; المنافسة التجارية بين شركات التأمين التكافلي والتأمين التقليدي (3).. الانحراف التاريخي للتأمين | مجلة المجتمع

العنوان المنافسة التجارية بين شركات التأمين التكافلي والتأمين التقليدي (3).. الانحراف التاريخي للتأمين

الكاتب عبدالحميد البعلي

تاريخ النشر السبت 01-مايو-2010

مشاهدات 68

نشر في العدد 1900

نشر في الصفحة 48

السبت 01-مايو-2010

  • إذا كانت المصلحة من التأمين يمكن تحقيقها عن طريق التعاون القائم على نية التبرع فلا حاجة إلى تحقيقها عن طريق عقد المعاوضة
  • التأمين التقليدي عقد معاوضة لا وجود لنية التبرع فيه حتى ولو لم يحصل المؤمن له على مبلغ التأمين

تناولنا في العدد الماضي الحديث عن أهم الفروق بين التأمين التعاوني التكافلي والتجاري التقليدي، وذكرنا الأصل التاريخي للتأمين، واختتمنا المقال عن وظائف التأمين وفوائده، واليوم نتحدث عن الانحراف التاريخي للتأمين بسبب الخلط بين التأمين كنظرية ونظام فني، وبين التأمين كعقد قانوني.

أولًا: ضرورة التفريق بين التأمين كنظرية اجتماعية ونظام فني كعملية اقتصادية، والتأمين كعقد قانوني فردي من العقود المسماة من الناحية القانونية.

التأمين كنظام فني يوم على مجموعة من المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية والرياضية التي تعكس نفسها في عدد من التعاريف التي قيلت في التأمين، وتنهض هذه المفاهيم المتعددة في نفس الوقت كمبررات لنظام التأمين أمام الانتقادات الشرعية الموجهة إلى التأمين كعقد وليس كنظرية أو نظام فني، وهذا التبرير هو ما يسوقه أنصار التأمين التجاري والمجيزون له كله أو بعضه من الناحية الشرعية.

والتأمين يجمع بين: 

الفكرة الاجتماعية المتمثلة في:

-الاحتياط للمستقبل. 

-العمل المسبق قبل حدوث الكارثة بين الأشخاص المعرضين لوقوعها على تفتيت آثارها وتوزيع عبئها فيما بينهم.

والوسائل الفنية في التأمين وهي وسائل علمية عملية فنية عن طريقها يمكن معرفة:

-عدد مرات وقوع الخطر المؤمن منه والمحتمل وقوعها ودرجة جسامتها.

- مقدار الأضرار الناشئة عن هذا الخطر. 

- مقدار القسط الذي يمكن تحصيله من المؤمن لهم ليكون كافيًا لسداد مبالغ التأمين.

ومن ثم تتلخص هذه الأسس الفنية في المقاصة بين التعويضات والأقساط وفقًا لقوانين الإحصاء والاحتمالات، وهي عمليات تخرج عن نطاق القانون وتتوقف دقة نتائج الاحتمالات على عملية انتقاء المخاطر وعلى قانون الكثرة أو الأعداد الكبيرة وهو يكمل قوانين الاحتمالات، ومضمون قانون الكثرة والأعداد الكبيرة أن الأحداث تميل إلى الانتظام كلما كبر عدد الوحدات التي نلاحظها وكلما كانت هذه الوحدات أكثر تجانسًا.

وبفضل هذه الأسس الفنية يكون المؤمن على بينة من أمره ومن عملية التأمين على وجه التقريب، مما يتعين عليه معه اختيار الخطر الأكثر شيوعًا وانتشارًا والأقل وقوعًا.

خلط مرفوض

ولا يجوز في نظرنا اللجوء إلى هذه الفكرة الاجتماعية في التأمين أو الأسس الفنية فيه لتبريره من الناحية الشرعية كعقد قانوني فردي من العقود المسماة كما هو منصوص عليه في القانون وتنظمه نصوصه العديدة المختلفة، لأن ذلك يمثل خلطًا غير سائغ بين المفاهيم في المنهج العلمي وفي ترتيب النتائج العلمية والعملية عليه.

وأن هذا الخلط في التأمين بين النظام الفني والتعريف القانوني كرابطة قانونية بين المؤمن والمؤمن له ترتب عليه:

1- أن ذهب البعض إلى القول بأن عقد التأمين التجاري ليس عقدًا احتماليًا بالنسبة للمؤمن له وهذا يخالف جوهر ومضمون التأمين في ذاته ومن ثم كان مردودًا حتى من الناحية الفنية:

2- تعدد تعريفات التأمين بتعدد المفاهيم التي يقوم عليها في ذاتها من ناحية اجتماعية واقتصادية وقانونية ومن ناحية أخرى بتعدد أصحابها وتنوع خبراتهم العملية وتخصصاتهم العلمية.

3- الخلط بين مفهوم التأمين كنظرية اجتماعية وكفن اقتصادي والتأمين كعقد قانوني: يؤدي إلى الخلط بين التأمين كعملية اقتصادية تجارية ومفهوم عقد التأمين من الناحية القانونية وطبيعته التبادلية.

الشريعة تقر الفكرة الاجتماعية للتأمين بشقيها:

-التعاون على الإغاثة والمغارم والديون. 

-الادخار والاحتياط للمستقبل.

وأن الوسيلة التي تتحقق بها هذه الفكرة تقوم على:

-نية التبرع لا على أساس المبادلة التي تهدف إلى الكسب والربح والمعاوضة.

-وإذا كانت المصلحة من التأمين يمكن تحقيقها عن طريق التعاون القائم على نية التبرع، فلا حاجة إلى تحقيقها عن طريق عقد المعاوضة.

ونعود فنقول إنه:

ولهذا السبب «أي التأمين كنظرية وفن» وذاك «أي التأمين عقد قانوني» يتنازع التأمين تعریفان:

أ-تعريف يغلب عليه الطابع الفني كفكرة اجتماعية اقتصادية، وهو أن «التأمين عملية فنية تزاولها هيئة، مهمتها جمع أكبر عدد ممكن من المخاطر المتشابهة، وتحمل تبعتها عن طريق المقاصة بينها طبقًا لقوانين الإحصاء، ومن مقتضى ذلك حصول المستأمن أو من يعينه حالة تحقق الخطر المؤمن ضده على عوض مالي يدفعه المؤمن، في مقابل وفاء الأول بالأقساط المتفق عليها في وثيقة التأمين.

ب - وتعريف آخر قانوني للتأمين بحت ينص على أن: «التأمين عقد يلتزم المؤمَّن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمَّن له أو إلى المستفيد مبلغًا من المال أو إيرادًا مرتبًا أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقق الخطر المبين بالعقد، وذلك في نظير مقابل نقدي يؤديه المؤمَّن له للمؤمن...».

ويظل هذا التفاوت في النظر إلى التأمين كفكرة ونظام فني وكعقد قانوني، بل الاختلاط في مفهوم العقد كعقد قانوني بمفهوم التأمين كفن وعملية اقتصادية، هو المسؤول إلى حد كبير عن اختلاف الآراء والاتجاهات الفقهية في التأمين، بل لعل هذا هو الذي أوجد الاضطراب واللبس في الحكم الشرعي للتأمين التجاري. 

والخلاصة أن: التأمين كفكرة اجتماعية أخلاقية ونظرية فنية، ليست مناط الحكم الشرعي على نظام عقد التأمين التجاري: 

- ومناط الحكم الشرعي هو العقد: عقد التأمين ذاته، وما يتضمنه من شروط والتزامات وقواعد، ويجب دراسته في ضوء نصوص القانون الذي ينظمه.

- ولأن شرعية الغاية والهدف لا تكفي ولا تغني عن شرعية الوسيلة الموصلة إليها.

-والتعاون التكافلي يحقق شرعية الغاية والوسيلة معًا إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر.

عقد قانوني فردي

ثانيًا: المقصود بالتأمين التجاري كعقد قانوني فردي: من أرجح التعريفات في هذا الخصوص ما عرفه به البعض:

«التأمين عملية فنية تزاولها هيئة مهمتها جمع أكبر عدد ممكن من المخاطر المتشابهة، وتحمل تبعتها عن طريق المقاصة بينها، طبقًا لقوانين الإحصاء، ومن مقتضى ذلك حصول المستأمن أو من يعينه حالة تحقق الخطر المؤمن ضده على عوض مالي، يدفعه المؤمَّن في مقابل وفاء الأول بالأقساط المتفق عليها في وثيقة التأمين». 

وهذا الخلط بين المعنى الفني والقانوني للتأمين غير سائغ في المنهج العلمي ومن ثم كان المعّول عليه في بيان الحكم الشرعي هو المعنى القانوني الملزم في التطبيق العملي. 

وبناء على التعريف القانوني فإن: 

(۱) عقد التأمين عقد معاوضة مالية محضة احتمالي، ينشأ بمجرد الالتزامات المتبادلة بين الطرفين، وتعهد كل طرف بما التزم به.

وعقد المعاوضة المالية:

•هو الذي يأخذ فيه كل متعاقد مقابلًا لما يقدمه، بحيث يكون كل منهما في ذات الوقت دائنًا ومدينًا (1).

•ومن هنا كان عقد التأمين عقد معاوضة، ولا ينقلب إلى عقد تبرع حتى في الحالة التي لا يحصل فيها المؤمن له على مبلغ التأمين لأنه بالإضافة إلى انعدام نية التبرع لدى المؤمن له، فإن المقابل للأقساط هو تعهد المؤمَّن بتحمل تبعة الكارثة عند تحققها.

•وإذا كان عقد التأمين عقدًا احتماليًا فهو في ذات الوقت عقد معاوضة لأن كل العقود الاحتمالية هي حتمًا عقود معاوضة (٢). 

إذن التأمين عقد معاوضة دائمًا لا وجود لنية التبرع فيه، حتى ولو لم يحصل المؤمَّن له على مبلغ التأمين. 

وفي التأمين التعاوني التكافلي نية التبرع تنفي المبادلة، ومن ثم المعاوضة. 

(۲) التأمين عقد احتمالي «أو من عقود الغرر»:

- إذ لا يستطيع فيه أحد المتعاقدين أو كلاهما أن يحدد وقت إبرام العقد مقدارًا ما سيعطى أو سيأخذ. فمدى ما يلتزم به كل من المؤمن والمؤمن له يتوقف على تحقق حادثة غير محققة أو غير معين وقت حدوثها.

-وعلى هذا الأساس يلزم التنبيه إلى أن الاحتمال بالنسبة لعقد التأمين الفردي «مؤمن ومؤمن له منفردًا» يختلف عن عملية التأمين أو فن التأمين في العلاقة بين المؤمَّن ومجموع المؤمن لهم، إذ ليس الاحتمال إلا ضئيلًا بناء على الأسس الحسابية والإحصائية الدقيقة على ضوء رصد الاحتمالات، وهذا من شأنه القضاء على احتمال الخسارة بالنسبة لمجموع عقود التأمين.

الخلاصة:

إجماع رجال القانون على:

- أنه عقد معاوضة مالية «وليس عقد تعويض بالمعنى القانوني الدقيق»، يأخذ فيه كل من المتعاقدين مقابلًا لما يعطي، وكل منهما سبب للآخر:

• ملزم للجانبين.

• ولا ينقلب عقد تبرع لأن نية التبرع مفتقدة أو منعدمة تمامًا.

• فردي يسعى فيه كل طرف إلى كفالة مصلحته الذاتية، دون أن يتجه قصده إلى نفع الآخرين أو معاونتهم. ◘

الهامشان

(1) جلال إبراهيم بند ٢٦٧، ص ٤٢٦. 

(۲) التأمين البدراوي، ص ٢٤٧ ، توفيق فرج، ص ۳۱۷، الأهواني، ص ١٠٥ المهدي ص ۲۰۰، أحمد شرف الدين، ص ۱۱۳، عبد الودود يحيى، ص ۱۰۷.

 

الرابط المختصر :