العنوان البحث عن «قشة»... في عين حماس!
الكاتب طارق حميدة
تاريخ النشر السبت 02-نوفمبر-2002
مشاهدات 60
نشر في العدد 1525
نشر في الصفحة 29
السبت 02-نوفمبر-2002
في مقال له عن العملاء تحدث د. عبد العزيز الرنتيسي، عن حرص أجهزة أمن السلطة الفلسطينية على الترويج لفكرة وجود عملاء للمخابرات الصهيونية في القيادة العليا لكتائب القسام كانوا السبب، بحسب تلك الأجهزة، في اغتيال الشهيد صلاح شحادة، ومحاولة اغتيال محمد ضيف.
وللحقيقة فإنها ليست المرة الأولى التي تسعى فيها أجهزة أمن السلطة إلى ترويج مثل هذه الافتراءات، ولا نعدو الحقيقة إذا أكدنا أن تلك الممارسات تعد استمرارًا لسلوك وسياسة منهجيين تجاه حماس وذراعها العسكرية من قبل أجهزة السلطة.
فبعد عمليات الثأر ليحيى عياش قامت أجهزة السلطة بحملة اعتقالات واسعة ضد الإسلاميين رافقتها حملة إعلامية زعمت خلالها أن قيادة حماس «العميلة لحزب الليكود!؟» هدفت من وراء تلك العمليات إلى إسقاط حمامة السلام شمعون بيريز والإتيان بنتنياهو بدلاً منه.. وقامت أجهزة السلطة بممارسة ضغوط شديدة على بعض معتقلي حماس ليقدموا إفادات بذلك عبر وسائل الإعلام المحلية!
وبعد تصفية الشهيد محيي الدين الشريف ومحاولة إلصاق التهمة ببعض رفاقه وما تلا ذلك من مسرحية هروب القسامي عماد عوض الله من سجن السلطة في أريحا ثم تصفيته مع أخيه الشهيد عادل في الخليل على أيدي الصهاينة، طلبت أجهزة أمن السلطة عددًا من الإسلاميين لإجراء مقابلات معهم، وكان منهم كاتب هذه السطور، وقد حرص ضباط أمن السلطة على إقناع الحاضرين بوجود اختراقات كبيرة في قيادة حماس والقسام أدت إلى خسارة هؤلاء الأبطال، على حد تعبيرهم.. وأن من الواجب التعاون- بين حماس والسلطة- لتحديد مواطن الخلل!!.. وقد رد أحد الإسلاميين على ضابط المخابرات الذي يحاوره بالقول: «إن العجيب ليس حدوث اختراق في حركة حماس التي تستهدفها المخابرات الصهيونية والفلسطينية والأمريكية، وبعض الأجهزة الأمنية العربية والأجنبية منذ شرم الشيخ.. ولكن العجيب هو بقاء هذه الحركة بالرغم من ذلك الاستهداف.. والأعجب هو تحقيقها لاختراقات ناجحة وعمليات قوية في العمق الصهيوني.
وتابع قائلاً: «إن حماس لا تبحث عن العملاء لتنظمهم في صفوفها، ولا تبقيهم إذا اكتشفتهم فوق أنها تحرص على استبعادهم وتنقية الصف منهم.. ولكن ألا ترى معي أن الاختراق الحقيقي ليس ما تتحدثون عنه وإنما التنسيق الأمني الذي تقوم به السلطة مع الصهاينة؟.. لقد كان الأولى بكم قبل أن تشيروا إلى القشة التي في عين حماس أن تخلعوا العود بل الجذع الذي في عيونكم.. ثم ألا توافقني بأن السلطة وهي تلقي باللائمة على اختراقات في صفوف حماس إنما تسعى إلى صرف الأنظار عن دور أجهزتها الأمنية في تصفية الشريف والأخوين عوض الله؟».. وهنا لم يجد ضابط المخابرات ما يرد به سوى القول: نعم هناك من يتهم العقيد الرجوب والأمن الوقائي بأن لهم ضلعًا في تلك التصفيات»، وقد كان هذا مخرجاً مريحاً له، إن ألقى بالتهمة على الجهاز المنافس بينما سلم هو وجهازه من التهمة.. فضلاً عن أن أصابع الاتهام كانت تتجه في الواقع إلى الأمن الوقائي لقرائن عدة.
إن الملاحقات والاعتقالات والتحقيقات والمسالخ التي قامت بها أجهزة السلطة ضد المناضلين عمومًا ومجاهدي القسام على وجه الخصوص تمثل أشد الصفحات اسودادًا في تاريخها.. ولعل الباعث النفسي وراء ذلك أن المجاهدين يحرجونها باستشهادهم.. وبعملياتهم... فعمليات المجاهدين تحرجها مع الصهاينة والأمريكان، كما تحرجها وتحط من شأنها لدى الشارع الفلسطيني الذي يجري مقارنة بين حملة البنادق ومفاوضي الفنادق والشرفاء المناضلين الذين يشكلون المرآة الناصعة التي تكشف قذى عيونهم.. ولكنهم بدلاً من غسل وجوههم يعمدون إلى كسر المرآة.
وحين يستشهد المجاهدون تتجه أصابع الاتهام إلى أجهزة السلطة لعجزها وتخاذلها عن حمايتهم أو لدورها وتواطئها في تصفيتهم مما یبرز بشكل جلي التنسيق الأمني والمهام القذرة التي يضطلعون بها.
النكتة غير الطريفة هي محاولة أجهزة السلطة الظهور بمظهر الحريص على تنقية صفوف حماس من العملاء الذين يخترقونها!! فيما تصر حماس على إيصاد الأبواب أمام تلك المساعي الحميدة والنوايا الطيبة!! كما لو كانت حريصة على إبقاء العملاء؟
أما الطريف حقًا في الموضوع فهو أن تلك القصة برمتها إنما هي نسخة طبق الأصل من قصة قديمة يتداولها الشارع الفلسطيني منذ سنوات، والتغيير الوحيد هو فقط في الأسماء.. والقصة الأصلية هي أنه عندما كان البعض ينبه القيادة الفلسطينية، وهي في الشتات إلى وجود بعض العملاء المحيطين بها لأجل الحذر منهم وإبعادهم ومعاقبتهم كان يأتيهم الجواب: «إحنا عايزين جزم علشان نقطع بهم المخاضة، أو يقال: قد نحتاج إلى هؤلاء العملاء إذا أردنا بعث رسائل للإسرائيليين.
إن أجهزة أمن السلطة حريصة فعلاً على أن تكشف لهم حماس كل أوراقها وتفتح لهم مغاليق جهازها العسكري... لا لأجل تنظيفه من العملاء ولكن لتكمل ما قامت به خلال السنوات الفائتة من تفكيك لخلاياه العسكرية، ومصادرة لأسلحته، وجعل مجاهديه بين سجين وطريد وقتيل... إذ لا يزال عدد من المسؤولين الفلسطينيين يصرحون بين الفينة والأخرى بأنهم أحبطوا عددًا من العمليات الفدائية، واعتقلوا مديريها، وإذا ما اتهمهم الصهاينة أو الأمريكان بالتقصير فإنهم يردون على ذلك بالقول: كيف تريدون منا مقاومة الإرهاب والقيام بواجباتنا ونحن محاصرون ومقراتنا مدمرة ولا نستطيع التحرك أطلقوا أيدينا أولاً ثم حاسبونا.. واضح أن أجهزة السلطة لم تتب، بل هي مصرة على طريقها، فهل من الحكمة- والحالة هذه- أن تشرع حماس أبوابها لمن لا يألوها خبالاً؟ وهل يمكن لتلك الحملات الإعلامية أن تستخف حركة في وزن حماس فتقع في الفخ وتحقق تمنيات البعض؟
إن تحقيق اختراقات فيما بين الجهات المتصارعة والأعداء أمر ممكن ومعروف.. وتاريخ العلاقات الأمريكية السوفييتية شاهد على نجاح كل طرف في اختراق مؤسسات وأجهزة الطرف الآخر.. وإنما المهم أن تلاحق تلك الاختراقات بالإجراءات الوقائية والعلاجية المناسبة.. وفي حالتنا الفلسطينية فإن الاختراق الأكبر هو ذاك الذي بلغ نخاع المنظمة وصار يوجه دماغها فغير استراتيجيتها، وبدل تصوراتها، وأصابها بعمي الألوان، فقلب لها جبهة الأصدقاء والأعداء.. وحولها من حركة تحرر إلى مجموعة وظيفية لا تختلف كثيرًا عن بعض الأنظمة في المنطقة.