدع القومية من قبيل التعويض وإزالة الإحساس بالقهر الذي أدى إليه إبعاد العقيدة الإسلامية والحجر على دوافعها في النفوس بدعوى التطلع القومي، ثم دعم هذا الاتجاه بمكملات الثقافة والفكر العلماني الذي أدخل المادية والليبرالية والماركسية إلى الأقطار المسلمة، إلا أن كافة هذه الأيديولوجيات أفلست لتعود الحركة الدينية إلى الانتعاش، وليعود الإحساس الديني فيقود الأمة إلى بعث إسلامي جديد.

ومن هنا يحق للغرب الصليبي والاتحادي أن يقلق مما يصفه الآن في صحفه وأبواقه بالانبعاث الديني في العالم الثالث، فالحركة الدينية في مصر وتركيا مثلا، ذات تجارب حية مع الاستعمار بأشكاله المختلفة وهي تجارب مخيفة حقا، وذلك لأسباب كثيرة جدًا، منها:

  • أن التجربة الإسلامية التي يقودها الإخوان المسلمون في مصر وحزب السلامة في تركيا علمت الغرب بأنها تملك ما يسميه المستعمر بـعصا الفوضى الشعبية التي يمكن أن تشل حركة الحكومات العميلة، الأمر الذي يخل بموازين الأوضاع السياسية بحيث يكون لذلك تأثير على المستقبل السياسي للدولة. 
  •  أن استمرارية البعث الإسلامي يمكن أن يؤدي إلى قيام حكومة إسلامية في أحد أقطار المجتمع المسلم، وهذا أمر سيعكر على الغرب تنفيذ ما يخططه فضلا عن أنه يخل بالتكتيك الاستعماري في المنطقة بأجمعها.
  • يعتقد الصليبيون واليهود أن البعث الإسلامي سيؤدي في يوم ما إلى نشوء حلف إسلامي مستقل عن التكتلات العالمية الأخرى، الأمر الذي يشكل تهديدًا خطيرًا لوجود دولة إسرائيل في المنطقة، خصوصًا وأن الإسلام بدأ يبعث من جديد في جميع دول الشرق الأوسط بشكل أيديولوجية دولية تخوض معركة إثبات الذات في مواجهة الأيديولوجيات الأخرى، ومنذ فترة ألمحت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية بأن الإسلام الذي دفع تركيا في السنوات الماضية إلى الاعتماد على الذات وإنتاج الأسلحة سوف يؤدي إلى تعاون وثيق بين هذه الدولة ودول المنطقة، وهذا أمر لا يمكن فصله عن مستقبل المنطقة إذا استمر التحرك الإسلامي باتجاه إيجاد دولة الحكم بالإسلام.

إن كل هذه الاحتمالات تستحوذ على تفكير الساسة الغربيين في هذه الفترة، ولعل محاولات الغرب اللعب داخل المنظمات والأحزاب اللا دينية عن طريق المخابرات إنما هي جزء من مخطط يهدف إلى خنق هذا البعث الإسلامي المشرق الذي لم تستطع أبواق الاستعمار وأحلافه من إظهار حقدها عليه وتخوفها منه، لكن ماذا يعد الغرب لمواجهة هذا المد الإسلامي السريع؟ ولعل المراقب للاستراتيجية الغربية في دول المنطقة الإسلامية يستطيع ملاحظة التكتيك الغربي كما يلي:

  • إغراق المنطقة بسيل من الاضطرابات، وصب الزيت في المناطق المحترقة لئلا تخمد فيها النار، وهذا يمكن أن يلاحظه المرء في كل من لبنان والقرن الأفريقي وإيران والأحداث الأخيرة في تركيا، ولعل الغرب يهيئ المزيد من هذه الاشتغالات التي قد يمتد شريطها من القاهرة إلى أقاليم المغرب العربي. 
  • محاولة العودة بالعسكر إلى منصة الحكم، وقد أثبتت تجربة العسكر نجاحها في خنق الاتجاه الإسلامي وضرب قادته، ولعل ما قالته صحيفة النيويورك تايمز منذ ربع قرن عن دور النظام العسكري في ضرب الحركة الإسلامية في مصر لن ينساه قادة الغرب الذين أتقنوا هذه التجربة بواسطة عملائهم الثوريين، لقد قالت تلك الصحيفة يومها: «حطم النظام العسكري المصري جماعة الإخوان المسلمين اليوم، وكان الإخوان وهم الجماعة الدينية المتعصبة ذات السجل الحافل بالنشاطات الإرهابية آخر منظمة علنية باقية تقدر على تحدي الحكومة» ولعل الغرب يفكر الآن بضرب الحركة الإسلامية في تركيا بإبراز العسكر على السطح ثانية.
  • إبراز الأقليات الطائفية ومحاولة تغليبها على الأكثرية في البلدان الإسلامية، الأمر الذي يؤدي إلى صراعات داخلية بين أبناء الأمة يشل الحركة المطردة للبعث الإسلامي، وقد يكون التجربة بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية منذ ما يقارب الـ 500 عام ما يشجع المغرب على آثاره التكتلات الطائفية في المنطقة الإسلامية.
  • تشجيع الهجوم على أصول الشريعة الإسلامية كالحديث النبوي مثلًا، وقد بدأت هذه الحملة في الظهور منذ فترة، الأمر الذي يشير إلى أن الغرب يحث الخطأ في تشجيع عملائه على تنفيذ المخطط الذي يراد لهذه الأمة أن تغرق في أوحاله. 
  • التخطيط للتخلص من الزعامات الإسلامية في الأقطار التي تنشط فيها الدعوة الإسلامية، وهذه تجربة مارستها الحكومة المصرية بالتعاون مع الاستعمار الإنكليزي يوم اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا - رحمه الله. 
  • الضرب على الحركة الإسلامية بحيث يعيد الغرب تجربة عبد الناصر في ضرب الحركة الإسلامية في مصر وتجربة مجيب الرحمن في بنغلادش ومن ثم تكرار تجارب جميع الحكومات الثورية في ضرب الحركة الإسلامية.

إن القوى الكبرى في هذا العالم لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه البعث الإسلامي الجديد، وإن الصليبية واليهودية العالمية لم تنس بعد الدروس البليغة التي لقنها إياها البعث الإسلامي الأول الذي انطلق من الجزيرة العربية على ید محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحابته وتابعيه من بعده.

وماذا علينا نحن بعد هذا؟؟ ليقف العالم المسلم مكتوف الأيدي؟ لا، فالمسلمون بحاجة إلى إعداد واستعداد ومواجهة، وهذا لا يمكن أن يتم إلا إذا توافرت عوامل كثيرة لعل أهمها العودة إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله في جميع مناحي الحياة، الأمر الذي يكفل بناء الشخصية المسلمة المستعدة للمجابهة الفعالة، ولعل حكام هذه الأمة يعرفون تماما أن الصمود والثبات والنصر لن يكون إلا بالإسلام.
تنويه واعتذار.. 
نود أن نلفت انتباه الإخوة القراءأن الحوار الذي نشر في العدد السابق رقم 436 نسب خطأ إلى أمين عام حزب السلامة ونأسف لذلك أشد الأسف.

- التحرير-

الرابط المختصر :