العنوان الانقلاب العسكري في الميزان الفقهي
الكاتب د. مسعود صبري
تاريخ النشر الجمعة 01-نوفمبر-2013
مشاهدات 3
نشر في العدد 2065
نشر في الصفحة 66
الجمعة 01-نوفمبر-2013
يعد الانقلاب العسكري على الرئيس «د. محمد مرسي»، أول رئيس ينتخبه الشعب المصري منذ ثورة 1952 م من الحوادث النازلة ليس في حياة المصريين فحسب، بل في حياة المسلمين في واقعنا المعاصر.
ولقد صاحب هذا الانقلاب على الرئيس المنتخب بعض الشبهات، ومما زادها محاولة إضفاء الرؤية الفقهية عليها حين خرج من يتولى منصب شيخ الأزهر د. أحمد الطيب ليفتي بجواز ذلك الانقلاب؛ استنادًا إلى قاعدة «العمل بأخف الضررين»، وهو الذي كان أفتى بحرمة خروج الشعب المصري على الرئيس المخلوع «محمد حسني مبارك»، والذي جاء إلى الحكم عن طريق انتخابات مزورة في الغالب طيلة بقائه رئيسًا لمصر.
كما صحب ذلك خروج طوائف من المعارضين لفكرة الحكم الإسلامي في مصر، وأن مصر دولة يجب أن تحكم بناء على الفكر الليبرالي، والعجيب في هذا أن ينادي بذلك عدد من المفكرين ممن يدين أغلبهم بالإسلام، بل أعلن حزب «النور» الذي كان يمثل التيار السلفي أنه مع هذا الانقلاب على الرئيس المنتخب، رغم أنهم كانوا -أيضًا- يفتون بحرمة الخروج على الحاكم «حسني مبارك»، رغم علمهم بأنه حاكم فاسق؛ لم يحكم يومًا بشريعة الله تعالى، فإذا بهم يفتنون بالخروج على الحاكم الشرعي المنتخب من قبل جموع الشعب المصري.
وكان لموقف من تولى مشيخة الأزهر د . أحمد الطيب وموقف حزب «النور» الذي يعد من الأحزاب الإسلامية أمام عموم الناس، كان لهذين الموقفين ما أحدث لغطًا عند طوائف من عوام الناس، خاصة حين يساند رأس الأزهر الانقلاب على الرئيس المنتخب، متحالفًا مع من لا يؤمن بالمرجعية الإسلامية في الحكم!
وقد كان لمثل هذه المواقف من شيخ الأزهر أحمد الطيب، وحزب «النور»، وبعض علماء الأزهر الرسميين الذين لهم موالاة للنظام السابق بـ«الحزب الوطني» المنحل والرئيس الأسبق «حسني مبارك» ما جعل كثيرا من علماء مصر وعلماء الأمة أن يقوموا ببيان الحكم الشرعي في هذا الانقلاب العسكري.
فتوى القرضاوي وعلماء مصر
وكان على رأس هؤلاء سماحة فضيلة العالم الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؛ إذ أفتى بحرمة الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب بمصر، ووجوب إعادته إلى مكانه الشرعي، مستندا إلى أن الانقلاب على الرئيس المنتخب «د. مرسي» خطأ من الناحية الشرعية، وأن شيخ الأزهر أحمد الطيب مخطئ في تأييده للخروج على الرئيس الشرعي للبلاد، وهو مخالف لإجماع الأمة، ولم يستند في موقفه إلى قرآن ولا إلى سنة بل كل عالم يفهم القرآن والسنة يفتي بحرمة الخروج على الرئيس المنتخب؛ إذ انتخب الشعب رئيسهم حسب النظم الديمقراطية بانتخابات حرة نزيهة وهو عقد بين الرئيس والشعب على بقائه مدة أربع سنوات، مادام قادرًا على عمله؛ فيجب الوفاء لهذا العهد، وأنه يجب -شرعًا- على وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي ومن معه الانسحاب حفاظًا على الشرعية والديمقراطية.
الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح
وكانت الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح برئاسة الشيخ د . على السالوس أفتت بأن شريعة الله تعالى تقضي بأن الحاكم هو من انعقدت له بيعة المسلمين باختيارهم الحر، وحيث انعقدت هذه البيعة بالفعل للرئيس الحالي «د. محمد مرسي»، فإن أي منازعة للرئاسة دون الرجوع إلى الشعب الذي انتخبه تعتبر منازعة باطلة شرعًا .
ورأت أن الوقوف وراء هذا المبدأ الأصيل من السياسة الشرعية، هو واجب شرعي وطاعة لله ورسوله، ولذلك فالواجب على جموع المسلمين أن يحتشدوا في كافة ميادين مصر للدفاع عن حقوقهم كـ الشرعية والمشروعة، مع التأكيد على حرمة الخوض في الدماء والأموال بغير حق؛ والله تعالى يقول: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء:93).
علماء المملكة يفتون بحرمة الانقلاب
ولم يكن الحكم بحرمة الخروج على الرئيس المنتخب هو موقف علماء مصر وحدهم، بل شاركهم عدد من علماء العالم، على رأسهم عدد من علماء المملكة العربية السعودية.
فقد أفتى إمام الحرم المكي الشريف الشيخ سعود بحرمة الانقلاب العسكري الشريم حفظه الله الذي أطاح بالرئيس «مرسي»، وأن مستند هذا الانقلاب هو تلاعب أدعياء الديمقراطية بدلالات الألفاظ والتضليل بها، فيسمون الظلم عدلًا، والسجن حرية، والانقلاب تصحيح مسار للثورة، وأنه محض كذب، «كذبك وهو كذوب».
كما وصف فضيلة الشيخ ناصر العمر، الأمين العام لرابطة علماء المسلمين، أن ما يجري في مصر هو اعتداء على حاكم مسلم، وعزله وأعضاء حكومته بتأييد من فلول الليبراليين والنصارى، وبعض أصحاب المصالح الدنيوية الذين لا يردون حكمًا إسلاميًا، مؤكدا أن الشريعة قررت بعدم جواز الخروج على السلطان المسلم، وحرمة نزع اليد من طاعته، وأن الواجب على من قام بهذا أن يقلع عما هو عليه، وأن يعيد الحق إلى أهله، وأن يتوب إلى الله تعالى منه وأن إنكار هذا الانقلاب واجب شرعي على الأفراد والحكومات والشعوب.
كما أخرج ستة وخمسون عالمًا من علماء المملكة العربية السعودية- من بينهم السادة العلماء: محمد بن سليمان البراك، وعبد العزيز بن عبد المحسن التركي، وحسن بن صالح الحميد، وعبد العزيز محمد الفوزان وغيرهم- بيانًا يدينون فيه الانقلاب العسكري، ويرونه عملًا محرمًا ومجرمًا في شريعة الله تعالى، باعتباره خروجًا صريحًا على حاكم شرعي منتخب، وتجاوزًا واضحًا لإرادة الشعب، وأن كل ما ترتب عليه من إجراءات باطل شرعًا .
وأبدى العلماء اعتراضهم ودهشتهم من مسلك بعض الدول التي بادرت بالاعتراف بالانقلاب، مع أنه ضد إرادة الشعب المصري، وخروج على حاكم شرعي منتخب، وأشار بيانهم إلى أنه «ثبت باستقراء الأحداث والتصريحات والمواقف الإقليمية والدولية أن هذا الانقلاب قد وقع بالتواطؤ بين أطراف إقليمية ودولية، وأنه تم الإعداد له من اللحظة التي تم فيها انتخاب «مرسي» رئيسًا لمصر»
وأكد العلماء الموقعون على البيان أن ما حصل -من نتائج الانقلاب مما شاهده العالم من عنف وقتل متعمد ذهب ضحيته مئات القتلى وآلاف المصابين ومن اصطفاف مستنكر للقوات المسلحة والأمن مع أقلية من الشعب تم سوقها لتأييد الانقلاب تحت تأثير حملات التشويه الإعلامي أو لدوافع طائفية -أو فكرية بهدف فرض واقع جديد بالقوة، فقد تعين على أهل العلم إزاء هذه التطورات الخطيرة ال والمال، بما أخذ الله عليهم من واجب وما بوأهم من مكانة وريادة في شؤون الأمة أن يبينوا الموقف الشرعي مما يجري في مصر وحقيقة الظروف السابقة له والمآلات المتوقعة لمثل هذا الانقلاب.. وأشاد البيان بموقف جبهة علماء الأزهر وغيرهم من علماء مصر، الذين جهروا بالحق ورفضوا الانقلاب، وأن هذا هو الواجب على كافة العلماء والدعاة والمثقفين وأهل الرأي بضرورة الوقوف الحازم ضد الانقلاب.
فتوى د. أحمد الريسوني
وقد أصدر د. أحمد الريسوني العالم المغربي فتوى بحرمة الخروج على الرئيس المنتخب «محمد مرسي»، ورد على ما قاله شيخ الأزهر د. أحمد الطيب، الذي برر تأييده للانقلاب العسكري بكونه أخف الضررين متسائلًا على سبيل الإنكار: هل أخف الضررين عند شيخ الأزهر هو تنحية الرئيس المنتخب واعتقاله، وإلغاء الدستور المعتمد من الشعب، وحل مجلس الشورى المنتخب، واستيلاء قائد الجيش على الدولة وعسكرتها، وما رافق ذلك منذ ساعاته الأولى من اعتقالات وإغلاق للقنوات الإسلامية.. وما تبعه من أحداث ومظالم رهيبة ما زلنا نعيش أطوارها وآلامها.. كل ذلك عند شيخ الأزهر يعتبر أخف الضررين ولا ندري ما الضرر الأشد الذي تم درؤه؟! وهل هناك ضرر أشد من هذا الذي نراه يتناسل ويتواصل؟!
وأبان د. الريسوني خطأ فتوى شيخ الأزهر في تقدير أخف الضررين؛ إذ لا يحق لشخص وحده أن يقدر أخف الضررين والأمر يتعلق بدولة وشعب وأجيال قريبة وبعيدة، ويتعلق بالأمن والاستقرار وشرعية الحكم، وبالاقتصاد والدين والأخلاق، وله انعكاسات على الأمة العربية والإسلامية بأسرها .
وأن تقدير أخف الضررين على مصير دولة وشعب وأمة، في الحال والمال، فشيخ الأزهر الحالي من أبعدالناس عنه وأعجزهم عن البت فيه، ولو كان أحمد الطيب فقيهًا أو مارس القضاء مثلًا، لكان أقرب إلى المسألة لكننا نعلم أن تخصصه إنما هو علم الكلام، وعلم الكلام - كما هو معلوم- مجاله الغيبيات وما فوق السماوات ولا صلة له بالأرض ومشكلاتها .
ولو أن شيخ الأزهر أراد -حقًا وصدقًا- أن يقدر أخف الضررين فيما بين عزل الرئيس وحبسه، أو إبقائه ومساندته، وأن يستصدر في ذلك فتوى أزهرية أو موقفا أزهريا يسترشد به المعنيون بالأمر، لكان قد جمع لذلك هيئة كبار العلماء، أو مجمع البحوث الإسلامية، أو جبهة علماء الأزهر، أو مكتب الرابطة العالمية لخريجي الأزهر، بدل أن يهرول بمفرده إلى الانخراط في المؤامرة وتزكية هذا المسار الدموي المظلم الذي أدخلوا فيه البلاد والعباد .
المجلس التنسيقي الإسلامي العالمي وقد كان المجلس التنسيقي الإسلامي العالمي قد قال: إنه من الواجب شرعًا على جموع الشعب المصري الاصطفاف بجانب الشرعية ولخيار الشعب والدفاع عنها بكل الوسائل السلمية المتاحة، وأن ما يحدث في مصر انقلاب على الديمقراطية وخيارات الشعب الحرة.
يذكر أن المجلس يضم أكثر من ست عشرة رابطة وتجمعًا إسلاميًا، وهي: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورابطة علماء المسلمين ورابطة علماء الشريعة في الخليج، والمجلس العالمي للدعوة والإغاثة، واتحاد علماء أفريقيا، ورابطة الأوروبيين المسلمين، والمجلس الإسلامي الأعلى للدعوة بإندونيسيا، والاتحاد العالمي للدعاة، ومجلس شورى العلماء بمصر ورابطة علماء أهل السنة، والهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، وهيئة علماء اليمن ورابطة علماء الشام، ورابطة الشريعة لعلماء ودعاة السودان، وهيئة علماء السودان، ورابطة الدعاة بالكويت.
فتوى الشيخ: حسن الشافعي
كما ذهب الشيخ حسن الشافعي، مستشار شيخ الأزهر، إلى أن ما حصل بمصر انقلاب عسكري مكتمل الأركان، وأنه يجب -شرعًا- الإفراج عن الرئيس المنتخب وإعادة الشرعية إلى مكانها الطبيعي وأن ما حصل من الاعتقال بسبب الخلاف السياسي حرام شرعًا؛ إذ لم يستند الاعتقال إلى مبررات تبيحه، فلم يرتكب المعتقلون جرمًا، بل إنهم خرجوا للدفاع عن الشرعية، وأنه من الواجب إتاحة الفرصة للمشاركة السياسية لجميع التيارات بلا إقصاء.
مجلس شوری العلماء في مصر
وكان مجلس شورى العلماء في مصر، والذي يضم من بين أعضائه: د. عبد الله شاكر، والشيخ د. محمد حسان، والشيخ أبو إسحاق الحويني والشيخ محمد حسين يعقوب، قد أصدر فتوى شرعية بوجوب عودة الرئيس المنتخب من الشعب «د. محمد مرسي» إلى مكانه رئيسًا للبلاد، وإيقاف حملة الاعتقالات، والإفراج عن جميع المعتقلين في هذه الأزمة الأخيرة، وأن ما حصل من مواجهات دامية لا يرضي الله أولًا، ولا الناصحين الأمناء في هذه الأمة.
فتوى د. عبد الرحمن البر
كما أفتى أ.د. عبد الرحمن البر عميد كلية أصول الدين، بأن عزل الرئيس «محمد مرسي» يعد انقلابًا عسكريًا وخروجًا مسلحًا على الإرادة الشعبية ترفضه كل الشرائع السماوية والدساتير الوضعية، وأنه لا يجوز شرعًا الخروج المسلح على الحاكم المنتخب بطريقة شرعية ما لم يعلن كفرًا بواحًا ظاهرًا لا تأويل فيه، وهذا ما لم يحصل من الرئيس «محمد مرسي»
ورأي د. عبد الرحمن البر أن الإثم واقع على كل من أمر بسفك الدماء، ومن أمر بقتل الركع السجود، ومن أعطى الإذن بقتل النساء، ومن أعطى الإذن لغلق المساجد ومحاصرتها، ومن طلب التفويض لسفك الدماء، ومن أفتى بجواز الانقلاب وأعطاه الحق في التعامل غير الشرعي مع المتظاهرين ومن نزل تأييداً لتفويض قائد الانقلاب وفي قتل وإراقة الدماء، فكل هؤلاء مشاركون في سفك الدماء التي خرج أصحابها سلميين يقولون كلمة حق في وجه ظالم وجائر، ويعلنون في وجهه أنه خائن وناقض للعهد وحانث باليمين الذي أقسمه باحترام الدستور والقانون وأنه مغتصب للسلطة بغير إرادة الشعب.
كما رأي البر أن الخروج لإعادة الرئيس المنتخب واجب شرعي مستندًا إلى أن الإسلام أمر بالإنكار على الظالم الباغي، وعد مواجهته بالحق أعظم الجهاد حين قال الرسول الكريم: «أعظم الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر»
خاتمة
وإذا كانت هذه فتاوى جموع من علماء الأمة من المشارق والمغارب، فإنه لا يبقى المسلم عذر أن يعتقد حل ما حصل من الانقلاب العسكري وما تقوم به سلطة الانقلاب في مصر من أعمال تخالف شريعة الله تعالى، وأن كل ما تتخذه من قرارات أو إصدار قوانين أو إجراءات فلا عبرة لها شرعا ؛ إذ ما بني على باطل فهو باطل، وأن محاولة تجميل صورة الانقلاب المحرم بما يخرج به بعض ممن ينتسبون للعلم كشيخ الأزهر أو مفتي مصر الأسبق علي جمعة أو غيرهما لا اعتبار له أمام تلك الجموع الغفيرة من العلماء التي لا مصلحة لها إلا بيان حكم الله تعالى في نازلة الانقلاب العسكري في مصر، خاصة بعد أن ضرب قادة الأزهر الرسمي بأصول الكتاب والسنة الناطقة بحرمة الخروج على الحاكم الشرعي، وهم الذين استخدموها مع الحاكم الفاسق الظالم، لكنهم أسقطوها مع الحاكم الشرعي المنتخب !