; الانحطاط الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان الانحطاط الأمريكي

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1986

مشاهدات 66

نشر في العدد 751

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 21-يناير-1986

ريغان: عنوان الصلف الأمريكي

التذرع بالإرهاب:

     وقع الرئيس الأميركي رونالد ريغان يوم الخميس الماضي قرارًا تنفيذيًا بمقاطعة ليبيا اقتصاديًا عقابًا لها على ما أسمته الإدارة الأميركية برعاية الإرهاب في أعقاب حادثي الهجوم على طيران «العال» الإسرائيلي في مطاري روما وفيينا يوم 27 ديسمبر الماضي. 

     وقد شمل القرار عدم تقديم أو منح تسهيلات ائتمانية أو قروض للحكومة الليبية، وحظر جميع المعاملات التي تتصل بالأنشطة التجارية وغيرها مع ليبيا، وكذلك مطالبة الرعايا الأميركيين الموجودين في ليبيا بمغادرتها ويقدر عددهم بحوالي (1500) شخص. 

     ومن أهم هذه العقوبات هو قرار تجميد سحب أو نقل الأرصدة الليبية في البنوك الأميركية أو فروعها الدولية، والتي تقدر بحوالي ثلاثة مليارات دولار.

     وقد طالبت الإدارة الأميركية حلفاءها الأوروبيين باتخاذ خطوات مماثلة لمقاطعة ليبيا اقتصاديًا، بل إن ريغان وجه رسالة لمؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية المنعقد في فاس لعدم الاعتراض على قراراته.

     وقد جاء هذا القرار الأمريكي في أعقاب حملة أميركية مركزة على ليبيا؛ بسبب ما أسمته برعاية الإرهاب الدولي، واتخاذ جملة إجراءات وتدابير دبلوماسية وعسكرية بات المراقبون يتوقعون أن تسفر عن توجيه ضربة عسكرية مباشرة لليبيا.

تحركات عسكرية:

     ومع أن الإجراءات العسكرية شملت تحريك حاملة الطائرات كورال - سي نحو الساحل الليبي، واستنفار القواعد الأميركية في صقلية ونابولي وقوات الأسطول السادس، إلا أن المراقبين المُطّلعين كانوا يستبعدون أن يأتي الرد الأميركي -بالرغم من الصلف والعنجهية الأميركية- على ضربة عسكرية مباشرة لليبيا، وبرأي هؤلاء كان على أمريكا أن تحسب حساب التدخل السوفياتي نظرًا لوجود مستشارين سوفيات في ليبيا من جهة؛ ولأنه لم تمض على قمة جنيف فترة طويلة؛ حيث أعرب الجانبان عن رغبة في التفاهم من جهة ثانية.

     ومن زاوية أخرى فإن الإدارة الأميركية وضعت في حسابها المصالح والرعايا الأميركيين في ليبيا، إضافة للتخوف من احتمال أن يكون مثل هذه العمل عاملًا مثيرًا للسخط العربي على السياسة الأميركية، ولعل ردة الفعل الشعبية إزاء مقتل الشرطي المصري سليمان خاطر الذي أبدى بطولة في قتل سبعة إسرائيليين في سيناء تصلح معيارًا ومقياسًا لتنامي مثل هذا الشعور المُعادي لأميركا وإسرائيل.

     وإضافة لما سبق يبدو أن الإدارة الأميركية تعلمت دروسًا بليغة من واقعة صحراء طبس في إیران، وحادثة تدمير مقر المارينز في لبنان، وكنتيجة لتقليب وجهات النظر حول توجيه عقوبة عسكرية مباشرة لليبيا، فضلت إدارة ريغان أن تكون العقوبة على شكل حصار اقتصادي.

من المقصود؟

لكن هل ليبيا مقصودة لوحدها بهذه الإجراءات؟

يمكن الإجابة على هذا التساؤل من واقع معرفة مدى أثر هذا القرار على ليبيا.

تقول الإحصائيات إن صادرات أمريكا لليبيا بلغت خلال عامي ٨٤ و ۸5 حوالي 200 مليون دولار، فيما بلغت واردات أمريكا من ليبيا حوالي 9 ملايين دولار فقط، وكانت أمريكا قد جربت الحظر الاقتصادي على ليبيا في بداية عام ٨٢ عندما قاطعت استيراد النفط الليبي، لكن ليبيا تعايشت مع ذلك، والمقاطعة تضر بأمريكا إن اتخذت ليبيا إجراءات مضادة، فالمعروف أن شركات النفط التي تشارك فيها ملكية أميركية تنتج حوالي (50%) من الإنتاج الليبي، كما أن الرعايا الأمريكيين رفضوا الانصياع لقرار ريغان بسبب تمتعهم بمزايا اقتصادية كبيرة؛ حيث يعمل معظمهم كخبراء في قطاع إنتاج النفط وتصل مدخولاتهم إلى معدل (70) ألف دولار في العام.

     من هنا فإن قرار أمريكا مقاطعة ليبيا لن يكون له مفعول قوي بحيث تترتب عليه نتائج سياسية، ما لم تستجب أوروبا للنداء الأمريكي بمقاطعة النفط الليبي، وتشير الدلائل الأولية إلى أن أوروبا التي لم تحدد موقفها بشكل نهائي تميل إلى التحفظ أو التشكيك في سلامة الموقف الأمريكي، الأمر الذي يجعل المراقب -إضافة إلى مصالح أوروبا الاقتصادية في الوطن العربي- يستبعد استجابة هذه الدول للطلب الأمريكي.

قرار أمريكا بمقاطعة ليبيا رسالة إلى من يهمه الأمر بعدم الاعتراض على السيد الأميركي أو الإسرائيلي.

● استخدام الإدارة الأميركية للقوة حسب هواها ينم عن انحطاط أميركي قريب.

● أمريكا تتشبه بالأسد مع أنها من عالم الحيوان.

• القذافي والتهديدات الأمريكية.

اسمعي يا جارة:

     وإذا كان الأمر كذلك فأن القرار الأمريكي الذي ينطوي على قدر من إزعاج ليبيا ونظام القذافي، إلا أن المقصود به ليس فقط ليبيًا، إنما المقصود طبقًا للمثل العربي «إياك أعني واسمعي يا جارة» هو جميع الدول العربية والإسلامية بلا استثناء، فتجميد الأرصدة موجهة أولًا وأخيرًا للدول التي تملك هذه الأرصدة، وهي بكل تأكيد كل الدول النفطية وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي. 

     ومبدأ العقوبة موجه لكل من يعنيه الأمر بحسب التفكير الأمريكي؛ فهو يعني الفلسطينيين، ويعني منظمة التحرير الفلسطينية والأردن وكل الدول العربية المحيطة بالكيان الصهيوني، والقرار في حد ذاته رسالة أمريكية فحواها أن إسرائيل حقيقة واقعة ينبغي الاعتراف بوجودها ضمن حدود آمنة، وينبغي إطلاق يدها في المنطقة، ومن يعترض على ذلك أو يعرض اليهود لأذى فهو إرهابي يستحق العقاب. 

     وقد تكون هذ الحملة زوبعة مناسبة للتمهيد لقيام إسرائيل بضربة خاطفة لأحد الأهداف الفلسطينية سواء في الأردن، أو في اليمن، أو في الخرطوم، أو في أي مكان، كما يتوقع بعض المراقبين باعتبار أن النظام الليبي وإن كان يعارض السياسة الأمريكية إلا أنه لا يشكل خطرًا مباشرًا عليها، باعتبار أن السياسة الأمريكية لا ترى إلا بالعين الإسرائيلية، وبالتالي فإن الأكثر خطرًا على إسرائيل هو الأكثر خطرًا على أمريكا نفسها.

انحطاط:

     والإدارة الأمريكية إذا تتسلح بهذا المنطق الأعوج، وتسمح لنفسها باستغلال قوتها العسكرية لتفرض ما تشاء على من تشاء، إنما تعبر عن حالة انحطاط رهيب لا ينُم عن قيمة الإنسان، فالتكنولوجيا مهما كانت متقدمة، والآلة العسكرية مهما كانت فتاكة فإنها لا تنُم عن رُقي وحضارة إلا إذا كانت تُستخدم طبقًا لمقاييس الرُقي والحضارة.

     إن أمريكا إذ تتصرف بغطرسة وعنجهية وتهدد باستخدام القوة والجبروت لأتفه الأسباب- لن تبلغ مكانة أعلى من مكانة الأسد الذي هو سيد الغاب، لكنه مع ذلك يظل في عالم الحيوان، ولا يرقى أبدًا لعالم الإنسان. 

دعوة:

     والرد الصحيح على التهديد الأمريكي هو إفهام أمريكا بحالتها الانحطاطية من جهة، والعمل قبل فوات الأوان لبناء الذات وتحصين المواقع لئلا نقع فريسة سائغة للحمار أو الفيل الأمريكي المستأسد من جهة أخرى.

     والشعوب المستضعفة إن أحسنت تجنيد طاقاتها أكبر خطر يهدد أمريكا كما قال مسؤول أمريكي سابق ذات يوم، وعلى الشعوب العربية الإسلامية أن تدرك ذلك فتعمل على تمييز صفوفها، ونبذ خبثها، وإقامة بنيانها على تقوى من الله، وساعتئذ تستحق النصر: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ (سورة الحج: 40) صدق الله العظيم. 

الرابط المختصر :