العنوان البرلمان المقبل في إيران والعلاقات مع دول الخليج
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2000
مشاهدات 63
نشر في العدد 1386
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 01-فبراير-2000
على الرغم من كون الانتخابات البرلمانية التي سوف تشهدها طهران في فبراير المقبل تعد شانًا إيرانيًّا إلا أنها تحظى باهتمام على المستويين الخليجي والعربي، حيث تتنافس فيها ما اصطلح على تسميتها بالتيارات الإصلاحية والمحافظة والمستقلة ومن ثم تثار تساؤلات عديدة حول النتائج المحتملة لتلك الانتخابات والتي من شأنها أن تؤدي إلى تغيرات مهمة في إيران سواء على صعيد السياسة الداخلية أو قضايا السياسة الخارجية؛ إذ تنعكس رؤى وأفكار الداخل على شكل تعاطي الدولة مع العالم الخارجي.
وتساعد النقاط التالية على فهم طبيعة البرلمان القادم الذي سيكون بمثابة ميزان لأحجام القوى والتيارات المتنافسة:
1-كشف العديد من التطورات التي شهدتها الساحة الإيرانية عن عمق التحولات التي يمر بها المجتمع؛ فمنذ رحيل الخميني ونهاية حكم رافسنجاني، بدأ الصراع على أشده يدور بين تيار يقاوم التغيير وتيار آخر يدفع نحو إنهاء مرحلة الثورة، وتمثلت أبرز مظاهر هذا الصراع في البداية في المطالبة بتعديل الدستور لإتاحة الفرصة لرافسنجاني لتولي الرئاسة لفترة ثالثة، ومن ثم حاول كل اتجاه استغلال كل فرصة سانحة لتحسين ميزان القوى وحشد الطاقات لصالحه، وكانت الغلبة لأصحاب الاتجاه الجديد وخاصة في انتخابات مجلس الشورى عام ١٩٩٦م التي لوحظ فيها تنامي الدور السياسي للشباب والمرأة، إلا أن هذا الفوز لم يكشف إلا عن تطلعات للشارع الإيراني نحو التغيير، وبدا ذلك فعليًّا في انتخاب خاتمي في انتخابات الرئاسة عام ١٩٩٧م، والفترة التي تلت ذلك وحتى الآن، والتي جسدت الصراع الدائر بين التيارين لا سيما في انتخابات مجلس خبراء القيادة التي جرت في 23/10/۱۹۹۸م وفي الانتخابات المحلية التي جرت في فبراير مطلع عام ۱۹۹۹م، ووصل الأمر إلى حد الصدام المباشر بين مناصري جبهة كل طرف ابتداء بحوادث اغتيال المثقفين التي اتهم فيها قيادات نافذة في مؤسسات تحسب على المحافظين وانتهاء بإغلاق الصحف الليبرالية (جامع، طوس، سلام، نشاط، خورداد) ومحاكمة أبرز المحسوبين على هذا التيار وآخرهم عبدالله نوري ومرورًا بالصدامات التي شهدتها الجامعات الإيرانية.
2- انتقل الصراع إلى المعركة الانتخابية المقبلة في محاولة من كل طرف إثبات أحقيته في قيادة البلاد، فبينما يحاول الطرف الأول الإبقاء على إيران الثورة معتبرين أنفسهم الحرس القديم لها، والعماد الرئيس لتوجهاتها، يرى الطرف الثاني الباحث عن إيران جديدة أنه آن الأوان لحلول القوى الليبرالية محل القوى التقليدية سيما أنها عانت كثيرًا من التهميش في فترة التدفق الثوري، ونجحت -إلى حد ما- في التضامن معًا وإيصال شخصية مثقفة قريبة من تلك القوى وقادمة من صفوف رجال الدين إلى الحكم، وهو الأمر الذي يجب أن يكتمل باحتلال عناصر هذا التيار الأغلبية من مناصب الدولة.
المعطيات التالية يمكن أن تشير إلى ما سيحدث في الانتخابات القادمة:
- لوحظ ترشيح أكثر من رئيس تحرير ومدير تحرير صحيفة فضلًا عن ٢٥٠ امرأة بينهن مائة في طهران و١٥ في قم، ويعتبر الصحفيون والمرشحات من السيدات من العوامل المرجحة في الفوز، وذلك بسبب الضغوط التي مورست ضد الصحافة والصحفيين في الفترة السابقة وبسبب ما تمثله المرأة الإيرانية من قوة في الشارع الانتخابي.
- القاعدة الانتخابية التي يسيطر عليها كل اتجاه تكشف عن تفوق الاتجاه الإصلاحي؛ فإضافة للطلبة والشباب والمرأة، انضم إليهم ما عرف مؤخرًا بالمنشقين عن الثورة الذين ادعوا في فترة من الفترات أنهم أصحاب الثورة وأنهم ملتزمون بنهج الخميني وكانوا يرفعون راية النضال ضد أمريكا، وكذلك أكثر الليبراليين علمانية وخاصة من الكتاب الذين أشهروا أقلامهم لمواجهة أهداف الثورة، وأخيرًا القوى المستقلة التي تؤكد استطلاعات الرأي أنهم سيحصلون على 24% من الأصوات
3- مع الاعتراف بحقيقة الصراع والاستقطابات الحادة التي تشهدها حاليًا أجنحة السلطة الإيرانية قبل إجراء الانتخابات التشريعية في فبراير المقبل، إلا أن ذلك لا يجب أن يثنينا عن إلقاء نظرة ولو بسيطة على كنه السياسة الخارجية للدولة الإيرانية، وخاصة تجاه دول الخليج في ظل عهد خاتمي باعتباره تمكن خلال فترة وجيزة من فرض أجندته وأفكاره السياسية الخاصة.
فقد استطاع خاتمي تخفيف حدة التوتر في المنطقة بعد دعوته إلى تحسين العلاقات مع دول الجوار وحل موضوع الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة عن طريق الحوار والالتزام بعدم التدخل في شؤون الغير واحترام سياسات دول الجوار، وانعكس ذلك في عقد العديد من اتفاقيات التعاون الثقافي والاقتصادي والأمني مع بعض دول الخليج، وغير ذلك على صعيد الاتصالات الدبلوماسية والزيارات المتبادلة، لكن ذلك يواجه بالعديد من الصعاب حتى في حالة سيطرة الاتجاه الإصلاحي على البرلمان القادم، وذلك بالنظر للاعتبارات التالية:
أ- هناك اهتمام إيراني راسخ بالخليج منذ البدايات الأولى لإنشاء الإمبراطورية وحتى الآن.
وهناك من العوامل ما يزيد من مطامعها في المنطقة أهمها ما يتعلق بالاختلال الواضح في ميزان القوى بينها وبين نظيراتها الخليجيات وتحكمها في أهم شريان مائي يغذي العالم الصناعي في مجمله بالطاقة.
ب- عدم التحمس الخليجي لتطبيع العلاقات بشكل كامل مع إيران، وذلك للعديد من الممارسات الإيرانية التي تذكر صانعي السياسة بالخليج بأطماع الهيمنة والتوسع التي تحاول طهران تحقيقها إذا سنحت لها الفرصة للقيام بذلك، ويدللون على ذلك باحتلال الجزر الإماراتية الثلاث في مياه الخليج ورفضها المتكرر منذ عام ١٩٧١م التخلي عنها.
وإذا كان من المتوقع أن تشهد السياسة الخارجية الإيرانية تغيرات ملحوظة فإن ذلك يستدعي إحداث تحول في مفاهيم صانع السياسة الخارجية الإيرانية يقوم على:
- تفهم أسباب وحقيقة المشكلات القائمة بين الطرف الخليجي والطرف الإيراني على أمل البدء في حلها انطلاقًا من هذه الحقائق، وفي ضوء استيعاب كافة الأسباب التي أدت إليها.
- تخفيف حدة الحساسية الأمنية التي يحملها الإيرانيون إزاء دول الخليج.
- تحول فعلي إيجابي نحو دول الخليج يهدف إلى إيصال رسالة تتضمن أن إيران لم تعد ذلك «العدو الـتـقـلـيـدي» الذي يجب الخوف منه وإنما دولة يحسب ثقلها في أي خطط أمنية أو أشكال تعاونية مستقبلية.