العنوان البطل أبو هنود يسقط نظرية الأمن الصهيوني
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
مشاهدات 53
نشر في العدد 1416
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
وجهت العملية المسلحة الدامية في عصيرة الشمالية ضربة قوية لجيش الاحتلال الصهيوني، كما أعادت إلى الأذهان مرحلة كادت تنسى من تاريخ الشعب الفلسطيني مع زيادة حمى المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وحكومة العدو الإسرائيلي. ولئن حاول باراك ورئيس أركانه التقليل من بطولة محمود أبو هنود وكتائب عز الدين القسام بالزعم أن الخسائر وقعت؛ بسبب إطلاق جنود الاحتلال النار على بعضهم، إلا أن حجم الخسائر التي منيت بها وحدات الجيش الإسرائيلي الخاصة أذهلت المجتمع الصهيوني وأربكت جيشه.
وقعت المواجهة في عصيرة الشمالية القريبة من مدينة نابلس في الضفة الغربية والخاضعة «القرية» للسيطرة الأمنية الإسرائيلية بين القائد القسامي محمود أبو هنود المطلوب رقم واحد لجيش الاحتلال الصهيوني والمئات من جنود الوحدة الخاصة في الجيش الإسرائيلي، ليل السبت ٢٦ أغسطس، وقتل في العملية ثلاثة جنود إسرائيليين، وأصيب جندي رابع حسب الرواية الإسرائيلية للحادث بينما ذكرت رواية حركة حماس نقلًا عن شهود عيان بأن تسعة جنود أصيبوا إضافة إلى مقتل الجنود الثلاثة. وأصيب البطل أبو هنود إصابات متوسطة لم تمنعه من الإفلات من قبضة الجنود الإسرائيليين والانسحاب إلى مدينة نابلس؛ حيث سلم نفسه لأجهزة أمن السلطة الفلسطينية.
ووفقًا لشهود العيان قامت وحدة خاصة من أكثر من ٣٠٠ جندي صهيوني مدعومة بطائرات هليكوبتر وعربات مصفحة باقتحام القرية حوالي العاشرة ليلا، وحاصر الجنود مجمعًا سكنيًّا يملكه شقيق البطل أبو هنود ومنزلًا قريبًا منه يملكه المواطن نضال دغلس، الذي يمت بصلة قرابة لـ«أبو هنود»، وكانت قوة الاحتلال تعتقد بأن «أبو هنود» يختبئ في منزل دغلس؛ حيث احتل الجنود أسطح المنازل المحيطة بمنزل دغلس وأحكموا سيطرتهم على المنطقة إلا أن «أبو هنود» باغت جنود الاحتلال من مكان آخر قريب وفتح النار عليهم، وهو ما أصابهم بالهلع، وأوقع فيهم إصابات مباشرة.
وقد أصيب نضال دغلس في صدره وقدميه أثناء تواجده في المنزل، ولم يستطع الخروج؛ بسبب جراحه، وظل ينزف لأكثر من ساعتين عندما اقتحم الجنود المنزل وأخرجوه، وقاموا بجره على الأرض وتعذيبه لإرغامه على الإدلاء بمعلومات عن البطل أبو هنود. واستمر الاشتباك بين أبو هنود وجنود الاحتلال عدة ساعات؛ حيث اشتعلت سماء عصيرة الشمالية؛ بسبب كثافة القنابل المضيئة التي ألقيت في المنطقة بحثا عن المجاهد القسامي.
ووفقا لرواية حركة حماس فقد هب أهالي البلدة لنجدة ابنهم المحاصر؛ حيث تعالت النداءات والتهليل والتكبير من مآذن المساجد إضافة إلى الصيحات التي كانت تدعو الأهالي للخروج من منازلهم وكسر منع التجول، الذي فرضته قوات الاحتلال عليهم بعد اقتحامها للقرية، وارتبك جنود الاحتلال من هجوم أهالي البلدة عليهم واشتباكهم معهم، وهو ما مكن أبو هنود من كسر الطوق الإسرائيلي والانسحاب إلى مدينة نابلس المجاورة الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية؛ حيث سلم نفسه لها قبل أن يتم نقله إلى أحد مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.
وعلى إثر العملية الجريئة اعتقلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أربعة من أهالي البلدة من بينهم إمام المسجد الشيخ ضرار حمادنة وهو أحد الذين أبعدتهم سلطات الاحتلال إلى مرج الزهور عام ۱۹۹۲م، إضافة إلى اعتقال الجريح دغلس، كما قامت سلطات الاحتلال بهدم منزل دغلس دون السماح لأهله بإخراج أي شيء منه.
العملية كما بدت هزيمة لجيش الاحتلال بعد غياب مثل هذه العمليات العسكرية لمدة طويلة، وقد أسقطت نظرية الأمن الصهيونية الأمر الذي دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي باراك إلى الزعم قائلا: «ربما يكون عدد ممن قتلوا وجرحوا قد أصيبوا بنيران قواتنا في أخطر وأكثر الأخطاء إيلاما، ولم يستبعد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي شاؤول موفاز احتمال مقتل الجنود الثلاثة بنيران زملائهم.
وواضح أن سلطات الاحتلال تسعى لإخفاء حقيقة فاعلية الجهاز العسكري لحركة حماس، وقال الجيش الإسرائيلي: إن هذه العملية هي أعنف ضربة توجه إلى الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية منذ مقتل تسعة جنود في ٢٦ سبتمبر عام ١٩٩٦م، وكان محمود أبو هنود قد أبعد إلى مرج الزهور في جنوب لبنان عام ۱۹۹۲م، وبعد عودته إلى قريته عصيرة الشمالية أصبح أحد نشطاء حماس، وقاد خلية تابعة لكتائب عز الدين القسام في بلدته، وتطارد سلطات الاحتلال «أبو هنود» منذ عام ١٩٩٥م، وبعد ثلاث سنوات أو بعد استشهاد الأخوين عادل وعماد عوض الله أصبح المطلوب رقم واحد لجيش الاحتلال في الضفة الغربية، وتتهمه هذه السلطات بالإعداد لتفجيرين وقعا في القدس المحتلة عام ۱۹۹۷م، أسفرا عن مقتل (۲۱) إسرائيليًّا، وكان اثنان من منفذي الهجومين ينتميان إلى عصيرة الشمالية.
صحيفة هآرتس الإسرائيلية قالت: إن عملية عصيرة الشمالية أرهقت الجيش الإسرائيلي، فيما اعتبرت الجيرو زالم بوست الإسرائيلية أن «أبو هنود» من القيادات العسكرية الحمساوية الفذة، وأن الحادثة حولته من قائد محلي إلى أسطورة؛ بسبب قدرته على الإفلات من قبضة أجهزة الأمن الإسرائيلية والفلسطينية على حد سواء.
من جانبها حذرت حركة حماس السلطة الفلسطينية من استمرار اعتقال «أبو هنود»، ومن تعطيل وعرقلة برنامج المقاومة، وحذر مسؤولون في الحركة الإسلامية السلطة من مغبة تسليمه لأجهزة الأمن الإسرائيلية، الأمر الذي نفته السلطة بقوة بل وسارعت لتقديمه لمحكمة أمن الدولة؛ لتقطع الطريق على أي طلب إسرائيلي بتسليمه لها (!).
ووصف بيان حركة حماس ما جرى في عصيرة الشمالية بأنه «يعزز القناعة لدينا ولدى أبناء شعبنا أن إرادة التصدي للاحتلال عندما تقترن بالإيمان الذي لا يتزعزع بعقيدتنا وثوابتنا قادر - بإذن الله تعالى - أن يلحق الهزيمة بالاحتلال الصهيوني، وأن يدفعه للانسحاب من أراضينا المحتلة».