; البث المباشر.. والغزو المضاد | مجلة المجتمع

العنوان البث المباشر.. والغزو المضاد

الكاتب إبراهيم محمد أبو عباة

تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1992

مشاهدات 60

نشر في العدد 1030

نشر في الصفحة 64

الثلاثاء 22-ديسمبر-1992


تنوعت أنواع الغزو وأشكال الاستهداف خلال تاريخنا الإسلامي الطويل من قبل أعداء الأمة. فبدأ الغزو العسكري منذ معركة بدر الذي تجمع فيها أهل الكفر لمحاربة هذا الدين الجديد من أجل القضاء عليه أو إضعافه على الأقل؛ فكانت النتيجة أن نصر الله جنده وهزم الأعداء في أول مواجهة عسكرية بين الحق والباطل، فرد الله كيدهم في نحورهم ورجعوا يجرون وراءهم أذيال الهزيمة ويتجرعون مرارة الانكسار، مخلفين وراءهم بعض صناديد الكفرة وزعماء الضلال جثة هامدة.

ويتوالى الغزو في المعارك التالية والمواجهات المستمرة بين معسكر الإيمان وتجمعات الكفر، ويستمر مسلسل الكيد والتآمر من أجل ضرب هذا الدين والقضاء عليه ولمحو أثره في الحياة. ويبدأ الأعداء في التفنن والتجديد في أشكال الغزو وتتفتق أذهانهم عن غزو رهيب في عصر الفضاء والاتصالات والأقمار الصناعية، فيبدأون في التخطيط لغزو الناس في عقر دارهم عبر أجهزة البث، مستخدمة أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا في مجال الاتصالات للتسلل إلى غرف الناس وسط منازلهم لتسريب ما تحمله تلك المواد المبثوثة من سموم عقدية وفكرية وأخلاقية وعقلية ونفسية أفرزتها حضارة الغرب الزائفة.

ومن العجيب أن ترى كثيرًا من الناس يسعى بنفسه وبطوعه واختياره باحثًا عن تلك الأجهزة وما يقوي وصولها ووضوحها لكي يستمتع برؤيتها هو وأهل بيته من الأطفال والنساء، يسعى إلى ذلك بكل سذاجة غير مدرك لمرامي الأعداء ومخططاتهم.

ولو نظرنا إلى نماذج مما تبثه تلك القنوات الموجهة إلى عالمنا الإسلامي لرأينا أنهم إنما يصدرون لنا عقائدهم الفاسدة وأخلاقهم المنحرفة وأفكارهم الضالة وعاداتهم وتقاليدهم الجاهلية، وهذه هي كل بضاعة الغرب في ميدان القيم والأخلاق والمثل، وإلا فماذا يتوقع أن يصدر لنا الغرب عبر قنوات بثه الكثيرة؟

إن حماية عقائد أجيالنا والمحافظة على أخلاقهم الإسلامية مسؤولية عظيمة تقع على كاهل المسؤولين في البلاد الإسلامية المختلفة. وذلك يكون بتحصينهم بالعلم الشرعي الأصيل وبناء عقولهم وأفكارهم بناء سليمًا وقويًّا وتربيتهم تربية إسلامية صحيحة تعينهم على تشكيل قدر من الوعي يسهم بشكل فعال في صيانة عقولهم وحماية نفوسهم من تأثير الغزو الفكري الثقافي العقدي الأخلاقي القادم.

إن مواجهة هذا الغزو لا تتم بالاسترخاء والتقاعس والتمكين لوسائل البث المختلفة من التسلل إلى بلادنا وبيوتنا وعقولنا.. إن الأمر يتطلب دراسة جادة ووقفة حازمة يقوم بها نفر من أصحاب القرار الغيورين على دينهم والحريصين على مستقبل أمتهم والمهتمين بأجيال الأمة وثروتها الحقيقية، ثم إن إمكانات الأمة الضخمة ينبغي أن تسخر لمواجهة هذا الغزو بغزو مضاد من خلال قنوات ومجالات مماثلة لما يستخدمه الأعداء من أجل تصدير ما عندنا من خير يمكن أن ينقذ الغرب والشرق مما يتردى فيه من الانحطاط والتردي والضياع.

إننا وحدنا نملك إصلاح الخلل ونملك إنقاذ السفينة بما عندنا من تعاليم ربنا وهدي رسولنا صلى الله عليه وسلم، فهلّا قمنا بواجبنا كل في محيطه حسب قدرته واستطاعته، مستخدمين وسائل العصر المتاحة.

إن الحكومات الإسلامية- وخاصة منها القادرة- مسؤولة أمام الله إن هي تركت هذا الطوفان يأخذ طريقه دون مقاومة ولم تتخذ من الوسائل ما يحمي عقيدة الأمة وأخلاقها من هذا السيل الجارف الذي يهدف إلى تدمير مقومات الأمة. ثم إن الحكومات أيضًا والقادرين من أهل المال في البلاد الإسلامية ليسوا معذورين أمام الله إذا لم يفكروا في عمل مضاد يحمل الخير والصلاح والإسعاد لبني البشر، وذلك بتقديم قيمنا السامية وأخلاقنا العظيمة إلى تلك المجتمعات التي هدفها تدميرنا: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا. وَأَكِيدُ كَيْدًا. فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (الطارق: 15- 17)، والله المستعان.

واقرأ أيضًا:

البعث الإسلامي هو وحده القادر على هزيمة ثقافات الشرق والغرب

الرابط المختصر :