العنوان البطل صلاح الدين الأيوبي.. وموازين النصر والهزيمة
الكاتب محمد عبدالله الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
مشاهدات 92
نشر في العدد 1416
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
القائد والبطل صلاح الدين الأيوبي واحد من عظماء القادة في الإسلام، وواحد من قادة الجهاد في سبيل الله، وهو الذي استطاع بحسن سياسته، أن يجمع الناس على الإسلام الحق، ويدفعهم تحت لواء التوحيد والوحدة؛ ليحرروا بلادهم من أعداء الإنسانية، وسيرته وحياته تحتاج دائمًا إلى التذكير بها، بل والتربية الواعية عليها، فهو من الأعلام الذين يقتدى بهم على مر العصور، ويجب على قادة المسلمين اليوم وفي هذه المرحلة أن يقتدوا بصلاح الدين، فطريقته هي الطريق الوحيد لقيادة هذه الأمة في هذه المرحلة، كما يجب عليهم أن يتبنوا قضية القدس وقضية فلسطين، ويجب أن يكون هذا التبني صادقًا وصحيحًا، ومحققًا لآمال الأمة، ومتجاوبًا مع عقائدها، وتاريخها العظيم، كما أن أحوال المسلمين في معظم بلاد العالم في أشد الحاجة إلى من يتبناها ويدافع عنها.
إن المقصود من الحديث عن القائد صلاح الدين في هذه الفترة الحرجة هو توجيه للأنظار إلى الطريق الوحيد لتحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى خاتم الأنبياء والمرسلين الله، إن أعراض الأمة الإسلامية كلها، ومقدساتها كلها في أشد المحن وأقساها، ولا بد من وقفة صادقة لرد كيد يهود، وإطفاء نيرانهم التي أوقدوها.
يقول مرافق صلاح الدين: لقد كان عنده من القدس أمر عظيم، لا تحتمله الجبال، وكان كالوالدة الثكلى يحث الناس على الجهاد، ويطوف بين الصفوف بنفسه، وينادي بأعلى صوته «يا للإسلام؟» وعيناه تذرفان بالدموع، وكان يظل أيامًا بغير طعام، ويكتفي بشرب الدواء الذي وصفه الطبيب.
ثم يقول: «وكان حديث الجهاد يشغله دائمًا، ويستولي على قلبه، ولم يكن له اهتمام، إلا بجنوده ورجاله، ولا يميل إلا لمن يذكره بالجهاد ويحث عليه».
وفي سبيل تحرير بيت المقدس، ورد الصليبيين، وإعلاء كلمة الله هجر أهله وولده، وظل بعيداً عنهم فترات طويلة من عمر الجهاد حتى خلص الأرض المقدسة من براثن البغاة والطغاة، وطهرها من الغزاة البرابرة المتوحشين، ومما ساعده على الوصول إلى غايته إقامة الوحدة السياسية بين المسلمين، والمحافظة عليهم من الانقسام والخلاف، وجمع المسلمين تحت راية الإسلام، فكانت وحدة الشام ومصر نقطة البداية لإنهاء الغزو الصليبي، وكانت هذه الوحدة مدعومة بثقل العالم الإسلامي كله، وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذا العمل، فإن فلسطين تحتاج إلى وحدة الصف والهدف بين الشام ومصر تحت راية الإسلام وأسس الإسلام.
كما اهتم القائد صلاح الدين بالإعداد الحربي لمواجهة الأعداء، وحرص على إيجاد أسباب القوة تنفيذًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠).
ولقد أنشأ ديوانًا للجيش، وأنشأ ترسانة لصناعة الأسلحة، وعمل على بناء السفن، وأوجد جميع أدوات القتال، كما اهتم بالأسطول وكان قائده يسمى «أمير البحر».
وما أحوج المسلمين اليوم أن يدركوا حقيقة الأخذ بأسباب القوة، وأن يوقنوا بأن الإعداد للمعركة، والوصول إلى النصر لا يكون بمجرد الدعاء فحسب، بل يكون بالإعداد الصحيح المعركة، إعداد القوة المادية، ثم مواجهة العدو، وفي الميدان يكون الابتهال والدعاء واللجوء إلى الله في إنجاز النصر.
الاهتمام بالجانب الروحي:
يقول القاضي «بهاء الدين» - وهو الذي كان يرافقه -: «وكان ناصرًا للتوحيد، وقامعًا لأهل البدع، لا يؤخر صلاة ساعة، وكان له إمام مواظب على التنقل معه في غدواته وروحاته، يصلي به الصلوات الخمس في أوقاتها، فإذا غاب هذا الإمام صلى به من في حضرته من أهل العلم المتجنبين للإثم، وكان يواظب على صلاة السنة، وكان له ركعات يصليها إذا استيقظ من الليلن وإلا صلاها قبل صلاة الصبح».
ويقول مرافقه القاضي بهاء الدين: « وكان - رحمه الله - خاشع القلب غزير الدمعة، إذا سمع القرآن خشع قلبه، ودمعت عينه، وكان - رحمه الله - كثير التعظيم لشعائر الدين، وكان يبغض الفلاسفة والمعطلة، ومن يعاند الشريعة، وإذا سمع عن معاند ملحد في مملكته كان يأمر بقتله».
ومن أسرار انتصارات صلاح الدین حسن متابعته لسيرة النبي ﷺ والالتزام بها، فإن تقوى الله والخشية منه، والأخذ بالأسباب، واجتناب المحارم، وتنفيذ الأوامر، هو أول مقدمات النصر، قال الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:٤٠،٤١).
لقد كان - رحمه الله - يوصي أولاده والولاة بتقوى الله، وحفظ الحقوق واجتناب الظلم، قال لابنه الطاهر ذات يوم: «أوصيك بتقوى الله، فهي رأس كل خير، وآمرك بما أمرك الله به، فإنه سبب نجاتك، واحذر من الدماء والدخول فيها، والتقلد بها، فإن الدم لا ينام، وأوصيك بحفظ قلوب الرعية، والنظر في أحوالها، فأنت أميني وأمين الله عليهم».
ويقول القاضي ابن شداد: «وكان إذا سمع أن العدو قد داهم المسلمين خر إلى الأرض ساجدًا لله، داعيا بهذا الدعاء: إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك، ولم يبق إلا الإخلاد إليك، والاعتصام بحبلك والاعتماد على فضلك، أنت حسبي ونعم الوكيل»، ويقول: «رأيته ساجدًا ودموعه تتقاطر على شيبته، ثم على سجادته».
ونخرج من هذا بأن الأمة الإسلامية لا يمكن أن تنتصر على أعدائها في كل زمان ومكان إلا بطاعة الله وتحكيم كتابه، وتقواه والثقة به، والالتجاء إليه، وامتثال أوامره، فهذا هو طريق النصر.
واليوم لم يعد خافيًا على أحد، أن اليهود ماضون في تحقيق مطامعهم ومخططاتهم عملا وتنفيذًا وتطبيقًا، ولم يعد خافيا كذلك أن الدول المسماة بالكبرى تبذل كل جهودها لمساعدة يهود على تحقيق أحلامها، وأن كراهيتهم للإسلام وبغضهم لأهله، يدفعانهم إلى القضاء عليه بأي صورة، وأولاها التمكين لإسرائيل في المنطقة، بعد أن فشلوا جميعا في النيل منه.
ولا شك عند المؤمنين بالله في أن الذي حمى دينه سبحانه وتعالى، طوال تلك الدهور ما يزال وسيظل قادرًا على تلك الحماية، برغم كل الغيوم والظلمات، ونحن – المسلمين - نوقن بهذا ونؤمن به ونعيش عليه، ونعمل له، ولقد تعلمنا من الإسلام أن الانتصار لا يكون بكثرة العدد، ولا بوفرة العدة، ولكنه يقوم على الإيمان، ورسوخ العقيدة، ووحدة الصف والهدف، ووضوح الغاية، ثم يأتي بعد ذلك الإعداد المادي والاستعداد للتضحية، والمسلم حين يتلفت حوله اليوم يرى ما يؤلم ويحز في قلبه، فنجد من المسلمين من يعتريه اليأس، ويحيط به القنوط اعتقادًا منه بأنه لا سبيل إلى النصر، ولا وسيلة إلى الخروج من المأزق في هذا العصر، ولا أمل في استعادة مجد الإسلام، وعزة المسلمين، بل لقد أصبح البعض ينادي بالعزلة والقعود، وأنه آن الأوان - في نظرهم - لأن يخرج المسلم بنفسه إلى الجبال، يفر بدينه من الفتن حتى يدركه الموت، ويردد أحاديث يستدل بها في غير موضعها، مثل حديث «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر يفر بدينه من الفتن»، وهذا حديث صحيح رواه البخاري، ولكن ما فهم منه غير صحيح، فهو محمول على من يفتن في دينه أو يجبر على تركه، أما ما دام يوجد مسلمون يؤدون الشعائر، ويطبقون على أنفسهم أحكام الإسلام، فإنه يحرم على المسلم العزلة والانطواء، بل يجب عليه مضاعفة العمل لدينه ولإسلامه؛ لأن ما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب.
وهذا المنطق اليائس من هؤلاء خطير عليهم هم، وهو يدل على هلاكهم وليس على هلاك المسلمين، جاء في الحديث: «من قال هلك المسلمون فهو أهلكهم»، لقد استولى الصليبيون على المسجد الأقصى، وعلى كثير من البلاد الإسلامية ما يقارب مائة عام، فمن كان يظن أن هذه البلاد ستتحرر على يد البطل صلاح الدين، ويعود المسلمون إلى استقلالهم وعزتهم ومجدهم والأمة الإسلامية اليوم وغدًا - في كل زمان ومكان - حين تعود إلى ربها، وتعمل جادة على إيجاد أسباب النصر، وتسعى مخلصة إلى تحقيقها، وتسهر جادة على تنفيذها، فإن الله جلت حكمته سيحقق لها ما تنشده وما تتمناه؛ لأنه سبحانه القائل في كتابه العزيز: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: ٥٥)، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ۲۱).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل