; البستان (قصة قصيرة) | مجلة المجتمع

العنوان البستان (قصة قصيرة)

الكاتب عبد العزيز عطايا

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1978

مشاهدات 117

نشر في العدد 401

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 27-يونيو-1978

صلاة الفجر في المسجد القريب من داره تغسل صدره الثقيل من نوم الليل، وترسم على وجهه معنى آية من آيات التقوى، وتعطي للحيته السوداء المسدلة جلالًا وهيبة، وتضيء عينيه بشعاع الإيمان والاطمئـان، فإذا مشى في طريقه إلى المسجدتحت جناح آخر الليل بدا طويلًا.

حين دخل المسجد في فجر يوم من الأيام مرفوعًا عن الأرض. لا يفكر في الدنيا كما يفكر غيره من الناس. رزقه على الله الواحد القهار. لا أحد يمنحه شيئًا، ولا أحد يقدر أن يمنع عنه أي شيء..

أيام الشتاء، وجده خاليًا من المصلين كان البرد يجمد الأطراف ولكنه لم يتردد في الخروج إلى المسجد. وقف يصلي وحده إلى أن أتى المؤذن ونادى على خلق الله. وقبل أن تقام الصلاة جاء شخص وانضم إلى صلاة الجماعة وقد بدأ يشعر بشيء من الدفء فذهبت عنه رعشة كانت تهز جسمه وهو يجري في الطريق ليلحق بالصلاة.

وتقدم الرجل ذو اللحية أمام الاثنين وجعل يصلي بهما ويتلو آيات من سورة لقمان. ولما فرغ من الصلاة اقترب من الشخص وجلس يتحدث معه. أما المؤذن فقد نهض وانصرف إلى الداخل. دعك الشخص يديه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ (لقمان: 18) بعضهما ليزداد دفئًا ثم قال: فهذه الآية قرأتها في الصلاة؟ 

- يا حاج عبدالله .. ما معنى؟ 

- معناها بإيجاز لا تمل خدك كبرًا وتعاظمًا .. وهذه إحدى وصايا لقمان لابنه. 

فإذا مشى في طريقه إلى المسجد..

أطرق الشخص قليلًا، ثم رفع رأسه قائلا: ولكن ابنك يا حاج عبدالله لا يعرف تفسير هذه الآية. ابتسم الحاج وهز رأسه وقال:

- ابني لا يجهل تفسير هذه الآية - يجهل تفسير كل القرآن .. مع أني علمته .. أنه يسد أذنيه بالمعصية.. أتظن أني قصرت في حقه؟

ونكس رأسه حزنًا على ابنه فتدلت لحيته أكثر، وانطفأ شعاع عينيه لحظة. وعندما أشرق النور في عينيه كان أقوى من ذي قبل. ولزم الشخص الصمت حتى لا يؤلم الحاج عبدالله بكلامه. وقام الرجلان بعد ذلك وخرجا من المسجد. سارا في الطريق معًا تحت قبة السماء العريضة النابضة بعيون الليل. وهب الهواء البارد فراح الشخص يرقص ويرتجف، ورغم ذلك وقف أمام دار الحاج عبد الله يقول: 

- ابنك يتكبر على أولاد الحي ... وما قصدت أن أسبب لك كل هذا الألم .. كنت أقصد أنك تنصحه .. قال الحاج:

 - كثيرًا ما نصحته.. ولا فائدة... ادخل اشرب قهوة معي .. ادخل شكره الشخص وانصرف يحث خطاه أن تسرع كمن يهرب من شيء مفزع. ودخل الحاج عبدالله داره وما أن أغلق الباب حتى وقع بصره على شبح واقف داخل حجرة. دنا منه. اكتشف أنه ابنه. وعرف أنه يصلي ومن شدة الدهشة التي أصابته جلس دون أن يصدق. لم ير ابنه يصلي من قبل. سأله فور انتهائه من الركعة الأخيرة: 

- ما دفعك إلى الصلاة في هــــذا الصباح؟ 

وقف بين يديه يقول: 

- قولك يا أبي.. 

- قولي.. ولكني كنت أقول لك ذلك كثيرًا. 

 - رأيتك في المنام.. تمشي في بستان.. وتقول لي.. لن تمشي في هذا البستان يا بني إلا إذا أقمت الصلاة أولًا واتبعتني ثانيًا..

واستيقظت من النوم.. و عرفت أنك في المسجد.. وفكرت في أن أتبعك.. بيد أني سمعت صوتك وأنت تتحدث مع شخص أمام الباب فأدركت أن الصلاة قد انتهت.

ووقفت أصلي هنا. 

- أكنت تنوي الخروج إلى المسجد؟ 

- نعم.. لأصلي وأتبعك في نفس الوقت 

- ألا تعرف أن البرد شديد؟ 

- بلى .. أي برد هذا الذي يمنعني؟ 

-أنت الآن ابني

-ولم أكن ابنك قبل ذلك؟

لم تكن ابني .. ابني في الدين .. ربما يكون كلامي غامضًا .. ويحتاج إلى شرح. 

- بالعكس .. فهمت.

- بهذه السرعة بدأت تفهم

- بعد أن رأيت البستان في الحلم..

حرك الحاج عبدالله يده فوق المسبحة، وأحدق في ابنه بفرحة، وأسند رأسه إلى مسند المقعد، ونور الصباح يطل من النافذة، فأدار بصره إليه، وأخذ يتمتم..

- الحمد لله .. الحمد لله.. الحمد لله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

204

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

152

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم