العنوان البديل المرفوض
الكاتب أحمد السكري
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1999
مشاهدات 87
نشر في العدد 1358
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 13-يوليو-1999
في سنة ۱۹۹۷ تسرب إلى الصفحات الداخلية للصحف خبر صغير ضئيل عن قرية «أبوديس» المجاورة لمدينة القدس، والعاصمة المنتظرة للدولة الفلسطينية، ولأن أحدًا لم يسمع عن «أبوديس» من قبل، فقد مر الخبر على كثير من القارئين دون أن يعيروه التفاتًا، أو ينتبهوا إلى مغزاه، ثم بعد أشهر أعيد نشر مضمون الخبر مرة أخرى بصورة أكبر من الأولى قليلًا، ولكن الناس مروا عليه مرور الكرام، وظل الخبر يظهر في بعض الصحف كل بضعة أشهر، ثم يتوارى من غير تعليق ولا تعقيب ولا إثبات له ولا نفي من أي جهة، لأن المقصود أن يمر الخبر على الناس، وأن يعلق في أذهانهم شيء منه حتى تعتاد الأذن سماعه والعين قراءته ويبقى منه في العقل بعض الترسبات، فإذا ما جد الجد وتحقق على أرض الواقع هذا الكلام، قبلته النفوس، التي تهيأت من قبل، فالخبر ليس جديدًا عليها، ولا غريبًا سماعه بالنسبة لها، وكل ما في الأمر أن الكلام تحول إلى فعل، وأن المستبعد كالخيال صار حقيقة من الحقائق، لا يملك المسلمون تلقاءه إلا التسليم بما حدث، كما سلموا من قبل في كل مراحل القضية الفلسطينية ابتداء من قبول التقسيم حتى «واي ريفر».
ويبدو أننا قريبو عهد بتحويل ما هو مستبعد إلى واقع ملموس حين تستبدل «أبوديس» بالقدس، أما القدس فليس يجهل شأنها أحد من المسلمين يعرف دينه، فعراقتها قديمة قدم التاريخ المعروف، ومنزلتها الدينية مكينة بما فيها من تراث العديد من الأنبياء ومسجدها الأقصى - فك الله أسره - أولى القبلتين، ومسرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي نزل عليه القرآن مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، وقد افتتحها عمر بن الخطاب، وتسلم مقاليدها بنفسه، وظلت تحت رعاية المسلمين قرونًا عدة، ثم استولى عليها الصليبيون، فلم تمكث تحت سيطرتهم غير بضعة عقود من السنين ثم استردها إلى رحاب الإسلام صلاح الدين وبقيت في يد المسلمين حتى استولى عليها كلها الصهاينة عشية حرب ١٩٦٧م، ومكانتها ومنزلتها في قلوب جميع المسلمين أعظم من أن تكتب أو تسطر.
وأما «أبوديس» فإنها قرية تقع على بعد ميلين اثنين إلى الشرق من القدس القديمة وهي تقع خارج الحدود البلدية لمدينة القدس، طبقًا لما حددته إسرائيل بعد استيلائها على كامل المدينة سنة ١٩٦٧م، إلا أنها من جهة أخرى تقع ضمن الحدود الإدارية لمدينة القدس بحسب تحديد الإمبراطورية العثمانية الذي سارت عليه من سنة ١٥١٦م إلى سنة ١٩١٧م.
وبين هذين التحديدين للمدينة وجد المحللون الحل الشافي، إذا ما أعلن أن «أبوديس» هي عاصمة الدولة الفلسطينية باعتبارها جزءًا من القدس بحسب التحديد العثماني لحدود المدينة.
ولن تضار إسرائيل في شيء من ذلك على اعتبار أن «أبوديس» ليست داخلة ضمن الحدود التي أقرتها إسرائيل للمدينة، وبالتالي فهي لن تتحدى هذا الادعاء، بل وستقبل- كما قالت المعلومات المنسوبة إلى مسؤولين كبار من الفلسطينيين والإسرائيليين- بإقامة دولة فلسطينية يوصل بين عاصمتها «أبوديس» وبين مدينة القدس القديمة ممر آمن ليست فيه نقاط تفتيش إسرائيلية، وزيادة في التمويه فسوف يرفع العلم الفلسطيني فوق عديد من الأماكن في القدس.
وقد بدأت بالفعل أولى الخطوات نحو وضع هذا الاتفاق موضع التنفيذ عقب إعلان فوز باراك برئاسة الحكومة الإسرائيلية، إذ انطلقت «البلدوزرات» وتحرك المقاولون نحو «أبوديس» لإقامة مقر للبرلمان الفلسطيني، ووزارة للداخلية ومكتب لمحافظ «القدس» الجديدة طبعًا ومكاتب فرعية لرئيس السلطة الفلسطينية، الذي سيحتفظ بمقره الرئيس في غزة، وكانت إسرائيل قد سلمت قرية «أبوديس» للسلطة سنة ١٩٩٦م.
إن الخبر الصغير الذي كان ينشر فلا يلفت أنظار أحد، صار اليوم ينشر على أنه اتفاق سري له بنوده ومواده، وينسب إلى كبار المسؤولين من الفلسطينيين والإسرائيليين، دون أن يعقب عليه أحد بالإثبات أو النفي، وإن كنا نظن أننا سنصبح في يوم من الأيام، أو سنمسي ذات ليلة فنجد أنفسنا تجاه إعلان صريح ينص على هذا الاتفاق والشواهد تؤيد ذلك، فالسفير الأمريكي في إسرائيل اتخذ مقرًا ثانيًا له في القدس، وكان الكونجرس قد أقر سنة ۱۹۹٥م قانون نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس بحلول مايو سنة ١٩٩٩م، ولكنه سمح لكلينتون بتعليق تنفيذ الاتفاق لفترات مدة كل منها ستة أشهر، وتقوم جمعية الدراسات التوراتية للكتاب المقدس، ووزارة الأديان في إسرائيل، وجمعية كرينت، والوكالة اليهودية بتقديم الدعم المالي والمعنوي لطاقم يعمل مجسمًا للهيكل في مستوطنة «يتصهار» جنوب مدينة نابلس، والهيكل المزعوم تعادل مساحته مساحة المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ويعمل هذا الطاقم يومين في الأسبوع تحت المسجد الأقصى من أجل توفير البنية التحتية للهيكل «المجتمع العدد ١٣٥١» أفلا يحرك ذلك المسلمين ليعملوا على عودة القدس كاملة إلى رحاب الإسلام والمسلمين، كما يعمل اليهود بجد على اغتصابها كاملة؟ أتغني أبوديس عن القدس؟ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟
إن المسلمين في كل أرض لا يرضون عن القدس بديلًا فهل يدرك ذلك المتفاوضون؟
وهل يعي ذلك المهرولون نحو الأعداء؟ وهل يعمل المسلمون - كل المسلمين - على استخلاص المسجد الأقصى قبل أن تقع الواقعة؟