العنوان الانقلاب المنتظر
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999
مشاهدات 71
نشر في العدد 1372
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 19-أكتوبر-1999
أصبح العالم يتمتع بالشفافية و«المكشوفية» إلى الحد الذي لا يستطيع فيه رئيس أركان دولة من العالم الثالث القيام بانقلاب سري مفاجئ.
فمنذ أسابيع والحديث يتردد عن أن باكستان على وشك أن تشهد انقلابًا عسكريًا، وقد دعا ذلك إلى أن يرسل المتحدث باسم الخارجية الأمريكية تحذيرًا إلى الجيش الباكستاني يوم ٢٢ سبتمبر الماضي من مغبة الضلوع في خطوة غير دستورية لإقصاء نواز شريف، ولا ندري إن كان ذلك تحذيرًا أم تنبيهًا إلى أن الطريق التي لم يسلكها الجيش منذ انقلاب ضياء الحق عام ۱۹۷۷م قد أصبحت سالكة.
وانشغل الباكستانيون بالتنديد بالإنذار الأمريكي أكثر من انشغالهم بدراسة حال الجيش الباكستاني، والتوجهات الجديدة لقادته، ونياتهم تجاه السلطة السياسية، كان قادة أركان الجيش الباكستاني قد عقدوا جلسة طارئة يوم ١٦ سبتمبر الماضي، تطرقوا فيها- لأول مرة- لقضايا سياسية صرف من قبيل: المسيرات الاحتجاجية لتحالف الأحزاب السياسية، وتحركات الجماعة الإسلامية لإجبار حكومة نواز على الاستقالة، والأوضاع السياسية المتدهورة في إقليم السند، وإضرابات التجار احتجاجًا على مساعي الحكومة لفرض ضرائب جديدة تحت ضغط صندوق النقد الدولي كشرط للإفراج عن دفعة جديدة من القروض الممنوحة لباكستان، وتحدث المجتمعون عن «معالجة سريعة قبل استفحال الأمور وبلوغها نقطة اللاعودة».
وقبل هذا الاجتماع كان الجيش موضوع حملة صحفية واسعة، إثر تصريح لوكيل الخارجية الباكستاني نياز نايج يتهم الجيش بانه أفسد تسوية سلمية مع الهند بشان كشمير بتعجله بدء العمليات العسكرية على مرتفعات كارجيل على الحدود الفاصلة بين شطري كشمير.
يضاف إلى ذلك أن نواز شريف لم يبد الشجاعة الكافية للمضي قدمًا على الطريق النووية التي شقتها باكستان العام الماضي، فقد وعد بالتوقيع على معاهدة حظر التجارب النووية من جانب واحد، أي دون اشتراط توقيع الهند على المعاهدة ذاتها، كما أنه وجه جزءًا كبيرًا من ميزانية البلاد تجاه مشروعات يتردد أنه يحقق من ورائها منافع مادية له ولأسرته «سبق اتهامه في صفقة تاكسيات الـ «يلوكاب في الوزارة السابقة»، وذلك على حساب مشروعات التسليح.
باختصار وجد الجيش أن أوراق «الزهرة النووية» التي سقاها بجهده حتى أينعت قد بدأت في التساقط أمام ناظريه، بعد أن جفف نواز شريف تربتها، وأنه يلاقي من نواز جزاء سنمار، فلا هو حقق أهدافه العسكرية في كشمير، ولا احتفظ بسمعته الطيبة ومكانته العالية عند الشعب.
أما اللحظة الحاسمة للتحرك فقد حانت حين تجاوز شريف كل الخطوط، وعزل قائد الجيش في أثناء غيابه خارج البلاد، ودون استشارة أركان الجيش، فكان أن أخذ شريف في اليوم الذي ظن أنه قد استكمل كل عناصر القوة والسلطة، وكان قبل ذلك قد حجم سلطات رئيس الجمهورية والمحكمة الدستورية العليا والبرلمان.
لا نقول ما سبق من باب تأييد الانقلاب العسكري.. فقد عانت بلاد العرب والمسلمين والعالم الثالث بوجه عام الأمرين من الانقلابات العسكرية حتى أصبحت مبغوضة إلى أبعد حد، كما أن حكومة نواز كانت حكومة منتخبة من الشعب، ومن حقها أن تحكم حتى وإن كان هناك العديد من المآخذ على الديمقراطية الصورية التي تُجرى بها الانتخابات الباكستانية، حيث لا يملك معظم الناخبين قرارهم عند التصويت، ثم إن السلطة التي تأتي عبر الانقلاب يمكن أن تذهب في انقلاب آخر، وهكذا تصبح البلاد مسرحًا مفتوحًا للعمليات.
نقول: إن ما سبق ليس تبريرًا للانقلاب بقدر ما هو تحليل للأسباب التي دفعت إليه، وقبل عام بالضبط دعا رئيس الأركان الباكستاني السابق جيهانجير كرامت إلى تقاسم السلطة بين الجيش والحكومة عبر تشكيل مجلس للأمن القومي، فوجد الجنرال نفسه معزولاً من منصبه بقرار من نواز شريف، واليوم يجد نواز نفسه معزولاً بقرار من قيادة الجيش، وهذا يعني أن العلاقة بين الطرفين لم تستقر، وأن ميزان القوى لا يزال متأرجحًا.
إلى متى يبقى الانقلابيون في السلطة؟
لم تشهد العشرية الأخيرة من القرن الميلادي الذي يؤذن بالرحيل انقلابًا عسكريًا في دولة بحجم باكستان، وتقلصت أخبار الانقلابات العسكرية حتى كاد الناس يسقطون هذا الاحتمال من أذهانهم.. وباكستان في وسط آسيا لیست سيراليون في غرب إفريقيا، أو أفغانستان المجاورة، لذا، فإنه من غير المرجح أن يحظى الانقلابيون باعتراف داخلي ودولي، يمكنهم من الاستمرار في السلطة، ولعلهم لا يطمحون إلى ذلك إدراكًا منهم لطبيعة المرحلة، وهنا يمكن أن تلتقي إرادة الجيش مع إرادة بعض احزاب المعارضة التي تطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وذلك بالتعاون على وضع نظام عام جديد يمنع أمثال نواز من الاستبداد بالسلطة، ويمنع الجيش من الانقلاب عليها.