العنوان الاهتمام بالسنن الكونية الشرعية (٧)
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1988
مشاهدات 69
نشر في العدد 865
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 03-مايو-1988
في الحلقة
السابقة حدثنا فضيلة الشيخ جاسم مهلهل الياسين عن الاهتمام بالسنن الكونية الشرعية
"الأسلوب الثالث"، واليوم يتابع فضيلته بقية الحديث عن الأسلوب الثالث.
قال المهلب بن
أبي صفرة: "يعجبني من الرجل الكريم خصلتان: يعجبني أن أرى عقل الرجل الكريم
زائدًا على لسانه، ولا يعجبني أن أرى لسانه زائدًا على عقله" (11)، فيستفيد
من الخصال الجيدة في كل نموذج من النماذج البشرية؛ فيكون فيه من الساسة دهاؤهم،
ومن القادة قوتهم، ومن العلماء حججهم، ومن الزهاد روحانياتهم، ومن الرياضيين
حماسهم، ومن الفلاسفة مقاييسهم، ومن الخطباء لبَاقتهم، ومن الكتاب رصانتهم.
فاستخدام العقل هو الطريق لعدم الوقوع في المنزلقات، قال ابن سماك: "ومن لم
يتحرز من عقله بعقله، هلك من قبل عقله" (12)، وقال ابن هبيرة: "احذروا
مصارع العقول عند التهاب الشهوات" (13).
(2) مثل أعلى
خاطئ + طريقة خاطئة في البناء يساوي ضياعًا في الدنيا والآخرة، ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا
وَالآخِرَةَ﴾ (الحج:11).
(4) مثل أعلى
صحيح + طريقة خاطئة في البناء يساوي تناقصًا وعجزًا.
(4) مثل خاطئ +
طريقة صحيحة للبناء يساوي بناءً كبيرًا لغير صالح الإنسانية.
وهذا يستلزم
الانتباه الدائم، قال شاعرنا:
كفاك مذكِّرًا
وجهي بأمري***وحسبي أن أراك وأن تراني
وكذلك ينبغي
التعلم وقراءة الكتب؛ فإن بها أدبًا وعلمًا قيده العلماء من قبل.
الشرط الثاني:
شعور الإنسان أنه يملك شيئًا يمكن أن يقدمه للآخرين:
من القواعد
المقررة أنه إذا أردت إبطال جهد إنسان وإيقافه عن أي عمل، ما عليك إلا أن تقنعه
بعدم جدوى هذا العمل، فبمجرد أن يقتنع الإنسان بعدم جدوى عمله سيكف عن نشاطه،
ويتوقف عن العمل. وبهذا يقول الإمام حسن البنا - رحمه الله: "مبدؤكم الأول
أنفسكم؛ فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإذا أخفقتم في جهادكم كنتم عما
سواها أعجز، فجربوا الكفاح معها أولًا" (14). فإذا أقنع الإنسان نفسه أنه
يستطيع أن يقدم للآخرين شيئًا كانت هذه هي الخطوة الأولى التي يتحرك منها. قال عبد
الله بن عثمان شيخ الإمام البخاري: "ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي،
فإذا تم وإلا قمت له بمالي، فإذا تم، وإلا استعنت له بالإخوان، فإن تم وإلا استعنت
له بالسلطان" (15). وهذا الأمر توفيق من الله - تعالى.
فعن ابن عمر -
رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "إن لله تعالى
أقوامًا اختصهم بالنعم لمنافع العباد ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها الله منهم،
وحولها إلى غيرهم" (16). وبهذا قال علي بن أبي طالب: "المؤمن حسن
المعونة قليل المؤونة" (17). وهذا التحرك آتٍ من القوة التي أنت مؤمن بها،
قال الرافعي - رحمه الله: "إذا آمنت لم تعد بمقدار نفسك، ولكن بمقدار القوة
التي أنت بها مؤمن" (18). فالمسلم لا يضع نفسه في الظلام، والضياء من حوله
كثير وافر؛ فإنه سينسى تدريجيًا أن هناك ثمة ضياء؛ فتهون نفسه عليه، ويصدق فيه قول
المتنبي:
من يهن يسهل
الهوان عليه***ما لجرح بميت إيلام
وسيرتعد من خزي
يوم يسأله - صلى الله عليه وسلم: "قد أخذت منا كلمة الحق، فلماذا لم تسلمها
إلى الخلق" (19). والخير الذي يملكه المسلم لا مانع ولا حاجب دون تسليمه
للآخرين. وهذا الذي ذكرنا من فقه عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - حين استعمل
"ميمون بن مهران" على الجزيرة وعلى قضائها وعلى خراجها، فمكث حينًا ثم
كتب إلى عمر يستعفيه عن ذلك، وقال معتذرًا: "كلفتني ما لا أطيق، أقضي بين
الناس وأنا شيخ كبير ضعيف رقيق". فكتب إليه عمر: "أجب من الخراج الطيب،
واقضِ بما استبان لك، فإذا التبس عليك أمر فادفعه إليَّ، فإن الناس لو كان إذا كبر
عليهم أمر تركوه ما قام لهم دين" (20). نعم، فمعاملة الرجل بأحسن مما يستحق
لمن أفضل الوسائل لكسب ثقته، ودفعه إلى العمل والتضحية.
فالمرء يندفع
إلى تحسين نفسه واستغلال كافة قواه في العمل إذا ما شعر بأنه مفهوم ومُشَجَّع من
رؤسائه (21). والقائد شعوره بما عنده يجعل له نظرة خاصة، فهذا رجل يقول للعباس بن
محمد بن علي بن عبد الله بن العباس: "إني أتيتك في حاجة صغيرة"، فقال
له: "اطلب لها رجلًا صغيرًا" (22). وهو هنا لا يدعي، بل هي الحقيقة،
فكما قيل: "كل منا يصف أواني بيته، ورب البيت أدرى بما فيه، وأهل مكة أدرى
بشعابها، والصيرفي أعرف بنقد الدينار" (23)، فهو لا يقل ما لا يعلم فيُتهم
فيما يعلم، والقائد بهذا يُحسن منه ما قد لا يُحسن من غيره.
قال الأمير محمد
المهدي أمير السعديين في المغرب: "ينبغي للملك أن يكون طويل الأمل، فإن الأمل
- وإن كان لا يحسن من غيره - فهو منه صالح؛ لأن الرعية تصلح بطول أمله" (24).
فإذا ما استقر ذلك في نفس القائد علم أن كل حركة يقوم بها له فيها أجر. وهذا الفهم
أصله الإمام الشعبي حين قال: "لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن
ليسمع كلمة ينتفع بها فيما يستقبل من عمره، ما رأيت أن سفره قد ضاع" (25).
والناس في هذا الأمر ينقسمون إلى:
القسم الأول:
قسم أصابه اليأس من أن يكون هناك شيء يقدمه الإسلام للناس، لذلك لا يخطر له رجاء
في عودة الحياة الإسلامية بجهد بشري.
القسم الثاني:
قسم يمدح الإسلام، وينسب له كل الألفاظ الجميلة من غير أن يتحرك للعمل، ويطمئن
نفسه بأن المسلمين ليسوا محاطين بشيء من الأخطار، فهو يكرر دائمًا القول الشائع:
"أمة محمد بخير".. ويعيش في الأماني فيضل الطريق، كما قال بعض الحكماء:
"أسوأ الناس حالًا من اتسعت أمنيته، وضاقت مقدرته، وبعدت همته".
القسم الثالث:
قسم وسط في ذلك، فهو كاللبن الذي يخرج من بين فرث ودم، وهم الدعاة العاملون الذين
يعرفون ما يحيط بهم من مكر الليل والنهار، ووعاة لحقيقة المعركة وطبيعة الصراع بين
الحق والباطل، وهم مع ذلك يستيقنون بأن النصر آتٍ لا محالة، إن لم يكن في عهدهم
ففيمن يأتي من بعدهم؛ فالله - سبحانه وتعالى - متم نوره ولو كره الكافرون، وقد كتب
- جل وعلا - أنه غالب وناصر جنده ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِيۤ
إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز﴾ (المجادلة:21).
ولكن هذا النصر
قدر الله - سبحانه - أنه ينتصر بالجهد البشري والتفاعل مع السنن الكونية، فالمسلم
عنده اليقين بأن دور الإنسان في الحياة هو التغيير لخلافة الأرض لقوله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ﴾
(البقرة:30)، فآيات القرآن الكريم صريحة في إعطاء دور التغيير للإنسان، فالحضارة
الإسلامية هي حضارة إنسانية، تعتمد على حركة الإنسان، مهتدية بتوجيهات وهداية الله
الخالق العظيم، ومن ثم كان إنشاء وصياغة الأخ القائد المبدع أمرًا يأخذ الأولوية
في البناء الإسلامي.
يتبع
الهوامش
(11) تاريخ
بغداد (9/300).
(12) تاريخ
بغداد (8/8).
(13) الذيل على
طبقات الحنابلة (1/275).
(14) للإمام حسن
البنا ص 3.
(15) الآداب
الشرعية والمنح المرعية لأبي عبد الله محمد بن مفلح الحنبلي 189.
(16) رواه
الإمام أحمد.
(17) الفوائد ص
140.
(18) وحي القلم
للرافعي ص 38.
(19) محمد
إقبال، سيرته وفلسفته وشعره، لعبد الوهاب عزام 156.
(20) البداية
والنهاية 9/317.
(21) لمحات في
فن القيادة ص 79.
(22) تاريخ
بغداد (12/125).
(23) النبوغ
المغربي في الأدب العربي لعبد الله كنون (2/89).
(24) نفس المصدر
1/245، وهذا ما يسمى اليوم بالنظرة البعيدة الاستراتيجية.
(25) بهجة
المجالس وأنس المجالس لابن عبد البر 1/370.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل