; الانتفاضة: لا ... للتقسيم! | مجلة المجتمع

العنوان الانتفاضة: لا ... للتقسيم!

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1988

مشاهدات 102

نشر في العدد 881

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 06-سبتمبر-1988

  • الفلسطينيون يرفضون قرار التقسيم.
  • عرفات: مبادرة فلسطينية تلملم التصريحات.

تمر القضية الفلسطينية حاليًا في مرحلة حاسمة مع تصاعد وتجذر الانتفاضة المباركة للأهل في فلسطين المحتلة، واضطراب وفشل سلطات الاحتلال اليهودي في التصدي لها وقمعها ... ومع زخم وكثافة التحركات السياسية الفلسطينية والدولية ... ولعل الموضوع الأكثر تداولًا واهتمامًا الآن بين الأوساط الفلسطينية والدولية هو ذلك التغير الواضح في أسلوب تعامل الزعماء الفلسطينيين مع قرار التقسيم وحكومة المنفى.

• أبو إياد: الاعتراف المتبادل:

ففي مقابلة مع صحيفة جورنال دو يمانش الفرنسية وهيئة الإذاعة البريطانية قال صلاح خلف الذي كان يبدو الأكثر تشددًا بين القادة الفلسطينيين: «إننا نسعى بجدية لإقامة دولة فلسطينية لها حكومة مؤقتة»، وأشار إلى أن هذه الخطوة ستمكن الدولة المنتظرة و"إسرائيل" من الاعتراف كل منهما بالأخرى، وإن هذا الاعتراف المتبادل سيتم على أساس قرار الأمم المتحدة رقم 181 الصادر عام 1947 دون أن يتعين على "إسرائيل" الانسحاب إلى الحدود التي كانت مرسومة في ذلك الوقت ... وفي حديثه مع راديو لندن قال أبو إياد: إن منظمة التحرير الفلسطينية مستعدة لبحث حدود دولة فلسطينية مستقلة مع "إسرائيل" والولايات المتحدة في مؤتمر دولي للسلام لمناقشة أين حدود فلسطين المعترف بها؟ وأين حدود "إسرائيل" المعترف بها؟

وحول المطالبة بقيام دولة فلسطينية قال أبو إياد في مقابلة مع صحيفة «در شبيغل» إن الشرعية السياسية والقاعدة لذلك موجودة في قرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين رقم 181 الصادر سنة 1947، ووصف رفض الزعماء العرب في ذلك الوقت، قرار التقسيم بأنه غلطة سياسية كبرى والآن تريد المنظمة تصحيح هذا الخطأ.

أما هاني الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والمستشار السياسي لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية فقد ذكر في حديث خاص لمجلة اليوم السابع وجريدة الأنباء: أنه عندما انطلقت الثورة الفلسطينية عام 1965 كانت أرض فلسطين إما تحت الاحتلال وإما مضمومة للأردن أو هي وديعة لدى مصر، وعند الانطلاق كان القرار 181 نصب أعيننا إلا أن الهزيمة الكبرى التي حصلت في 1967 خلقت واقعًا جديدًا على الأرض، وهي هزيمة ليس الفلسطينيون مسؤولين عنها.

وقد أبدى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الاستعداد للتفاوض مع رئيس الوزراء "الإسرائيلي" إسحق شامير، ولكن فقط ضمن مؤتمر دولي للسلام ... وأضاف أن الفلسطينيين هم وحدهم الذين سيتفاوضون نيابة عنهم وليس أية جهة أخرى.

• مبادرة فلسطينية؟!

وقد أكد أكثر من زعيم فلسطيني أن خطوات المرحلة المقبلة، ستتمثل بأن تقوم منظمة التحرير بإعلان وثيقة الاستقلال باسم القيادة الموحدة على أساس القبول بقرار رقم 181 القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية ودولة عربية ... وذلك قبل بدء الدورة المقبلة غير العادية للمجلس الوطني الفلسطيني، كما يقوم عرفات بزيارة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ هذا الشهر؛ ليلقي خطابًا حول آخر تطورات الوضع في الشرق الأوسط، وذلك بعد أن يتوجه إلى نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ... ويقول بعض المقربين من القيادة الفلسطينية إن عرفات سيطرح هناك مبادرة فلسطينية تلملم كل التصريحات التي أطلقت في الآونة الأخيرة هنا وهناك من أبو شريف وأبو إياد وهاني الحسن وخالد الحسن ... وبعد ذلك يجتمع المجلس الوطني الفلسطيني للمصادقة وإضفاء المشروعية على هذه المبادرة.

• وثيقة الاستقلال .. وبدء المفاوضات:

والملاحظ أن كل تصريحات القادة الفلسطينيين تتطابق مع ما ورد في ما سمي «مشروع وثيقة الاستقلال» الذي قيل إن سلطات الاحتلال وجدته في مقر جمعية الدراسات العربية في القدس التي يديرها فيصل الحسيني أثناء مداهمة مقر الجمعية ... وتدعو هذه الوثيقة التي سيتم تبنيها رسميًا في الأيام القادمة إلى إعلان دولة مستقلة داخل الحدود التي وردت في مشروع التقسيم، والتي حددها القرار 181 للأمم المتحدة الصادر سنة 1947.

وتشير الوثيقة إلى أن الحكومة المؤقتة ستعلن باسم منظمة التحرير الفلسطينية عن رغبتها بتشكيل وفد مؤلف من شخصيات من الخارج والداخل، تكون مهمته المباشرة بدء مفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي مع "إسرائيل"، وستشمل المفاوضات خاصة الحدود النهائية للدولة الفلسطينية، والعلاقة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ومصير المستوطنات "الإسرائيلية" في الأراضي المحتلة، وحق العودة واحتمال دفع تعويضات.

وجاء في الوثيقة أيضًا أن هدف الوثيقة -وهذا هو بيت القصيد- هو الانتقال من الحجارة في أرض المعركة إلى مبادرة سياسية عبر معركة دبلوماسية.

• الفلسطينيون يرفضون قرار التقسيم:

إن أبناء الشعب الفلسطيني وفي العام 1947 -أي قبل 41 عامًا- رفضوا قرار التقسيم رقم 181 ، وشعروا أنهم طعنوا من الخلف وأن حقهم في تقرير المصير قد أغفل تمامًا، واعتبروا أن الموافقة على هذا القرار تفريط كبير في حقوقهم، وتصاعدت حدة الاشتباكات وتجدد القتال وعم جميع أجزاء فلسطين، وأخذ الشعب الفلسطيني يستعد لجولة حاسمة، وبدأت اللجان الشعبية تجمع الأموال وتشتري السلاح، وبدأت عمليات التعبئة والتدريب، وأنشأت قيادة الجهاد المقدس، وتم تأليف جيش الإنقاذ ... وذلك ردًا على قرار التقسيم الجائر ... ذلك القرار الذي أصبح البعض الآن يطالب به ويعتبره تتويجًا لسنوات كفاحه الطويل، في حين رفضه أبناء شعبنا ... ورفضوا الوجود اليهودي أو أي شكل من أشكال الكيان للعدو، وبدأ يعد العدة لمواجهة هذا القرار وللتصدي لمحاولات اليهود إقامة كيانهم الباطل على أي جزء من أرض فلسطين.

• هل أصبح القرار الباطل مطلبًا ملحًا؟!

إن أسباب انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة وتأسيس المنظمات العديدة في أواسط الستينيات كان للتصدي لمشروع التقسيم الجائر والتصدي لإقامة دولة العدو على أرض الـ1948، وليس من أجل تحرير الضفة أو غزة حيث لم تكونا محتلتين بعد ... وليس من أجل إقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة اليهودية، وليس من أجل المفاوضات المباشرة والصلح والاعتراف ... وقد أكد ذلك الميثاق الوطني الفلسطيني الذي ورد في المادة (19) منه:

«تقسيم فلسطين الذي جرى عام 1947 وقيام "إسرائيل" باطل من أساسه مهما طال عليه الزمن؛ لمغايرته لإرادة الشعب الفلسطيني وحقه الطبيعي في وطنه» فهل أصبح هذا القرار الباطل مطلبًا ملحًا؟! ولماذا أصبح البعض يعتبره الآن بأنه يؤكد شرعية الدولة الفلسطينية كما أكد شرعية الدولة اليهودية؟

كذلك فإن هذه التوجهات والمقدمات تخالف مقررات المجالس الوطنية الفلسطينية التي جاء فيها «تناضل منظمة التحرير الفلسطينية ضد أي مشروع كيان فلسطيني ثمنه الاعتراف والصلح والحدود الآمنة والتنازل عن الحق الوطني، وحرمان شعبنا من حقوقه في العودة وتقرير مصيره فوق ترابه الوطني».

فلماذا أصبحنا الآن نقبل بكل ذلك؟ ولماذا أصبحنا نمهد الأجواء لكيان فلسطيني يقوم على الصلح والاعتراف والحدود الآمنة؟

• 57% لليهود ... 43% للعرب!!

وقرار التقسيم الذي يمنح الدولة اليهودية 57% من أرض فلسطين كما كانت على عهد الانتداب، فيما يمنح الدولة العربية 43% فقط، رفضته حينها الدول العربية الأعضاء وقتئذ في الأمم المتحدة إضافة إلى أفغانستان وباكستان والعراق وتركيا وإيران، وامتنعت (10) دول عن التصويت باعتباره قرارًا باطلًا وجائرًا بحق الشعب الفلسطيني، ومع هذا أصبحنا نناضل من أجله ... وأصبحنا نعتبر رفض الدول العربية له خطأ تاريخيًا علينا أن نصححه!

يقول أحد المندوبين العرب الذين عاصروا عملية التصويت، وهو يتحدث عن كيفية كسب اليهود للأصوات ... إن الصهيونيين ومن وراءهم أمريكا بذلوا قصارى جهدهم لاستمالة بعض المندوبين الذين كانوا قد أبدوا معارضتهم لقرار التقسيم ... فتمكنوا من استمالة مندوبي هايتي وليبيريا وسيام ... فوقف هؤلاء إلى جانب قرار التقسيم بعد أن عارضوه ... فقد وقف مندوب هايتي يقول والدمع يترقرق في عينيه: «إنني لا أزال عند رأيي الشخصي في معارضة التقسيم، لكنني بصفتي ممثلًا لحكومتي لا يسعني إلا أن أنزل عند رغبتها في الموافقة عليه،» هذا بعد أن رفض الرشوة التي قدمها إليه اليهودي موشي شاريت وقدرها (40) ألف دولار ... وليبيريا اضطرت بقبول القرار نزولًا على مشيئة تجار المطاط، وفي مقدمتهم شركة فايرستون العالمية التي تؤيد الصهيونية، وكان المطاط المورد الرئيسي لخزانة ليبيريا ... واستبدلت سيام مندوبها الذي عارض التقسيم بآخر أيده، بعد وشاية اختلقها اليهود اتهموا فيها المندوب الأول بأنه لا يؤيد الحكومة الجديدة التي قامت في سيام إثر انقلاب داخلي ... وهنا أليس من حقنا أن نتساءل بعد ذلك: أية خدمة نقدمها نحن للعدو اليهودي؟

• تهدئة كوادر المنظمات:

ويبدو أن هذه التصريحات والتوجهات أحدثت بلبلة بين عناصر المنظمات والاتجاهات داخل فلسطين المحتلة، الأمر ينذر ببداية انقسامات بسبب قوة التيار المعارض لتوجهات الاعتراف باليهود وقبول قرار التقسيم ... ولهذا السبب فقد صرح فاروق قدومي قائلًا: «لتلافي أي سوء فهم ووضع حد للشائعات التي تتردد بين الفلسطينيين، من الضروري إيضاح أن اللجنة القانونية والسياسية للمنظمة تواصل دراسة التدابير الواجب اتخاذها إثر فصل الضفة الغربية عن الشرقية، وأضاف أن المنظمة تستطلع وجهات نظر الدول الصديقة بشأن الخيارات التي طرحتها المنظمة أخيرًا» الأمر الذي فسره المراقبون بأنه لتهدئة كوادر المنظمات في الداخل ومحاولة استيعاب معارضتهم.

• فلسطين إسلامية من النهر إلى البحر:

وأخيرًا ... فإن الشعب الفلسطيني المصابر في أرض الجهاد والرباط الذي يتصدى بانتفاضته للوجود اليهودي على أرض فلسطين المباركة ... يناشد م. ت. ف رفض قرار التقسيم ورفض الصلح والمفاوضات والاعتراف بدولة اليهود.

وإن أشبال الحجارة في فلسطين قد أوضحوا موقفهم بجلاء من كل ذلك مع كل ضربة حجر ومع كل زجاجة حارقة ... ولعل بيان حركة المقاومة الإسلامية «حماس» رقم 28 الذي تصدره شعار الحركة «فلسطين إسلامية من النهر إلى البحر» ليعبر بصدق عن موقف الشعب الفلسطيني الذي يلتف وراء القيادة الإسلامية المجاهدة، ويصر على استمرار الانتفاضة وتصعيدها حتى يتحقق النصر والتحرير بإذن الله: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (إبراهيم: 20).

الرابط المختصر :