العنوان الانسحاب السوري من لبنان.. لماذا الآن؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-فبراير-1980
مشاهدات 69
نشر في العدد 471
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 26-فبراير-1980
* جذب الاهتمام بعيدًا عن التدخل السوفيتي في أفغانستان..
* فرض مزيد من الإتاوات على أطراف الاتفاق الذين أعطوا الضوء الأخضر للجيش السوري بالتدخل..
بعد مضي عشرة أيام على انسحاب القوات السورية من المواقع التي كانت تحتلها على طول الطريق الساحلي الذي يربط بيروت بمدينة الزهراني الواقعة في جنوب لبنان، بدأت هذه القوات تجري انسحابًا آخر من مدينة طرابلس التي تقع في الشمال ومن العاصمة بيروت. وكانت الحكومة السورية قد أبلغت السلطة الشرعية اللبنانية بأنها تعتزم إعادة توزيع قواتها في لبنان.
وأثار هذا القرار نوعًا من الذعر في الأوساط المحيطة بالرئيس اللبناني سركيس، ويحاول رئيس الوزراء اللبناني وكذلك الرئيس اللبناني السابق سليمان فرنجية، أن يقنعا الزعماء السوريين بتأجيل تنفيذ قرار الانسحاب لإعطاء فرصة للسلطات اللبنانية في بيروت لشغل الفراغ الذي سيحدثه انسحاب القوات السورية.
ومن جهة ثانية يقول المراقبون في العاصمة اللبنانية: إن الفراغ الذي سيحدثه انسحاب القوات السورية ينذر بحدوث انفجار في بيروت، وخاصة في المنطقة التجارية القديمة التي دمرتها الأحداث الدموية في عامي 1975- 1976م.
ونحاول في هذا المقال نلمس الأسباب الحقيقية وراء هذه الخطوة السورية التكتيكية:
أولًا: محاولة جذب الاهتمام:
وهذا ما تؤكده المصادر الأمريكية، فقد نسبت رويتر إلى مسئولين أمريكيين قولهم: إن الخطة السورية هدفها جذب الاهتمام بعيدًا عن التدخل السوفيتي في أفغانستان، ولا نستبعد مثل هذا الاحتمال، فسوريا الدولة الوحيدة «تقريبًا» التي وقفت موقفًا متحيزًا إلى جانب الاتحاد السوفيتي في موضوع أفغانستان.. وبالتالي فليس بمستبعد أن يتعاهد مع الروس بأحداث انفجار يلفت الأنظار بعيدًا عن فضيحة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان.
ثانيًا: ممارسة مزيد من الضغط على الحكومة اللبنانية.. وعلى جميع الأطراف النافذة في هذا البلد المنكوب.. ونحن نعتقد أن هذا الأمر أساسي في التحرك السوري، والأمثلة التالية توضح هذا الموقف:
ا- تحرك سليمان فرنجية «حليف سوريا» ضد الكتائب، واختطاف الكتائبي أدمون رزق واقتياده إلى مسقط رأس فرنجية، وقد أدى الحادث إلى إشعال منطقة شمال لبنان بكاملها وتورط القوات السورية في الموضوع.
2- ذكرت الصحف اللبنانية المؤيدة لسوريا أن الأسد منزعج من إقدام لبنان على التصويت إلى جانب قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الشهر الماضي يدين التدخل الروسي.. وإن لبنان لا بد وأن يتبع في ذلك السياسة السورية.. وقد أعلن الأمين القطري للبعث في لبنان عاصم قانصوه أن استبدال الجيش اللبناني بقوات الردع المنسحبة أمر غير مقبول، وسنتصدى له وستمنعه بكل الوسائل بما فيها القتال.
3- ذكرت صحيفة السفير المؤيدة لسوريا أن جماعة الإخوان المسلمين المناهضة لنظام الحكم السوري تعمل من بيروت دون أن تحرك سلطات الأمن اللبنانية ساكنًا للتحقيق في هذا الأمر، ولا يستبعد مثل هذا التصور السوري.. فالحكم هناك يعيش هاجس الإخوان المسلمين، ويكاد الريب يقول خذوني.
ثالثًا: تعيش سوريا في الوقت الحاضر عزلة قاتلة.. فهي على الصعيد الدولي الحليف لروسيا التي كشفت عن وجهها الاستعماري آخر أقنعته.. وعلى الصعيد العربي فإن تآمرها على العراق والسعودية جعلها في عزلة عربية كاملة.. وعلى الصعيد الداخلي فالأمر أدهى وأمر، فالإخوان المسلمون الذين تحدوا السلطة بإسقاطها ينزلون بها كل يوم الهزيمة تلو الهزيمة..
وللخروج من هذه العزلة القاتلة فقد افتعل نظام الأسد هذا الموضوع في لبنان لجلب الأنظار ولفرض مزيد من الإتاوات على أطراف الاتفاق الذين أعطوا الإشارة الخضراء للجيش السوري بالتدخل.
ولقد صرح السفير الأمريكي في دمشق تالكوت سيلي بعد لقائه مع نائب وزير خارجية سوريا بأن انسحاب القوات السورية في لبنان سيخلق وضعًا خطيرًا للغاية!
وقد تساءلت سوريا في هذا الصدد في إشارة إلى الممولين العرب: إلى متى يتوقع منا أن نستمر في القيام بعمل يكلفنا الكثير، دون أن نتلقى في المقابل أي شيء؟
رابعًا: الموضوع الداخلي:
وهو الموضوع الأهم، فمما لا شك فيه أن الرجل يعاني من مشاكل داخلية متعددة؛ ذلك أن عددًا كبيرًا من الشخصيات النصيرية الحاكمة والبارزة قد قتلت، ولقد انصبت التهم جميعًا على جماعة الإخوان المسلمين الذين أعلنوا أنهم يريدون إنهاء النظام الطائفي في سوريا وإقامة حكم الإسلام في هذه البلاد.
ويعتقد الكثيرون أن النقمة الشعبية العارمة في الداخل ستساعد الإسلاميين كثيرًا في إسقاط النظام عاجلًا أم آجلًا.
خامسًا: موضوع الفلسطينيين:
يخطئ من يظن أن الفلسطينيين في لبنان يلقون الدعم من سوريا.. فالقوات السورية لم تدخل لبنان أصلًا إلا لتحجيم الفلسطينيين ومثال تل الزعتر.. ومثال العمليات الفدائية من جنوب لبنان التي تناقصت إلى الصفر تكفي للتدليل على كلامنا.. ولا بأس أن ننقل في هذا المجال كلام صلاح خلف عضو اللجنة المركزية لفتح، لنرى تباين موقف منظمته مع الموقف السوري..
قال صلاح خلف: إن المقاومة الفلسطينية لا تعترض على إنزال الجيش اللبناني في أي مكان من لبنان، وأنها لا تملك حق الاعتراض على ذلك، ونفى أبو إياد أن تكون القوات الفلسطينية قد تسلمت أي موقع من مواقع قوات الردع في جنوب لبنان.
وقال: إن القوات السورية ما زالت في مواقعها، وأنه إذا حدث فراغ أمني فسيملأه إما جيش التحرير الفلسطيني أو جهة موجودة، وذكر أن هناك جيش تحرير جزء من القوات السورية، وجيش تحرير تابع للمنظمة، وآخر تحت إمرة العمليات السورية، وهو الذي تسلم المواقع التي انسحب منها الردع.
وهذا الموقف معاكس تمامًا للموقف السوري.. ونحن نعتقد أن الأيام المقبلة ستساعد على توضيح المواقف وإبراز السمات.