; الاهتمام البريطاني بالإسلام.. أبعاده ومظاهره ومسئولياته | مجلة المجتمع

العنوان الاهتمام البريطاني بالإسلام.. أبعاده ومظاهره ومسئولياته

الكاتب فهد العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1994

مشاهدات 83

نشر في العدد 1092

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 15-مارس-1994

اهتمام الغرب بالإسلام ليس طارئًا بحيث نراه ونلمسه وكأنه يظهر لأول مرة، ولكنه اهتمام قديم وممتد عبر التاريخ، ويتمثل في جهات عديدة بحيث تعتبر المؤسسات الاستشراقية، والجامعات والمراكز المتخصصة مجرد أجزاء ظاهرة منها. ولقد زاد هذا الاهتمام على المستوى الدولي في الآونة الأخيرة لعدة أسباب ومتغيرات سياسية واقتصادية؛ أهمها سقوط أحد قطبي الموازنة العالمية "الاتحاد السوفيتي" وظهور جمهوريات وولايات ودول إسلامية كاملة كانت مسحوقة تحت حذاء الشيوعية الحمراء.

بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة منها اشتداد وطأة الصحوة الإسلامية على النظم الديكتاتورية وازدياد وعي الإسلاميين بصورة عامة في كيفية التعامل مع واقع حكوماتها من خلال القنوات الشرعية الموضوعة. من جانب آخر، وفيما يخص اتصال الغرب المباشر بالإسلام، كان للحركات العنصرية والنازية التي انطلقت من ألمانيا وفرنسا ومؤخرًا بريطانيا الأثر الكبير في تجميع قوى الجاليات الإسلامية وإعادة ترتيب أولوياتها من جديد بما يتناسب وتحديات المرحلة.

مظاهر الاهتمام

وقد برز الاهتمام البريطاني خاصة على وجهين أساسيين؛ يتمثل أحدهما في الصحف حيث تناولت صحف مثل "التايمز" أو "الديلي ميل" أوضاع الجالية الإسلامية ومستقبل وجودها وأثرها في أوروبا، وأحداثاً داخلية أخرى، فضلاً عن الحديث عن طبيعة ونوعية العلاقة بين الإسلام والغرب. ومن هذه الحوادث قضية سلمان رشدي، ومحاولة جماعة عنصرية قتل الشاب البنغالي "قدوس"، وبعض التصريحات السلبية واللامسؤولة من جهات البرلمان الإسلامي المتمركز في مدينة «برادفورد»، بالإضافة إلى حرب الخليج وإفرازاتها السياسية والاجتماعية على الساحة.

وكان للإعلام المرئي أيضًا دوره الفاعل في هذا المجال من حيث نجاحه أو إخفاقه في تقديم الصورة الصحيحة عن أوضاع الجالية في البلد؛ فقد عرضت إحدى القنوات البريطانية فيلمًا جديدًا قدمت من خلاله أسوأ صورة لما يمكن أن يكون عليه المسلم، في صورة إنسان منافق ودجال وصاحب هوى ولا يتورع عن فعل الحرام متى سنحت له الفرصة. والعجيب أن أحداً من الجالية على مستواها القيادي أو السياسي لم يتحرك بالتنديد أو الاستنكار عبر قنوات الرأي المعروفة، وذلك في مقابل التحركات اليهودية الناشطة فيما لو تعرض أحد للسامية بنقد أو بسوء.

ومن مدة لأخرى تعرض البرامج التلفزيونية حقائق أو أكاذيب عن الجالية أو الإسلام. وفي الوقت الحالي يعرض التلفزيون البريطاني برنامجًا طويلاً «على ثلاث حلقات» عن علاقة الإسلام بالغرب بعنوان: «من بيروت إلى البوسنة» من تقديم روبرت فيسك، كاتب صحيفة "الإندبندنت" المعروف والخبير بشؤون الشرق الأوسط.

وهناك وجه آخر لهذا الاهتمام ويتمثل في مختلف المستويات السياسية؛ ففي 27 أكتوبر الماضي ألقى ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز كلمة مطولة «21 صفحة» عن الإسلام وعلاقته بالغرب، وأثنى على جهود الجالية الرامية لإثراء حضارة أوروبا من خلال مثقفيها وعلمائها كما كان عهدها في السابق مع الحضارة العباسية، وطالب بفهم صحيح للإسلام منتقداً السياسة الإعلامية الغربية تجاه المسلمين في محاولة غير شريفة لتشويه صورتهم. ولقد لقيت الكلمة صداها الإيجابي في مناطق العالم الإسلامي، واعتبرتها الجالية كلمة حق وإنصاف من فاه من قد يكون ملك بريطانيا مستقبلاً.

وقد حدث ذات الشيء عندما ألقت السيدة ماري روبنسون رئيسة أيرلندا كلمتها القصيرة وهي تفتح أول مدرسة إسلامية حكومية في دبلن، نوهت فيها بعطاء الحضارة الإسلامية للعالم في مجالات العلوم والطب والفلسفة. غير أن الاهتمام السياسي جاء بإفرازات سلبية كذلك ظهرت في تصريحات النائب البريطاني "تشرشل" من حزب المحافظين، وبادي أشداون رئيس حزب الأحرار، بالإضافة للتصريحات العدوانية للحزب البريطاني «BNP» المناهضة للوجود الإسلامي من أساسه.

وجاء النشاط الإسلامي في الغرب ليعكس صورة هذا الاهتمام؛ ففي 17 سبتمبر من الشهر الماضي أقام المجلس الإسلامي العالمي في بريطانيا مؤتمره الثاني بعنوان «الإسلام والغرب»، شارك فيه عدة علماء ورموز ثقافية من دول عربية وأوروبية، وقدمت فيه عدة أوراق ومباحث تبحث علاقة الإسلام بالغرب وتستشرف مستقبل الجالية والأجيال الناشئة في الغربة. كما أقامت جمعية الطلبة المسلمين «MSS» مؤتمرها الشتوي لهذا العام بعنوان «الإسلام والغرب... نحو منهجية لبناء حضاري».

سر جاذبية الإسلام

ويتمثل هذا الاهتمام البريطاني بالإسلام على مستواه الاجتماعي، وذلك من خلال تزايد الإنجليز الذين يدخلون في الإسلام، حتى إن "روز كندريك" وهي من المختصين بالدراسات الدينية ومؤلفة كتاب «الطريق إلى القرآن» قالت إنها لا تستبعد أن يضاهي عدد المتحولين إلى الإسلام بعد 20 سنة من الآن عدد الجالية الإسلامية حاليًا وأكثر، حيث تبلغ الجالية مليوني مسلم.

ويرى المراقبون أن قوة الإسلام وأسباب انتشاره في أوروبا وأمريكا تكمن في عالميته وعدم اقتصاره على فئة أو جماعة دون الأخرى، فقد تراوح عدد الذين أسلموا من الإنجليز -وأغلبيتهم من النساء- من 10 آلاف إلى 20 ألفًا وبفئة عمرية تتراوح من 20 إلى 50 سنة. ويعزى بعضهم هذا التحول إلى عدة عوامل؛ بعضها سياسي كحرب الخليج وقضية البوسنة، وداخلي كقضية سلمان رشدي والاعتداءات العنصرية، وبعضها اجتماعي كانتشار المخدرات والمسكرات وانهدام بنية المجتمع الإنجليزي الأساسية وتحطم كيان الأسرة، بالإضافة إلى الانقسام الملحوظ بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستانتية. وتتراكم هذه العوامل في مجملها لتشكل مشاعر إعجاب بتعاليم الإسلام الخاصة باحترام الوالدين والأسرة واحترام العقل والنفس، إضافة إلى النظرة الشمولية لمختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية.

إن التغيرات العديدة الطارئة أفرزتها ظروف معينة، بعضها إيجابي وبعضها الآخر سلبي، تفرض على الجالية الإسلامية في الغرب عمومًا وبريطانيا خاصة انتهاج سياسة مغايرة أساسها فتح قنوات الاتصال ومد جسور التفاهم مع المخلصين من الشعوب الغربية، بديلاً عن الانكماش والانطواء في زوايا ضيقة تمهيداً لغياب دائم عن الساحة وعن الدور المناط بالمسلمين كدعاة إلى الحق والخير، وهذا بحد ذاته لا يتأتى إلا من خلال توحيد الصفوف الداخلية، وتجميع الطاقات الفاعلة، وحل المشاكل والخلافات الموجودة، مع اعتماد سياسة التوفيق وتعدد الآراء بديلاً عن اعتماد السياسات الدكتاتورية في قمع وجهات النظر أو الأخرى الجاهلية في التنازع والمقاطعة.

 

الرابط المختصر :