العنوان البابا.. والمد الإسلامي في أفريقيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1980
مشاهدات 64
نشر في العدد 481
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 20-مايو-1980
في سياق تعليقها على جولة البابا جان بول الثاني في ست دول أفريقية، تحدثت مجلة باري ماتش الفرنسية عن التحديات التي تواجه البابا خلال جولته الأفريقية من مشاكل سياسية وطائفية ودينية. وأكدت المجلة في مقالها على أن المد الإسلامي هو أخطر عقبة أمام التبشير المسيحي في القارة لأنه دين أصبح جزءًا من الأصالة الأفريقية التي تناضل من أجلها الشعوب والحكام في القارة.
ونحن بصفتنا دعاة مسلمين ندرك أن ما كتبته المجلة الفرنسية حق أريد به باطل، فالإسلام هو الدين الذي يعتنقه الإنسان الأفريقي بطريقة تلقائية بوحي من فطرته النقية وبساطته التقليدية. وهو الدين الذي دعا إلى المساواة بين بني البشر بينما كان الإنسان في أفريقيا يعاني من ويلات التفرقة العنصرية التي أكدها الدين المسيحي المستورد إلى القارة من أوروبا وهو السر الذي تجهله أو تتجاهله المجلة الفرنسية والمشرفون عليها وراء انتشار عقيدة الإسلام الغراء في القارة السوداء لتبديد ظلمات الوثنية والتقاليد الجاهلية والتفرقة العنصرية. فمشكلة المسيحية في القارة رغم جهود التبشير المكثفة تكمن في كونها دين طبقات عبيد وأسياد فهل تجهل الكنيسة ذلك؟
وأما الآن فإليكم ما كتبته مجلة باري ماتش تحت عنوان «البابا في مجابهة الإسلام «الأسود»
كثافة الجهود التبشيرية في أفريقيا دفعت شعوبها إلى اتهام الكنيسة بالعمالة الاستعمارية
البابا جان بول الثاني يقوم الآن بجولة في ست دول أفريقية هي: زائير والكونغو وكينيا وغانا وفولتا العليا وساحل العاج. وتستغرق هذه الجولة البابوية في القارة عشرة أيام يقطع خلالها ٢٠,٠٠٠ كم.
الدول الأفريقية التي يزورها البابا تختلف في مواقعها الجغرافية وأوضاعها الاجتماعية لكن يربط بينها أنها دول تحررت منذ ربع قرن جميعًا تقريباً من سيطرة الاستعمار.
فزائير كانت تحت الاستعمار البلجيكي، وكينيا وغانا كانتا تحت الاستعمار الإنجليزي كما كانت كل من الكونغو برازافيل وساحل العاج وفولتا العليا تحت الاستعمار الفرنسي. هذه الدول حصلت على استقلالها بعد أن حمل إليها المبشرون الدين المسيحي من أوروبا. ولكن ماذا عملت الكنيسة في سبيل ذلك؟ إنها بذلت جهودًا مكثفة من أجل أن تواصل المسيحية انتشارها في القارة حتى وجهت إليها تهمة العمالة لصالح الاستعمار في القارة بينما كانت مواقف الأنظمة الاستعمارية نحوها مختلفة. فالحكومات البلجيكية كانت تعامل المبشرين في الكونغو «زائير حاليًا» معاملة عادلة. بينما كانت علمانية الحكومة الفرنسية تحول دون معاملة هؤلاء المبشرين بإنصاف. أما في المستعمرات الإنجليزية فكان المذهب البروتستانتي هو الوحيد الذي كان يتمتع بالامتيازات.
المسيحيون في أفريقيا يطالبون بكنيسة أفريقية يكون أساقفتها وقساوستها من السود
منذ عقدين من السنين بدأ الفاتيكان يسعى بجد في سبيل تكوين قساوسة محليين في أفريقيا. فمنذ سنة ١٩٥٠ بدأ الأساقفة السود يحتلون المناصب العالية في الأسقفيات الأفريقية، ولا يوجد في الوقت الحاضر أساقفة أوربيون في القارة إلا في كينيا وزائير، ولكن الوضع يختلف بالنسبة للقساوسة فوجود القساوسة الأوروبيين ما زال كثيفًا في القارة وعددهم أكبر بكثير من عدد القساوسة المحليين في جميع الدول الأفريقية تقريبا، لكن الفاتيكان أصدر تعليمات للإرساليات العاملة في أفريقيا بالسعي جديا في سبيل إضفاء الصبغة الأفريقية على الكاثوليكية في القارة على جميع المستويات بما في ذلك إقامة الطقوس الدينية لذلك نرى أحيانا أن الطقوس الدينية تقام في دول أفريقية تحت أصوات الطبول ومع الرقصات الشعبية دون أن يحاول أحد منع ذلك ولا غيره من التقاليد الأفريقية التي بدأت ترافق أداء الطقوس ما دامت لا تتصل بالوثنية القديمة، لأن سكان القارة أكدوا أنهم لا يريدون مسيحية مستوردة بل يجب أن تصبح الكنيسة في القارة أفريقية الصبغة أو لا تكون هنالك كنيسة بالمرة.
حينما زار البابا بول السادس أوغندا منذ إحدى عشر سنة كانت مسألة تصبيغ الكنيسة بالصبغة الأفريقية مدرجة بين المواضيع التي ناقشها خلال زيارته ومنذ ذلك بدأت المحاولات تبذل من أجل تحقيق الفكرة. ويقول الأب بير يار رئيس الرهبان البيض في أفريقيا:
«إن تصبيغ الكنيسة بالصبغة الأفريقية لم يبق مثار جدل بل يرى الكل أنه أصبح ضرورة ملحة». إن البابا جان بول الثاني ليس مطالبا خلال جولته الأفريقية الحالية بإبداء موافقته على هذه المسألة بل هو مطالب بتقييم ثمارها ونتائجها الأولية التي بدأت تظهر متمثلة في مصاحبة الطقوس بالرقص والطبول وهو أمر لا بد من أنه سيشد انتباه بعض مرافقي البابا من الأساقفة أما هو نفسه فيبدو أنه لن يتأثر بذلك.
المشكلة السياسية من العقبات التي تواجه الكنيسة في أفريقيا
لا شك من أن زيارة البابا البولندي للقارة لن تستقبل بورود خالية من الأشواك فالمسيحية الأفريقية تعاني من مشاكل عديدة منها المشكلة السياسية. فمنذ أن حصلت دول القارة على استقلالها ما زالت الأسقفيات في بعضها تناضل من أجل استقلالها الديني تجاه الحكومات المحلية التي تحاول السيطرة عليها. ففي زائير مثلا قام الرئيس موبوتو بحملة واسعة للعودة بالبلاد إلى الأصالة الوطنية لطمس آثار الاستعمار نهائيا، وقرر تغيير أسماء الأماكن الرسمية فاختار زائير اسمًا للدولة بدلا من الكونغو واختار شابا بدلًا من كاتنجا وهكذا.. كما أنه أمر المسيحيين الوطنيين بتبديل أسمائهم المسيحية بأسماء أفريقية بعد أن ضرب بنفسه مثلا لذلك عندما غير اسمه من جوزيف ديزيري موبوتو سيسي سيكو. لكن الأسقفية رفضت مطالبه الخاصة بالمسيحيين، وقد دفع الكاردينال مالولا رئيس أساقفة كينشاسا الثمن غاليا، حيث طرد من منزله ووجهت إليه تهمة الخيانة والعمالة لصالح الاستعمار كما منع من إقامة الطقوس الدينية بأوامر من الرئيس موبوتو حتى اضطر إلى مغادرة البلاد متوجها إلى روما.
ومثال آخر لهذه المشكلة السياسية دارت أحداثه في الكونغو برازافيل سنة ۱۹۷۷ فقد اختطف الكاردينال أميل بياندا من أسقفيته في ذلك العام واغتيل في حالة غامضة لم تعرف دوافع اغتياله حتى الآن. وقد وقع هذا الحادث بعد حادث اغتيال رئيس الجمهورية الكونغولية ماريان نغوابي بأيام. وقد أصيبت الكنيسة الكونغولية بذهول شديد بسبب هذا الحادث الغامض. لكن الحالة السياسية العامة في القارة تحسنت الآن إلا أن هذا التغيير مشوب بالحذر فالحروب التحريرية في القارة والتغييرات المتتالية للأنظمة السياسية جعلت الأساقفة يلتزمون الحذر تجاه سياسات القارة. ولا شك من أن محادثات البابا جان بول الثاني مع رؤساء الدول الأفريقية ستكون دقيقة للغاية لذلك يستحسن أن يأخذ الباب في الاعتبار الموقف الحذر الذي يلتزمه الأساقفة في القارة وعليه ألا يحاول معارضة الرؤساء الذين سيقابلهم أو يدين مواقفهم. ولعل فرحة هذه الدول بزيارة البابا ستغطي كل شيء، فكرم الضيافة لدى الأفارقة يحتم عليهم ذلك.
المد الإسلامي أكبر عقبة تواجه الكنيسة في أفريقيا
ظاهرة المد الإسلامي في أفريقيا تهدد الوجود المسيحي في القارة، فالبابا جان بول الثاني باعتباره سياسيا ماهرا من المحتمل أنه لا يشير علانية إلى الموضوع في مناقشاته العلنية ولكن لا شيء يمنع من أن يثير هذا الموضوع في مناقشات سرية مع زعماء الدول التي يزورها.
لكن الإسلام لا يمثل شيئًا كبيرًا في الكونغو وزائير حتى الآن. وإن كان انتشاره ملحوظًا في شرق القارة فإن كينيا التي سكانها خمسة ملايين نسمة لا يوجد بينهم سوى مليون و٣٠٠ ألف مسلم فقط. وقد بدأ الإسلام ينتشر انتشارًا واسعًا في شمال ساحل العاج حيث يمثل الإسلام(۱) حتى الآن ۲۳% من مجموع السكان كما يمثل المسلمون ٢٧% في كل من غانا وفولتا العليا، لكن الإسلام يتمتع بأغلبية ساحقة في شمال القارة وخاصة في شرق المناطق الساحلية. ويتضح من هذا أن الدول الأفريقية الست التي يزورها البابا بالإضافة إلى جنوبي القارة هي التي تمثل الحصون المسيحية التي تقاوم المد الإسلامي في القارة.. ولكن إلى متى ستدوم هذه المقاومة؟ وما السر وراء النجاح الكبير الذي أحرزه الإسلام في القارة بينما أن الصليبيين لم يستطيعوا أن يجاوزوا أطراف الغابات الاستوائية؟... الرد على هذا السؤال يكمن في عدة كلمات: أن الإسلام أصبح جزءًا من الأصالة الأفريقية التي تدافع الحكومات الأفريقية عنها وتضرب الإدارة الكاثوليكية في بلادهم من أجلها. ومما يثير السخرية هو أن كثيرا من الأسر المسلمة في ساحل العاج تسجل أبناءها في المدارس الكاثوليكية ليس من أجل أن يتدينوا بالمسيحية. ولكن لأن تلك المدارس توفر خدمات ثقافية أكثر جدية من غيرها في البلاد.
الماركسية من ضمن التيارات المعادية للكنيسة في أفريقيا وكذلك كثرة الطوائف المسيحية:
الماركسية أيضا أصبحت عقبة أمام الكنيسة في أفريقيا، فقد أصبحت مذهبًا سياسيًا له سحره الفعال على كثير من زعماء القارة وإن كان بعضهم يحاولون أن يضيفوا إليه من التقاليد الأفريقية لإظهار وطنيتهم أمام شعوبهم. ومن مشاكل الكنيسة في أفريقيا كثرة الطوائف الدينية حيث يوجد منها ما يربو على خمسة آلاف طائفة على مستوى القارة.
أمام هذه التحديات كلها لا تملك الكنيسة إلا ورقة رابحة واحدة وهي: أن تنشر دعوتها الروحية في أفريقيا دون التعرض لإنكار تقاليد شعوبها أو ترفض متطلبات العصر الحديث.
فالمسيحيون العلمانيون في القارة يسعون الآن لإقامة مجتمعات أساسية لهم، فهم موجودون في كينيا وفولتا العليا والكونغو وكثير من الدول الأفريقية حيث أصبحوا قساوسة لا يهتمون بأداء الطقوس الدينية ويطالبون بإسناد مناصب دينية إلى المتزوجين. وكما هو مطلب ملح في أفريقيا فإنه كذلك مطلوب في أمريكا اللاتينية. وهو ما دفع الكاردينال مالولا أسقف كينشاسا إلى تعيين رجال متزوجين في مناصب دينية في أسقفيته أما البابا جان بول الثاني فما زال يعارض ذلك، ولكنه ربما يميل إلى تغيير موقفه عندما يرى بنفسه الدور الذي يلعبه هؤلاء المبشرون المتطورون في أفريقيا.
(1)النسب المئوية المذكورة في المقال لتحديد عدد المسلمين في دول أفريقيا ليست دقيقة. فالإحصاءات الحديثة تشير إلى نسب أكبر بالنسبة لعدد المسلمين في الدول المذكورة.