العنوان الانتماء العام والخاص
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الاثنين 01-مارس-2021
مشاهدات 74
نشر في العدد 2153
نشر في الصفحة 56
الاثنين 01-مارس-2021
مقال
ماذا يعني انتمائي للحركة الإسلامية؟ (2)
الانتماء العام والخاص
د. محمد الحساني
مفكر وأستاذ علوم سياسية مغربي
بين الانتماء العام «أنا مسلم»، والانتماء الأخص «أنا ابن الحركة الإسلامية»، هل يستقيم طرح هذا العنوان؟
سؤال قد يطرحه الكثيرون، وهو -دون شك- يبقى مثيراً، لكن حقيقة الأمور تحيلنا إلى أن المسألة أو العنوان واقع لا يمكن إنكاره؛ فكل باحث أو متابع عندما يتحدث عن أبناء الحركة الإسلامية (الإسلاميين) فهو يدرك أنه بصدد الكلام عن شخصيات لها ما يميزها عن المسلم العام.
إن طرح هذا العنوان لا شك له ما يبرره، وأنا أعلم جيداً أن حويصلتنا لمثل هذه القضايا صغيرة جداً، فهي لا تحتمل الوقوف مع الذات وتنطلق من أن أي حديث في هذا الاتجاه هو هجوم على الحركة الإسلامية من أجل تشويهها والنيل من مكانتها والحيلولة بينها وبين الجماهير؛ نظراً للتعاطف الكبير الذي تحظى به، وأنها الخيار الطبيعي للشعوب في أي وضع ديمقراطي سليم ولو جزئياً، ولعل أحداث وإفرازات ما بعد «الربيع العربي» تؤكد ذلك دون نقاش.
إن أكبر وأفدح خطأ يمكن أن تقع فيه الحركة الإسلامية هو ألا تجعل شعارها الدائم «توزين العامل الذاتي»، إذا زهدت الحركة الإسلامية في فحص الذات والنظر، بل الاعتراف بالعيوب، فإنما تكون قد انزلقت وهوت في سراديب تجعلها في آخر المطاف واجهة لاستبداد آخر وربما أشد وأنكى.
دعنا نعطي مقاربة مفاهيمية، وهي بالنسبة لنا ستكون مدخلاً إلى الوقوف مع نقاط ذات أهمية قصوى؛ لأننا نعتقد أن ما ترتب على ذلك من سوء فهم وجب التنبيه إليه وتداركه خاصة في هذا الظرف الدقيق للأمة الإسلامية والبشرية جمعاء.
لا ينبغي أن تنسى الحركة الإسلامية بفعل تشابك الواقع وتسارع الأحداث والمتغيرات على جميع المستويات أنها دعوة صاحبة رسالة يشكل الإسلام منطلقها وأساسها.
ما الفرق بين المسلم والإسلامي؟
لقد ارتأينا في هذه الكلمات القلائل أن نبين الفروق واضحة بين المفهومين على سبيل الإيجاز؛ حتى لا يكثر القيل والقال، هذا مع الاعتراف بأن الخوض فيه ليس بالأمر المتاح للجميع، خاصة أن النسبة في اللغة تنفي أي اختلاف.
«الإسلام» هو ما تقرر بالقطع في أصول الإيمان أو ما أخبر به الكتاب وتواتر من السُّنة مما لا يحتمل التأويل والظن، بينما يكون الخروج منه بالطعن في أصوله من غير برهان ظاهر أعلاها تكذيب الرسول؛ لأن الإيمان في الإسلام إيمان بالله والرسول، وهذا موضوع شائك يحتاج لكثير نظر لعل أجمله ما سطره الإمام الغزالي في كتابه الفريد «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة».
بينما «الإسلامي» لا يرى في الدين مجرد قواعد تعبدية لتزكية النفس والسمو بالروح والنظر لبناء مشروع إنساني، بل إنه يجعل من الإسلام قواعد وأهدافاً لبناء مشروع سياسي.
بهذا الإيجاز حاولنا أن نقدم المفارقة الجوهرية بين المسلم والإسلامي، ونحن لن ندخل في تفاصيل لماذا هذا الفرق أو كيف أصبح هناك فرق بين هذا وذاك، رغم أننا قدمنا أن النسبة في اللغة تنفي أي اختلاف، نحن ما يهمنا بشكل أساس أن نقف مع الأثر، أو لنقل المخرجات التي نتجت عن هذا التمايز.
وأريد أن أنبه أننا لسنا ضد أن يكون للإسلاميين مشروع سياسي؛ فنحن ساهمنا وما زلنا، وسنبقى بإذن الله تعالى في ذلك، لكن الإنصاف لا ينبغي أن يكون مانعاً أمام البحث عن تجويد الحركة الإسلامية.
أخوة الإسلام أم أخوة التنظيم؟
حين ننظر إلى مثل هذه الأسئلة تطرح فلا بد أن نغوص في العمق، بحثاً عن الجذور العميقة المنشئة؛ لأن مثل هذا السؤال وغيره كثير لا يمكن بداية أن يكون نتاج هوى نفسي أو مزايدة أو تعريضاً بالحركة الإسلامية، هذا مما ينبغي أن تتجاوزه الحركة الإسلامية، فلئن كان ذلك مما استعمل في مرحلة التأسيس والبدايات، وربما كانت له مسوغاته التي يمكن أن نجد لها عذراً؛ فإن الإصرار على نفس منطق الأمور بعد عقود وعقود وتحولات؛ لدرجة أن عالم البارحة لا يشبه عالم اليوم فسوف يصل بالحركة إلى الباب المسدود، لا ينبغي أن يظن أن كثرة العدد عامل حاسم في المعادلات دائماً.. كلا؛ فكل قادة التنظير والتأسيس للحركة حذر من ذلك ونبه عليه كثيراً.
وقد يقول آخر: ما تتحدث عنه ليس فيه جديد، فهذه الدعاوى تحدث عنها كثير قبلك، نقول: ليست نية الكاتب أن يأتي بالجديد، فلسنا في سباق اللغو، ومن أراد أن يأتي بالجديد فالساحة لا تضيق بأحد إلا من ضاقت به نفسه.
الهدف هو أن نتمكن القول على الملأ إذا أخطأنا بأننا قد أخطأنا دون عقدة الطهرانية أو ادعاء أننا الموفَّقون على طول المسير، ونحن ندرك تمام الإدراك أن ذلك من باب المستحيل نقلاً وعقلاً.
نعود إلى سؤالنا المحوري: أخوة الإسلام أم أخوة التنظيم؟
وهنا نعود إلى مسألة ينبغي أن يتم توضيحها، بل ينبغي أن يتربى عليها أبناء الحركة الإسلامية تربية عميقة، وأن يتجلى ذلك في حركتهم وممارستهم؛ فَدَاءُ التنطع لا يسلم منه أحد، فرداً كان أو جماعة، ينبغي أن يترسخ في العقول والوجدان، وأن يصبح جزءاً أساسياً من البرنامج التعليمي التربوي لأبناء الحركة الإسلامية، الجواب عن السؤال التالي: ما الحد الفاصل بين الدين والتنظيم؟