الثلاثاء 06-أغسطس-1985
- تركيبة النظام الأوغندي الجديد توحي بأنها نسخة طبق الأصل عن نظام أوبوتي الفاشل.
- عهد الرئيس عيدي أمين كان أكثر العهود استقرارًا وازدهارًا من الناحية السياسية والاقتصادية.
في مستهل الأسبوع الماضي شهدت أوغندا ما وصفته وكالات الأنباء بأنه انقلاب أبيض أطاح بالرئيس السابق ميلتون أوبوتي الذي كان قد استولى على الحكم في أوغندا منذ أربع سنوات بدعم عسكري تنزاني. وقد تمكن أوبوتي من القرار إلى كينيا المجاورة حيث منح حق اللجوء السياسي.
وقال راديو كمبالا إن الجنرال باسيليو أوكيلو قائد جيش الشمال هو الذي قاد الانقلاب الجديد صباح السبت ١٩٨٥/٧/٢٧ وأعلن عن تشكيل لجنة عسكرية وحل البرلمان وعطل الدستور وحظر التجول من المغرب حتى الفجر. وفي تطور لاحق أعلن في كمبالا عن تنصيب الميجور جنرال تيتو أوكيلو رئيسًا للدولة كما تم تنصيب باولو ومانغا بعد ذلك بأيام رئيسًا للوزراء وسوف يكلف بتشكيل حكومة انتقالية لمدة ١٢ شهرًا قبل إجراء انتخابات حرة وإعادة الحكم إلى المدنيين.
دوافع الانقلاب:
منذ أن استولى ميلتون أبوتي على السلطة للمرة الثانية في ديسمبر عام ۱۹۸۰ بفضل الدعم العسكري والمادي من تنزانيا والهيئات الكنسية العالمية التي هيأت لإسقاط عيدي أمين، فإن عهد أوبوتي تميز منذ ذلك الوقت بسياسة التفرقة بين قبائل أوغندا وبالفساد الإداري والقمع والظلم الاجتماعي وأصبح الجيش في عهده منقسمًا على نفسه حسب التبعية القبلية وتم القضاء على المثقفين أو تشريدهم.
وقد استند أوبوتي في سلطته إلى حزب يساري أوصله إلى الحكم عن طريق انتخابات مزورة قادها باولو ومانغا نائب أوبوتي في الرئاسة ورئيس الوزراء في الحكم العسكري الجديد. وبعد عدة أشهر فقط من عودة أوبوتي للحكم بدأ بالقضاء على معارضيه من السياسيين والعسكريين وباعتقال بعضهم وقتل منهم أكثر من ٣٠٠ ألف شخص معظمهم من المسلمين.
وفي عام ١٩٨٤ ذكر مراسل صحيفة الأوبزرفر البريطانية أنه رأى خمسة مقابر جماعية تضم جثث حوالي ألفي شخص لقوا مصرعهم في مذبحة على أيدي رجال الجيش التابعين لنظام أوبوتي. وأمام هذه الأعمال القمعية الموجهة للمعارضة وخاصة المسلمين فقد اضطر المعارضون إلى الهجرة إلى الأدغال ثم إلى البلاد المجاورة مثل السودان وكينيا وزائير وغيرها من البلدان الإفريقية ولا شك أن أي حكم جعل اعتماده على شق الوحدة الوطنية والاستبداد بالحكم واضطهاد المعارضة لن تنتهي إلا كما انتهى به حكم أوبوتي في الأسبوع الماضي.
حرب العصابات:
ولما اضطرت المعارضة للهجرة إلى الأدغال وغادر أوغندا ما يقارب ۸۰ % من سكان البلاد هربًا من الظلم والقمع والتفرقة القبلية نظم أفرادها عدة حركات تحريرية واستعدوا بالسلاح والعتاد للدخول في حرب عصابات واسعة النطاق مع نظام أوبوتي الذي أصبح لا يحكم سوى ۲۰ % من أفراد الشعب. ومن أهم الحركات التي ظهرت على مسرح الحياة السياسية في ذلك الوقت جيش المقاومة الوطنية بزعامة يواري موسيفيني وزير الدفاع السابق الذي يعيش مع أسرته في السويد مند أن أعلن حمل السلاح ضد أوبوتي عام ۱۹۸۱ وجبهة الإنقاذ الوطني الأوغندية التي يرأسها العميد «أ. ج» موسى علي وزير المالية والدفاع في عهد عيدي أمين، وهذه الجبهة موالية لعيدي أمين ويضم في صفوفه معظم اللاجئين المسلمين إلى السودان وغيرها من البلاد المجاورة وحركة أوغندا الحرة التي برزت أيضًا في عام ۱۹۸۱ وينتمي معظم أفرادها إلى قبيلة «باغاندا» التي تشكل أكبر تجمع قبلي في أوغندا. وقد تمكنت هذه الحركات التحريرية من إلحاق أضرار كبيرة بحكومة أوبوتي ومصالحها في طول البلاد وعرضها، وكان آخر عملية ناجحة من هذا القبيل العملية التي قام بها جيش المقاومة الوطنية قبل الانقلاب الأخير بأسبوع واحد وتمكن من خلالها من الاستيلاء على بلدة فورت بورتال في شمال البلاد وكان ذلك بمثابة تهديد أخير موجه إلى نظام أوبوتي وإيحاء بقرب انهيار النظام الفاسد وهذا ما حدث بالفعل بعد أيام فقط من العملية الناجحة.
شبح الحرب الأهلية؟
كانت المشاكل القبلية دائمًا وراء الانتماءات السياسية في أوغندا وهذا أمر طبيعي في بلد مثل أوغندا التي تطورت تحت الاستعمار البريطاني على أسس قبلية حيث كانت فيها أربع ممالك وراثية كان أكبرها مملكة بوجاندا التي استمرت حتى الاستقلال عام ١٩٦٢. والذي يمعن النظر في تشكيل النظام العسكري الجديد الذي أطاح بالدكتور أوبوتي يجد أن كل زعماء الانقلاب كانوا يشاركون أوبوتي في الحكم وظلوا معه حتى وقوع الانقلاب. فقائد الانقلاب الجنرال باسيليو أوكيلو كان قائد جيش المنطقة الشمالية، ورئيس الدولة الجديد الميجور جنرال تيتو أوكيلو كان قائدًا عامًا للقوات المسلحة ورئيس الوزراء الجديد باولو ومانغا كان نائب أو بوتي في رئاسة الجمهورية حتى وقوع الانقلاب.
إن هذه التركيبة الغريبة للحكم الجديد أثارت شكوك الكثيرين من رجال المقاومة الذين كانوا قد أولوا تأييدهم للانقلاب في أيامه الأولى ومنهم الرئيس الأسبق عيدي أمين، وقد بدأ بعض هؤلاء بسحب تأييدهم للحكم الجديد منذ أن تم الإعلان عن عناصره البارزين مما جعل المراقبين يتوقعون عدم انضمام المعارضة بحركاتها المختلفة إلى الانقلابين الجدد، وهذا يعني استمرارًا لحرب العصابات التي قد تؤدي إلى حرب أهلية لا تحمد عقباها الأمر الذي سوف يجعل من أوغندا تشاد جديدة في إفريقيا. فقد اعتمد زعماء الانقلاب الجدد على أساس قبلي بحت في توزيع المناصب الرئيسية بقطع النظر عن دور هذا الشخص أو ذاك فيما ارتكبه نظام أوبوتي من جرائم تجب محاسبتهم عليها أمام محكمة الشعب الأوغندي.
ظاهرية باولو موانغا:
وكمثال حي على ذلك نضرب لكم مثلًا السياسي المحنك باولو مانغا الذي اختاره الانقلابيون الجدد رئيسًا للوزراء في الحكم الجديد، وهو ينتمي إلى أكبر تجمع قبلي في أوغندا وهو قبيلة «باغاندا».
وبعودة سريعة إلى الماضي السياسي لهذا الرجل يتبين لنا مدى دهائه ومهارته الفريدة في اللعب على جميع الحبال السياسية في أوغندا. وتكفي الإشارة هنا إلى أنه قد استطاع التعامل مع أربعة رؤساء من مختلفي الاتجاهات الفكرية والدينية حتى الانقلاب الأخير كان موانغا سفيرًا لأوغندا في فرنسا خلال الفترة الأولى لحكم أوبوتي في بداية الستينيات. ولما جاء الجنرال عيدي أمين إلى الحكم وهو مسلم عام ۱۹۷۰ استطاع موانغا وهو مسيحي من الاحتفاظ بمنصبه في سفارة أوغندا بفرنسا طوال ثلاث سنوات قبل أن يوجه إليه الرئيس عيدي أمين تهمة اختلاس ممتلكات السفارة فهرب إلى بريطانيا واستقر فيها كلاجئ سياسي، ولما أطاح الجيش التانزاني بالرئيس عيدي أمين عام ۱۹۷۹ ونصب يوسف لولي رئيسًا مؤقتًا للدولة عاد موانغا ليصبح وزيرًا للداخلية ومشرفًا على قوات الأمن، ولما فقد السيد لولي منصبه بسبب خلاف مع موانغا تولى الحكم الرئيس بن عيسى وأعاد موانغا إلى وزارة الداخلية بعد أن كان لولي قد نقله إلى منصب وزير العمل للحد من صلاحياته وطموحه. وفي عهد بن عيسى كان باولو موانغا مسئولًا بحكم منصبه عن تنظيم الانتخابات العامة للرئاسة حيث اتهم بأنه كان وراء وصول حزب أوبوتي إلى الحكم وبتزوير الانتخابات لصالح أوبوتي الذي اختاره بعد توليه الحكم نائبًا لرئيس الجمهورية وظل كذلك حتى انقلاب يوم السبت الماضي، وكان موانغا في فترة حكم أوبوتي الثانية وراء كل الانقسامات داخل الجيش، وهو الذي قسم المجلس الأعلى الإسلامي الأوغندي إلى مجلسين أحدهما يؤيده شخصيًا والآخر كان مواليًا للرئيس أو بوتي وبذلك تمكن موانغا بدهائه من شق وحدة المسلمين التي كان الرئيس الأسبق عيدي أمين حريصًا عليها والتي من أجلها أمر بتكوين مجلس أعلى يضم جميع المسلمين في أوغندا ويرأسه قاضي القضاة الشرعي ومفتي الجمهورية.
عهد عيدي أمين:
منذ أن حصلت أوغندا على استقلالها من بريطانيا عام ١٩٦٢ لم تشهد استقرارًا وأمنًا وازدهارًا مثلما شهدت في عصر الرئيس عيدي أمين الذي امتد من عام ۱۹۷۱ حتى ۱۹۷۹. فقد اتسم عهده بالوحدة الوطنية فالرجل رغم وصوله إلى الحكم عن طريق انقلاب عسكري لم يكن يملك رصيدًا قبليًا كبيرًا يعتمد عليه فهو ينتمي إلى قبيلة «الكاكاو» التي تشكل أقلية ضئيلة في أوغندا لولا حرصه على الوحدة الوطنية لما استمر في الحكم أكثر من أسبوع واحد. ومن مزايا عهد عيدي أمين أن المسلمين كانوا يتمتعون في حقوقهم كاملة بعد أن دأبت الحكومات السابقة منذ عهد الاستعمار حتى الفترة الرئاسية الأولى للرئيس السابق أوبوتو على حرمان المسلمين من تلك الحقوق وبحصول المسلمين في عهد عيدي أمين على حرية التعبير عن دين الإسلام وتعاليمه العظيمة أصبح الناس يدخلون في الإسلام أفواجًا وارتفعت نسبة المسلمين في أوغندا إلى ما يقارب ٤٠ % وأصبح يوم الجمعة عطلة رسمية في البلاد وأصبح للمسلمين كيان معترف به في أوغندا لأول مرة ممثلًا في المجلس الأعلى لمسلمي أوغندا، كما وقف عيدي أمين أمام النشاط الصهيوني في بلاده وقاد حملة شرسة على إسرائيل في إفريقيا أدت بالدول الإفريقية إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع تل أبيب عقب حرب أكتوبر ۱۹۷۳ وكان نظامه مصدر قوة حقيقية للعرب في إفريقيا كما كان عهده بحق عهدًا ذهبيًا لأوغندا رغم اتهامات الأعداء من النصارى والصهاينة والتي رددها بجهل أصدقاؤه في وسائل إعلامهم مما ساعد في سقوط حكمه بأيدي النصارى الحاقدين على الإسلام في أوغندا.
فإذا أراد الانقلابيون الجدد في كمبالا أن يكون عهدهم لصالح الشعب الأوغندي واستقراره فعليهم بالوحدة الوطنية وإطلاق الحريات وبإشراك زعماء حركات التحرير في الحكم للقضاء على حرب العصابات وإبعاد العناصر التي كانت ضالعة في التآمر على الشعب الأوغندي مع نظام الرئيس السابق أوبوتي.