; البداية الصحيحة | مجلة المجتمع

العنوان البداية الصحيحة

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 12-يونيو-2010

مشاهدات 84

نشر في العدد 1906

نشر في الصفحة 66

السبت 12-يونيو-2010

يقول الرياضي المعروف «كارلوس» في مقابلة صحفية: «أقهر نفسي أولًا ثم أجيء إلى الآخرين».

وذلك حق.. وهو البداية الصحيحة ليس على المستوى الجسدي وحده، ولكن على كل المستويات.

لقد قالها كتاب الله منذ عصر التنزيل: ﴿إِنّ اللَّهَ لا يُغَيْرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱)، ﴿ذَلكَ بأَنّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيَّرًا نَعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال:53)، فأدار بذلك الكاميرا على جانبي الإيجاب والسلب في عملية التغيير الذاتي التي هي أساس كل تغيير.

ولطالما حاولت المذاهب الوضعية أن تمارس التغيير من الخارج ثم تجيء بعد ذلك إلى الإنسان، فانتهى بها الأمر إلى الإخفاق الذريع؛ لأن نقطة انطلاقها كانت خاطئة، ولأن حركتها للتغيير بدأت من الاتجاه المعاكس.

الإنسان أولًا.. الإنسان بما أنه صانع الأفعال، والمعني بمردودها عليه فردًا وجماعة.. وقديمًا قيل: ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟

أن نكسب أنفسنا.. أن نعيد صياغتها بين الحين والحين.. أن نخضعها لرقابة دائمة ونقد ذاتي متواصل.. أن نطفئ فيها منابع الشر ونفجر - في المقابل - عيون الخير الثرة.. ألا نجعلها تفلت من بين أبصارنا لحظة واحدة.. لأن معنى ذلك أننا منحنا الشيطان الفرصة للتسلل إليها وتخريبها.

 وقهر النفس ليس معناه إذلالها وإضعافها وتدميرها، كما قد يخيل للبعض، وإنما إعادة بنائها لكي تكون أكثر توافقًا مع منظومة القيم الدينية والخلقية والإنسانية، وبالتالي أكثر قدرة على الالتزام، وعلى مواصلة الطريق الصعب حتى نهايته، رغم كل ما يتطلبه من مشاق وتكاليف. 

في المنظور الإسلامي ليس ثمة دعوة على الإطلاق لتدمير النفس، وإنما على العكس دعوة للتحقق الذاتي الذي يضع الإنسان في بؤرة التوازن والفاعلية. ويكفي أن نقرأ الآيات والأحاديث النبوية المعنية بالإنسان لكي يتأكد لنا ذلك، يكفي أن نطالع كتاب الفيلسوف الباكستاني المسلم «محمد إقبال»: «تجديد الفكر الديني في الإسلام»، لكي يتجلى لنا ذلك بأوضح الصور وأكثرها عمقًا في الوقت نفسه.

الخبرة الإسلامية تختلف في أساسها عن الخبرات الدينية الشرقية وبخاصة تلك التي شهدتها الساحات الهندية والصينية.. ها هنا دعوة لتدمير الذات بحجة التحرر من ضغوطها، أما في الإسلام فإنه السعي الموصول لتحقيق الذات.

والإسلام، بما أنه دين واقعي يسعى لإعادة بناء العالم، لا يمكن أن يناقض نفسه؛ ولذا كانت تأكيداته منذ اللحظات الأولى على ضرورة إعادة بناء النفس؛ لكي يكون المسلم أقدر على الفعل والإنجاز والتغيير في الخارج.. في العالم.. فإن النفس المهزومة.. النفس المنسحبة من الحياة لا تملك القدرة على تغيير الحياة.

 وكلنا يذكر ذلك المسلسل المرسوم في هذا الدين لرحلة صعود الإنسان إلى أعلى عبر محطات: الإسلام.. الإيمان.. التقوى.. فالإحسان.. هنالك حيث يكون المسلم قد بلغ القمة، وتمكن من نفسه، وأصبح قديرًا على توجيهها كما يريد هو لا كما تريد هي.

ومرة أخرى: ﴿إِنّ اللَّهَ لا يُغَيْرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱) وصدق الله العظيم.

(*) باحث وأكاديمي عراقي 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2109

155

السبت 01-يوليو-2017

بستان المجتمع

نشر في العدد 53

96

الثلاثاء 30-مارس-1971

آراء حرة (العدد 53)

نشر في العدد 400

134

الثلاثاء 20-يونيو-1978

هذه دنياكم أيها السادة