العنوان الانهيار المالي في أمريكا.. والمؤامرة على الأموال العربية!
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2008
مشاهدات 48
نشر في العدد 1825
نشر في الصفحة 25
السبت 01-نوفمبر-2008
هل دبرت «واشنطن» الأزمة المالية للاستيلاء عليها؟!
مؤسستا «سيتي بنك» و«ميريل لينش» الأمريكيتان أعلنتا إفلاسهما رغم ضخ صناديق ثروة سيادية آسيوية وخليجية فيهما تبلغ ۲۰ مليار دولار! الإمبراطورية الرأسمالية تتبخر
تقريران استراتيجيان أمريكيان صدرا قبل ثلاثة أشهر من الكارثة.. حذرا من تأثير رأس المال العربي على اقتصاد وسياسة أمريكا والغرب مستقبلا !
القانون الأمريكي لا يعطي المودعين والمستثمرين الأجانب الحق في المطالبة بأي تعويضات من البنوك والمؤسسات المفلسة !
إدارة بوش خالفت الأسس النقدية بطباعة كميات ضخمة من الدولارات اعتمادا على أن الاقتصاد العالمي المرتبط بالدولار سيتحمل نتائج ذلك !
«كيسنجر» قبل الانهيار بأسبوعين: احذروا أموال العرب في صناديق الثروة السيادية لأنها ستسيطر على السياسة الأمريكية!
مثلما شرع كثيرون في التشكيك فيمن يقف وراء تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١م، وقالوا: إنها ربّما كانت بسبب براعة التخطيط والدقة والتراخي الاستخباري الأمريكي، مؤامرة أمريكية صهيونية تستهدف فتح الباب لحرب ضروس ضد الإسلام الذي بدأ ينتشر في العالم، ويُوصف بأنه العدو الأول للرأسمالية والإمبراطورية الأمريكية.. تصاعد الجدل مؤخرا في بعض المنتديات حول ما إذا كانت أزمة الانهيار المالي في الولايات المتحدة «مؤامرة» بدورها للاستيلاء على الأموال العربية المودعة في مصارفها!
قد يرفض الكثيرون فكرة هذا التحليل؛ لأنه يقوم على «نظرية المؤامرة» المرفوضة، وسيقولون: إنه ليس من المعقول أو المنطقي أن تتورّط أمريكا في هدم مصارفها الكبرى، وتعريض اقتصادها للخطر لمجرد الاستيلاء على بضعة مليارات من الدولارات النفطية العربية المستثمرة في مؤسساتها البنكية والمالية.. بل وسيقولون: إنه لا يوجد دليل ملموس على صحة هذا الأمر، وإن القول به مثل القول: إن اليهود هم مَنْ دمّروا برجي مركز التجارة العالمي في «نيويورك» لتأجيج العداء ضد العرب والمسلمين، والذي لا يوجد دليل عليه أيضا!
وقبل أن أشرح لماذا هذه الهواجس المتعلقة باحتمالات أن تكون أزمة الانهيار المالي في أمريكا «مدبَّرة»، وأنها ربما تكون جزءا من مخطط استعماري غربي لضرب الثروات النفطية العربية، والاستيلاء على ما حصل عليه العرب من الغرب في صورة أموال نفطية نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار النفط مؤخّرًا، أوضح الحقائق التالية:
أولًا: أن هناك أزمة طاحنة في الاقتصاد الأمريكي والرأسمالي عمومًا، وعجزًا ضخمًا في الميزانية الأمريكية نتيجة الإنفاق الضخم لإدارة «بوش» على الخطط الأمنية التي أعقبت تفجيرات ١١ سبتمبر، وعلى حربي «العراق»، و«أفغانستان» اللتين بلغت تكاليفهما ٣ تريليونات دولار.
ثانيًا: أن اقتصاد الولايات المتحدة الربوي يعاني منذ ثلاث سنوات من أزمات اقتصادية متتالية؛ أبرزها أزمة المضاربات على شركات المعلومات والإنترنت، ثم أزمة أسعار العقارات التي انهارت بسبب عجز ملايين الأمريكيين عن دفع أقساط العقارات، حتى أن مشهد حرق الأمريكيين لشققهم أو اقتلاع محتويات الحمامات وتخريب المطابخ قبل تركها للبنوك بسبب الإفلاس كان مشهدًا متكرّرًا في الفضائيات الأمريكية.
ثالثًا: أن الولايات المتحدة وصل بها العجز حد التفكير جديًا في الانسحاب من أفغانستان والعراق، ليس فقط تحت وطأة ضربات المقاومة والخسائر البشرية وفشل ما سُمِّي «الحرب على الإرهاب»، ولكن بسبب العجز عن توفير نفقات إضافية لهذه القوات.
رابعًا: أن الاقتصاد الأمريكي بشكل عام متهالك، وأن انهيار البنوك وشركات التأمين مؤخرًا جاء بعد سلسلة من قضايا الفساد والرشوة، فَقبل حوالي خمس سنوات ظهرت قضايا فساد وإفلاس عديدة لشركات كبرى مثل: «إنرون»، و«وورلد كوم»، و«يونايتد إير لاينز»، وغيرها من الشركات العملاقة التي تشكل عصب الاقتصاد الأمريكي.
خامسا: قبل الانهيار المالي الأخير بثلاثة أشهر(!)، صدر تقريران إستراتيجيان أمريكيان في يونيو ٢٠٠٨م (في وقت واحد تقريبا) يحذران من تأثير رأس المال العربي أو ما يُسمَّى "صناديق الأجيال"، أو "صناديق الثروة السيادية" Sovereign Wealth Funds ، التي يسيطر على أغلبها رأس المال الخليجي الناتج عن النفط، على الاقتصاد الأمريكي والغربي مستقبلاً، ويحذران من تحوّل دفة السياسة في العالم مستقبلاً لخدمة مصالح عربية بفعل هذا التأثير الاقتصادي، لو رغبت هذه الدول النفطية.. التقرير الأوّل أعده "ريتشارد هاس" مسؤول التخطيط السابق بوزارة الخارجية الأمريكية، وصاحب مشروع نشر الديمقراطية بالقوة في العالم العربي والإسلامي تحت عنوان "عالم بلا أقطاب" The Age Of Nonpolarity ونشر في عدد (مايو/ يونيو (٢٠٠٨م) من مجلة "شؤون خارجية" Foreign Affairs.. والتقرير الثاني نشره "دانييل دريزنر"؛ الأستاذ المساعد للسياسات العالمية بكلية "فليتشر" Fletcher Schoolفي مجلةThe American(عدد مايو يونيو ۲۰۰۸م) تحت عنوان "السيادات قادمة"The Sovereigns Are Coming ، وركز فيه على أنّ عصر سيطرة هذه الصناديق السيادية العربية قادم بسبب تضخم أموال هذه الصناديق التي تمتلكها "حكومات"!
سادسا: أن الثعلب الأمريكي "هنري كيسنجر"؛ وزير الخارجية الأسبق، كتب مقالًا في صحيفة "إنترناشيونال هيرالد تريبيون" يوم ١٩ سبتمبر ۲۰۰۸م - بالتعاون مع البروفيسور "مارتن فيلدشتاين"؛ أستاذ الاقتصاد بجامعة "هارفارد"، وكبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي الأسبق "رونالد ريجان"- يحذر فيه من تكدس أموال النفط في الخليج، ومن صناديق الثروة الخليجية، ويدعو الغرب إلى تقليص قدرة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)؛ حتى لا يتحوّل التأثير من اقتصادي إلى سياسي... وقال: إن ارتفاع أسعار النفط أدى إلى انتقال الثروات من منطقة إلى أخرى في العالم، حتى أن دول "أوبك" ستحصل خلال العام الحالي (۲۰۰۸م) فقط على تريليون (ألف مليار) دولار، الأمر الذي قد تكون له آثار سياسية مستقبلية.
تفاصيل المؤامرة
الاتّهام الرئيس الذي نوجهه هنا يتعلق بما يمكن تسميته «خطة أمريكية محكمة» (للأصابع الصهيونية دور فيها) تستهدف التفليس العمدي لبعض البنوك والشركات (خصوصاً تلك التي تتركز فيها الاستثمارات العربية النفطية والآسيوية) لابتلاع هذه الأموال (لأنه لا توجد ضمانات لمن يضعون أموالهم في المؤسسات المفلسة باستعادتها) بهدف الاستيلاء على أموال «صناديق الثروة السيادية العربية» التي تضعها الحكومات في البنوك والشركات والمؤسسات الأمريكية الصناعية.
فهذه الانهيارات المفتعلة للبنوك والشركات الأمريكية تستهدف، ليس فقط أكثر من تريليون دولار من أموال صناديق الثروة السيادية العربية، وإنما مثلها وأكثر من أموال صناديق الثروة السيادية الآسيوية واللاتينية (لدول مثل: الصين، واليابان، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، والبرازيل) المستثمرة في المؤسسات المالية، والتي تُعد ديونًا على الاقتصاد الأمريكي ستعود لبلادها هي وأرباحها الخيالية، وهو ما لا يريده صانع القرار الأمريكي، ليس فقط لأن الاقتصاد الأمريكى المتهالك لا يحتمل أخطار سحب هذه الأموال الطائلة، ولا يستطيع دفع أرباح هذه الأموال الباهظة للخارج، وإنما أيضا لأهداف سياسية تتعلق بإنقاذ الإمبراطورية الأمريكية الرأسمالية من الإفلاس والانهيار الاقتصادي والسياسي معاً، ولن يستطيع المستثمرون الأجانب هنا أخذ أي تعويض من المؤسسات المفلسة بموجب (11Chapter) الذي يحمي المؤسسات المفلسة من الدائنين، ولا يرتب أي حقوق لأصحاب الإيداعات على من يشترون هذه الشركات أو البنوك من المستثمرين الأمريكيين الآخرين!
ولإدراك خُبث وأخطار هذه المؤامرة نشير إلى أن السياسة الاقتصادية الأمريكية سعت في عهد «جورج بوش» الابن، لاتّباع نظام طباعة الأوراق النقدية «البنكنوت» (الدولارات) بدون أسس نقدية سليمة، أي بدون إنتاج حقيقي مقابل اعتماداً على أن اقتصاد العالم (وخصوصا دول الخليج النفطية) مرتبط بالدولار صعودًا وهبوطًا، وهو الذي يتحمّل نتائج ذلك، وبالتالي زاد التوسع في الإصدار النقدي دون غطاء حقيقي من الإنتاج؛ لتحقق للولايات المتحدة ثراءً مستلبا من باقي بلدان العالم.. وإسقاط هذه «التريليونات» العربية والآسيوية، التي دخلت في الاقتصاد الأمريكي، أهم خطوة لتخليص الاقتصاد الأمريكي من هذه الديون التي أثقلت كاهله، والتي لا يُوجد لها غطاء نقدي مماثل من «العملة الخضراء»!
شواهد على المؤامرة
ليس هناك أرقام أو إحصاءات دقيقة حول الأموال العربية المستثمرة في أمريكا، ولكن هناك بحوث اقتصادية عربية؛ تقدم أرقاماً تقريبية تقول: إن حجم هذه الأموال يتجاوز «تريليون» دولار، فيما تقدر هيئات أخرى حجم الأموال الخليجية المهاجرة في الخارج فقط بنحو «1.4» تريليون دولار.
وقد بلغت قوة «صناديق الثروة السيادية» (وهي أدوات استثمارية حكومية لدول خليجية وآسيوية ولاتينية) التي تدير أصولًا تزيد على ۲.۵ تريليون دولار (ويُتوقع أن تصل أرصدتها إلى ١٢ تريليون عام ٢٠١٥م)، حدّ أنها ضخت خلال الأشهر القليلة الماضية فقط مبلغ ٦٠ مليار دولار في البنوك التي ضربتها كارثة الرهن العقاري المفاجئة في الولايات المتحدة.. كما أن صناديق سيادية من آسيا والخليج صبّت قرابة ٢٠ مليار دولار في «سيتي بنك»، و«ميريل لينش»، وهما مؤسستان أمريكيتان أعلنتا إفلاسهما لاحقاً؛ رغم الضخ المالي فيهما من صناديق الثروة السيادية، وهي أموال عربية أصبحت في «خبر كان»!!
وتكمن أهمية صناديق الثروة السيادية في أنها تسيطر على أصول إستراتيجية أمريكية في مؤسسات مالية كبرى، مثل: «بلاك ستون»، و«يو بي إس»، و«ميريل لينش»، و«مورجان ستانلي»، و«سيتي»، مما يجعلها تتحكم في الاقتصاد الأمريكي، وربما يمكنها التأثير على السياسة الأمريكية لاحقاً، لو أرادت الدول العربية مالكة هذه الصناديق استعمال هذا السلاح (وهو ما ألمح إليه «كيسنجر»).
ورغم أنه لا توجد تقارير موثقة على الخسائر العربية (عبر صناديق الثروة السيادية) في الأزمة المالية الأمريكية الأخيرة، إلا أن المؤامرة الأمريكية للاستيلاء على أموال صناديق الثروات العربية والعالمية أيضًا (عبر خدعة إفلاس بعض البنوك والمؤسسات الأمريكية) تبدو وكأنها «إشارة تحذير» لأصحاب «صناديق الثروة الخليجية»؛ لأن عمليات الشراء المطردة التي تقوم بها الصناديق السيادية في الولايات المتحدة لشركات ومؤسسات أمريكية تثير قلقاً متزايداً بين السياسيين الأمريكيين، ومخاوف من سيطرة سياسية عربية في أمريكا، أو التحكم في شركات وصناعات حيوية؛ مثل صناعة الطائرات وغيرها!
دور صهيوني !
أما الدور الصهيوني في الأزمة، ففضلاً عن أن مَنْ يديرون هذه السياسة المالية الخبيثة في الولايات المتحدة هم من كبار اليهود الخاضعين لسيطرة اللوبي الصهيوني، فسوف نذكر هنا بعض ما قيل.. فرغم أن أحداً من العرب لم يتهم اليهود مباشرةً بالضلوع في المؤامرة، إلا أن «رابطة مكافحة التشهير» (مؤسسة أمريكية داعمة للكيان الصهيوني)، أصدرت تقريرًا زعمت فيه أنه «في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت أمريكا، ووُجهت أصابع الاتهام لليهود بالولايات المتحدة، الذين يسيطرون على جزء مهم من الاقتصاد الأمريكي، بالمسؤولية عن الانهيار الاقتصادي».
وقالت المنظمة في تقرير نشرته نهاية سبتمبر الماضي: «إن شبكة الإنترنت شهدت مؤخراً تصاعداً في الاتهامات ضد اليهود، وتحميلهم المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية».. وأورد التقرير أمثلة على تلك الاتهامات، مثل أقوال البعض في أحد المواقع الإلكترونية: «إنّ اليهود تغلغلوا في (وول ستريت)، وفي الإدارة الأمريكية، وتسببوا في خراب الدولة».. و«إنّ اليهود يحبّون المال وليس شيئا آخر».. و«إن هذا أسلوب اليهود؛ يلعبون بالأسهم، ويجنون المليارات، وبعد ذلك يلجؤون إلى دافعي الضرائب لإنقاذ المؤسسات المالية التي يملكها اليهود".
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل