; على أبواب العام الرابع للانتفاضة.. الانتفاضة تؤكد صمودها في أقسى الاختبارات | مجلة المجتمع

العنوان على أبواب العام الرابع للانتفاضة.. الانتفاضة تؤكد صمودها في أقسى الاختبارات

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2003

مشاهدات 68

نشر في العدد 1570

نشر في الصفحة 20

السبت 27-سبتمبر-2003

المقاومة عنوان المواجهة.. وشارون يلعب بأوراقه الأخيرة

 فشل خطط شارون العسكرية لقمع الانتفاضة أصابه وأركان حكومته بالإحباط

 نعم.. فقد الشعب الفلسطيني 2700 شهيد و36743 جريحًا و7389 أسيرًا و53656 منزلًا.. ولكن.. فقد الصهاينة بالمقابل الأمن والاقتصاد و870 قتيلًا

 محللون سياسيون صهاينة: شارون لم يعد قادرا على إخراجنا من الوحل.. لقد ضاقت النفس من تكرارية الدماء التي لا معنى لها

بعد غد وفي التاسع والعشرين من سبتمبر الجاري، تدخل الانتفاضة الفلسطينية عامها الرابع، وقد كان العام الثالث للانتفاضة مليئًا بالأحداث والتطورات والمتغيرات وهو ما مثل منعطفًا جوهريًا في تاريخ الصراع مع الاحتلال، وإذا أردنا أن نختار عنوانًا لهذا العام فيمكن أن نسميه بعام الاغتيالات أو شطب مرحلة أوسلو أو التقلبات السياسية، فكلها عناوين تعبر عن مضمون تفاعلات العام الثالث.

كما تبلورت خلال هذا العام صورة حركة حماس ليس فقط كمنظمة جهادية من منظمات المقاومة الفلسطينية بل كطرف أساسي في الحياة السياسية الفلسطينية والمعادلة السياسية، يحظى بالاحترام والثقة والتقدير.

وإسرائيليًا يصف الصحفي الإسرائيلي حيمي شليف، المحلل السياسي وخبير الاستطلاعات في صحيفة «معاريف» حال المجتمع الإسرائيلي بالقول: «بعد ثلاث سنوات تكرس اليأس والإحباط والاكتئاب، والأمل القليل الذي تبقى ينحسر رويدًا رويدًا».

ويضيف: «في كل مكان تنظر إليه ترى طريقًا مسدودًا في أحسن الأحوال وانسحابًا للخلف في أحوال أقل جودة وخطرًا للانغماس في السيناريو الأسوأ من كل المجريات، ربما كان ذلك مجرد صدفة ولكن الحقيقة هي أن شعورًا بحالة الطوارئ الاقتصادية وانهيار الرؤية السياسية وفقدان الصحوة والحماسة الاجتماعية قد استشرى، وفوق كل ذلك تخيم غمامة سوداء كبيرة خانقة من الفساد في القيادة».

وعلى صعيد التضحيات الفلسطينية، أفادت آخر إحصائية فلسطينية حول الانتهاكات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني منذ بداية الانتفاضة في 29 سبتمبر 2000م وحتى الحادي والثلاثين من شهر أغسطس الماضي، أن الشعب الفلسطيني قدم خلال خمسة وثلاثين شهرًا 2700 شهيد بينهم 490 طفلًا و180 من الإناث.

وأمام الصورة السياسية والميدانية في الأراضي المحتلة، فقد وصلت الانتفاضة إلى نقطة اللا عودة وأصبح استمرارها ومستقبلها مرهونًا بتحقيق أهداف وتطلعات الشعب الفلسطيني الذي لم يبق لديه شيء ليخسره.

محطات العام الثالث

اقترن العام الأخير للانتفاضة ببداية نسيج مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط باحتلال العراق مصحوبًا بمرحلة جديدة في تاريخ العلاقات الدولية والأمم المتحدة، وهو ما جعل الانتفاضة تتحمل أعباء ونتائج وانعكاسات هذا النسيج المذهل من التاريخ والمتغيرات والصراعات في حين كانت أبرز محطات العام الثالث على النحو التالي:

أولًا: حماس تصعد لمواجهة المشهد والمعادلة السياسية، فقد تبلورت خلال هذا العام صورة حركة حماس ليس فقط كمنظمة جهادية من منظمات المقاومة الفلسطينية بل كطرف أساسي في الحياة السياسية الفلسطينية، والمعادلة السياسية تحظى بالاحترام والثقة والتقدير، فقد تم تبادل الرسائل أوروبيًا مع حماس سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة في سياق الحديث عن الهدنة والتحضير لخارطة الطريق، وعربيًا كانت حماس مدخل الاتصالات العربية التي قادتها مصر وأطراف عربية أخرى لتوحيد المواقف الفلسطينية حول رؤية فلسطينية شاملة للمرحلة السياسية، خصوصًا أثناء وبعد غزو العراق والحوار حول الهدنة وغيرها.

وفلسطينيًا كان الاهتمام والحرص مركزًا حول رؤية حماس في صياغة البرنامج السياسي للمرحلة الذي كانت تصوغه السلطة سواء قبل حكومة أبو مازن أو بعدها.

ونجحت حماس خلال هذا العام في لعب دور محوري في إدارة الصراع وشد الخيوط نحو صيغة أقرب إلى التوافق حول القضايا السياسية والأمنية، مما أسهم في تجنيب الساحة الفلسطينية الخلافات والانفجار الداخلي الذي كان يعمل عليه الكيان الصهيوني والولايات المتحدة من خلال محاولات الاستقطاب والتشويش والإغراءات للقيادات والقوى السياسية.

ثانيًا: الاغتيالات انقلاب في التفكير «الإسرائيلي» لإدارة الصراع

كان الفشل الذي منيت به خطط شارون العسكرية والأمنية في مواجهة الانتفاضة على مدى أكثر من عام، وفرض رؤيته السياسية على الفلسطينيين، محبطًا له ولأركان حكومته الذين شعروا أن تكلفة المواجهة كانت عالية في إعداد القتلى والجرحى والخسائر لدى الكيان بعد تنفيذ تلك الخطط.. «المائة يوم»، «طريق جهنم»، وغيرها، ولم يتبق أمامهم الكثير لعمله للقضاء على المقاومة وتحقيق قوة ردع كبيرة في مواجهتها، لذا لجأ شارون وطاقمه العسكري والأمني إلى البحث عن استراتيجية جديدة تبلورت في الاغتيالات للقيادات الفلسطينية في جميع التنظيمات ودون تفريق بين القيادات السياسية أو العسكرية، وكانت هذه السياسة قمة ما لدى شارون من مخزون في مواجهة الانتفاضة ظنًا منه أن هذه السياسة ستفتح الطريق أمامه لتحقيق اختراقات جوهرية في الواقع السياسي الفلسطيني، وتشكل ضربة في الصميم للمقاومة وتخلق حالة من الإرباك في الساحة الفلسطينية.

صحيح أن الاغتيالات كانت نهجًا ثابتًا في سياسات الاحتلال، لكن الجديد في هذا العام كان الآليات المتبعة والقيادات المستهدفة والتي تركز في معظمها ضد حركة حماس، فالاحتلال لجأ إلى تقنيات متقدمة جدًا وتبديل أساليبه في الاغتيال من خلال عمليات تدمير للمنازل تماشيًا مع السياسة التي أعلنها شارون أنه لم يعد هناك مكان أو مسؤول أمن، أما الأشخاص فقد اتسعت دائرتهم بحيث تشمل أيًا من نشطاء الانتفاضة بغض النظر عن درجته التنظيمية أو انتمائه، أما الأهداف فقد عكست الخطورة والإحباط في نفس الوقت.

ثالثًا: خارطة الطريق للخروج من أوسلو

ولدت خارطة الطريق كمشروع سياسي بعد أن قررت «إسرائيل» التخلص من اتفاقات أوسلو والتخلي عن كل التزاماتها، وبلغ الضغط والتحرك الدولي ذروته في خضم الأجواء التي خيمت على المنطقة غداة التحضير للعدوان على العراق، وزادت المخاوف من وجود فراغ سياسي في المنطقة ينذر بأخطار جسيمة على كل الأطراف وتحسبًا لما قد يترتب على مرحلة ما بعد صدام.

أي أن خارطة الطريق جاءت في سياق وظيفي محدد ولم تكن خطة لمعالجة الصراع، وكانت أول مهمة لها هي إلغاء الالتزامات التي كانت مترتبة على الاتفاقيات الانتقالية ومرحلتي الانسحاب الثانية والثالثة وإبعاد جميع الأطراف بما فيها الأمم المتحدة وقراراتها والدول الأوروبية ومقترحاتها والعربية ومشروعها الذي أعلن عنه في قمة بيروت، والانقلاب الذي طرأ على التفكير «الإسرائيلي» إزاء الصراع مع الفلسطينيين خلال الانتفاضة والذي يقوم على خفض الطموحات الفلسطينية من التسوية لأدنى حد، وهو ما يفسر تصميم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إنهاء زعامة عرفات وإجراء التغيير في النظام السياسي الفلسطيني بما يسمح بإعادة ترتيب العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية على أسس جديدة.

هذه الرؤية لخارطة الطريق أمريكيًا وإسرائيليًا تعزى إليها كل الأزمات التي شهدتها المنطقة خلال العام الثالث من الانتفاضة سواء بغرض إجراء التغيير على النظام السياسي واستحداث منصب رئيس الوزراء في أعقاب مؤتمر لندن، أو بتصعيد الضغوط على شخص عرفات وزعامته ومحاولة تكريس عزلته، أو برفض الاعتراف بمشروع الهدنة وتصعيد سياسة الاغتيالات للقيادات.

كل ذلك ينطلق من الرؤية السياسية الجديدة التي بلورتها الإدارة الأمريكية وحكومة شارون لمعالجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، باعتبار أن هذه الرؤية تتلاءم مع الرؤية الأمريكية الجديدة للشرق الأوسط وإعادة رسم الخريطة السياسية له.

رابعًا: النظام السياسي الفلسطيني وتقلباته

يواجه النظام السياسي الفلسطيني منذ انتهاء المرحلة الانتقالية امتحانًا عسيرًا بسبب افتقاره للمشروعية الدستورية والقانونية، لذا ظل يعاني من هذا الخلل الذي بلغ ذروته في العام الثالث للانتفاضة، حيث مورست الضغوط على السلطة للإعلان عن الدستور وإجراء الانتخابات من قبل أطراف عدة كانت على رأسها الولايات المتحدة لكنه تم التخلي عن هذه المطالب بعدما نجح الفلسطينيون في التكيف والتجاوب معها، واتضح أنها ستعزز من زعامة عرفات وقوة النظام الفلسطيني.

وبعد ذلك تم الضغط باتجاه آخر يهدف إلى تفكيك النظام السياسي الفلسطيني وإعادة هيكلته بصورة شاملة وجوهرية لإضعاف هذا النظام وإبعاده عن مرجعيته الوطنية والنضالية المتمثلة في منظمة التحرير والمجلس الوطني، ونظرًا لضعف قدرة السلطة على الصمود في وجه الضغوط وحاجتها للتواصل مع الأطراف الدولية اضطرت إلى الدخول في الإصلاحات والتغيير السياسي باستحداث رئيس للوزراء.. لكن الحدود التي طلبتها الأطراف الدولية بما فيها الاحتلال لم تتوقف عند متطلبات الأداء وإنما أرادت أن تصعد بمطالبها إلى الانقلاب ولكن بأيدٍ فلسطينية.. الانقلاب الذي يفجر الخلافات الفلسطينية الفلسطينية، ويفجر المواجهة الصدامية الداخلية ويبعد النظام السياسي الفلسطيني عن خيار المقاومة في المواجهة مع الاحتلال.

خامسًا: محاولات عزل الانتفاضة

فقد تعرضت الانتفاضة خلال العام الثالث إلى ضغوط وصعوبات ثقيلة بسبب التغيرات التي شهدها النظام العالمي والتقلبات السياسية الإقليمية والدولية وتآكل قدرات المقاومة والصمود في العالم العربي بانفجار الملف العراقي والذي انتهى باحتلال الولايات المتحدة للعراق.

هذه التطورات والتقلبات جعلت الانتفاضة عملًا محصورًا ومعزولًا داخل فلسطين، خصوصًا بعد أن تبدلت نظرة العالم إلى المقاومة وأصبحت تقابل الإرهاب في السياسة الدولية، ومحاولة سحب هذا التصنيف من الناحية العملية على أعمال الانتفاضة والمقاومة في فلسطين، بينما صنفت جميع أعمال و ممارسات الاحتلال العدوانية على أنها من قبيل مقاومة الإرهاب.

هذا التغيير شكل غطاءً مهمًا للاحتلال الإسرائيلي لتنفيذ كل مخططاته ضد الفلسطينيين وأطلق يده في ملاحقة وتصفية نشطاء الانتفاضة وقياداتها السياسية والميدانية دون أي حسيب أو رقيب من المجتمع الدولي.

الانتفاضة في أرقام

النزيف الفلسطيني لم يتوقف خلال الثلاث سنوات وما زالت رموز الانتفاضة مثل محمد الدرة وفارس عودة وإيمان حجو شاهدة على هول الجريمة وعظمة التضحيات، وفي هذا الإطار، أفادت آخر إحصائية فلسطينية حول الانتهاكات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني منذ بداية الانتفاضة في 28 سبتمبر 2000م وحتى الحادي والثلاثين من شهر أغسطس الماضي، أن الشعب الفلسطيني قدم خلال خمسة وثلاثين شهرًا 2700 شهيد بينهم 490 طفلًا و180 من الإناث.

وأوضحت الإحصائية، التي أصدرها مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، أن من بين الشهداء 732 قتلوا جراء القصف الإسرائيلي، الذي بلغ عدد مراته منذ الأول من تشرين أول (أكتوبر) من العام «2000م» 20588 مرة، فيما استشهد 185 مواطنًا فلسطينيًا مستهدفين و76 آخرين غير مستهدفين في عمليات اغتيال غير قانونية.

وذكرت الإحصائية أن 95 مواطنًا بين شيخ وامرأة وطفل من المرضى سقطوا جراء العراقيل التي وضعها الاحتلال على الحواجز العسكرية، حيث أقامت قوات الاحتلال 1617 حاجزًا ونقطة عسكرية جديدة خلال الانتفاضة.

وأشارت إلى أن 41 شهيدًا سقطوا جراء اعتداءات المستوطنين، وسقط من طلبة المدارس والجامعات 553 شهيدًا و9 شهداء من الإعلاميين والصحافيين، فيما استشهد 25 من أفراد الأطقم الطبية والدفاع المدني خلال تلك الفترة.. وحسب الإحصائية فان إجمالي عدد الجرحي خلال 35 شهرًا من الانتفاضة بلغ 36743 جريحًا.

وبلغ عدد المعتقلين 7389 أسيرًا موزعين على 22 سجنًا ومعسكرًا، وأعلن وزير شؤون الأسرى والمحررين هشام عبد الرازق أن من بين الأسرى 80 أسيرة، يقبعن في سجن «نفيه ترستا» في معتقل الرملة شمال القدس المحتلة، و361 أسيرًا من الأطفال دون الثامنة عشرة، يقبع العدد الأكبر منهم في سجن «هشارون» شمالي مدينة «تل أبيب»، والباقي في سجون «مجدو»، «عوفر» في بيتونيا، والبعض الآخر في مراكز تحقيق «المسكوبية»، «قدوميم» «حوارة»، ومعسكر «سالم». ونوهت الإحصائية إلى أن ما يقارب 21 ألف مواطن من مختلف الأعمار، تعرضوا للاعتقال لأسباب مختلفة ولفترات زمنية متفاوتة خلال الانتفاضة.

وبلغ عدد الانتهاكات ضد الصحافيين والإعلاميين 473 اعتداءً ما بين استشهاد وإصابة واعتقال واحتجاز وتقييد الحركة أثناء تغطيتهم لجرائم الاحتلال وغيرها.

وفي نفس السياق بلغ عدد المنازل المتضررة في الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل كلي وجزئي 53656 منزلًا، بينها 3877 دمرت بشكل كلي، منها 1555 في غزة و49779 منزلًا تعرضت لأضرار جزئية.

وذكرت إحصائية المركز أن عدد المنشآت الصناعية والتجارية التي تم تدميرها بالكامل خلال الانتفاضة 7129 موزعة ما بين ورش صناعية ومحلات.

وأشارت الإحصائية إلى أن 165 ألف دونم من الأراضي تم الاستيلاء عليها لصالح مشروع الجدار الاستيطاني الفاصل.

وبلغ إجمالي مساحة الأراضي التي جرفت 60467 دونمًا.

في مستنقع الوحل والدم: «شارون يغرق في الوحل ويغوص في مستنقع الدم أكثر فأكثر»، «شارون يتخبط ويضرب يمينًا وشمالًا بدون هدف وبدون رؤية واضحة»، هكذا علق كثير من المحللين الإسرائيليين على التصعيد الجنوني الذي يمارسه جيش الاحتلال بأوامر من شارون مع نهاية العام الثالث من الانتفاضة، هؤلاء المحللون اعتبروا أن شارون يدفع بالمنطقة إلى حمام دم وأنه لن يكون بإمكانه وضع حد للإرهاب من خلال الضربات العسكرية المتلاحقة.

أحد هؤلاء المحللين لفت الأنظار إلى أنه منذ قيام «إسرائيل» عام 48 لم يسقط عدد كبير من القتلى الإسرائيليين مثلما سقط في عهد شارون «أكثر من 870 قتيلًا» ولا في كل حروب إسرائيل، وأنه لم تنفذ عمليات فدائية مثلما نفذت في عهد شارون «أكثر من ثلاثمائة عملية»، ويخلص هذا المحلل إلى أن شارون يدفع ثمنًا باهظًا للسياسة المراهقة التي يتبعها.

الصحفي الإسرائيلي ألوف بن يقول: أرئيل شارون ليس لديه رد على سؤال: إلى متى سيستمر تواصل العمليات والاغتيالات؟

أما الكاتب ميخائيل فيكتب مقالًا «ثائرًا» وساخنًا في «يديعوت أحرونوت»، ويعنون مقاله بـ «إسرائيل المتوحشة الشريرة الغبية»، ويقول: لقد ضاقت النفس ذرعًا من تكرارية الدماء التي لا معنى لها، ضاقت النفس من تلك الثلة من الجنرالات العنيدين الملتوين الذين يتصرفون وكأنهم عقدوا العزم على عدم السماح لـ إسرائيل بالخلاص من دوامة الدماء في أي وقت من الأوقات، درايتهم العسكرية العميقة التي دفنتنا في لبنان على مدى 18 سنة من المرارة والألم تستخدم الآن «في الانتفاضة» وتسخر الآن لدفننا لـ 18 سنة أخرى من إراقة الدم الآخذة في الانفلات، ويسخر ميخائيل من «الإنجازات الإسرائيلية» على صعيد ضرب المقاومة الفلسطينية محاولة اجتثاث جذورها قائلًا: هناك أيضًا «افترسنا» و«ضربنا» و«حطمنا» و«علمناهم درسًا» و«دمرنا البنى التحتية» و«سحقنا القادة» وهاجمنا بالوحدات الخاصة والمتطورة ورغم ذلك في كل يوم قبرنا أبناءنا بالزي العسكري ثم واصلنا نبطش ونسحق ونقتل القادة وأولادهم.. لقد سئمنا هذه الدوامة العسكرية الدموية، فليذهبوا ويهتموا بشؤونهم.

وفي ختام مقالته، يقول الكاتب ميخائيل: «سنوات الاحتلال حولتنا إلى غول وحشي، ليس شريرًا فقط وإنما غبيًا، إن عرفات ليس المشكلة بل هو شارون، وليست السلطة الفلسطينية هي الرافضة للسلام وإنما إسرائيل التي ترفض إعطاء الغير ما تريده لنفسها».

أما الصحفي يوئيل ماركوس فيرى أن «شارون لم يعد قادرًا على إخراجنا من الوحل»، ويستدل باستطلاعات رأي جرت في «إسرائيل» تشير إلى تدهور ثقة الإسرائيليين بشارون رغم أنه لا يوجد منافس له على صعيد رئاسة الوزراء.

ولا يوجد أي أمل لدى هؤلاء المحللين في أن يفتح شارون ثغرة في الجدار السياسي، ويقولون إنه مصمم على الاستمرار في خوض «حربه المقدسة» ضد الفلسطينيين حتى لو كلف ذلك الإسرائيليين ثمنًا باهظًا من القتلى والدماء.. ويرى الصحفي الإسرائيلي عوفر شيلح أن «إسرائيل» تسير في طريق العمل السياسي، وأن عالم الإسرائيليين اليوم - مثلما الأمر في عالم البهائم - أصبح كل شيء أوتوماتيكيًا.

إخفاق عسكري

وبعد انقضاء العام الثالث للانتفاضة، ظل الهاجس الأمني هو عنوان البيت الإسرائيلي بعد أن أخفقت كلفة الخيارات العسكرية والإجراءات الأمنية في توفير الأمن لمواطني الكيان وبعد نظرة تقيمية للجوانب الأمنية والعسكرية يعترف الصهاينة - محللين وعسكريين - أنه في هذه الانتفاضة أصيبت الجبهة الداخلية الإسرائيلية أكثر من أي حرب أخرى باستثناء حرب «النكبة».

ويدعي زئيف شيف، المحلل الاستراتيجي في «يديعوت أحرونوت»، أن هذه هي الحرب الوحيدة التي أصيب فيها مدنيون إسرائيليون أكثر مما أصيب رجال أمن، وأن هدف الفلسطينيين ضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية، في قلب الدولة.

ويضيف: «إسرائيل» لم تنجح في منع الهجمات على الجبهة الداخلية الإسرائيلية في كل أشهر القتال، ولكن من ناحية عسكرية نجحت أجهزة الأمن في أن تقلص بشكل كبير عدد الهجمات على الجبهة الداخلية.

إلا أن الإسرائيليين يعترفون بأن جيشهم لم ينجح أيضًا في جهوده العسكرية لمنع تهريب السلاح والمواد المتفجرة إلى المناطق الفلسطينية، كما أن إنتاج المواد المتفجرة يستمر هناك بلا انقطاع، وفي منطقة الحدود مع رفح دمر نحو مائة نفق هرب عبرها الفلسطينيون السلاح والمواد المتفجرة، ولكن الفلسطينيين تمكنوا دومًا من حفر المزيد من الأنفاق وتعميقها «تحت ۳۰ مترًا».

وحسب المعطيات الإسرائيلية، فإن نسبة الخسائر في هذه الانتفاضة كانت سيئة بالنسبة لهم بالقياس إلى كل حرب سابقة، فنسبة القتلى الإسرائيليين إلى الشهداء الفلسطينيون هي 3: 1 وفي كل مقايسة مع الحروب الماضية، فإن هذا إجمال سلبي، حيث قتل في الانتفاضة الحالية من الإسرائيليين أكثر مما قتل في حرب الأيام الستة «في حينه قتل 803 إسرائيليين».

وفي نفس الإطار العسكري للانتفاضة يظهر من الإحصائيات المختلفة - قبل نحو شهر - أنه وقعت «18.125 عملية، منها 116 عملية استشهادية استشهد فيها 122 شخصًا».

وعلى ما سبق تبرز استنتاجات عسكرية لما حققته الانتفاضة على هذا الصعيد كما يلي:

1- واصلت المقاومة الفلسطينية اختراق الأمن الإسرائيلي رغم كل إجراءات الحصار والإغلاق والاستنفار الأمني الدائم لمنع العمليات الاستشهادية داخل مدن الكيان وهو ما يطلقون عليها «البطن الطرية» «لإسرائيل» وهي خط الحدود بين المدن الإسرائيلية والضفة الغربية.

2- المقطع الأكثر استهدافًا وانكشافًا من الناحية الأمنية في الضفة لم يكن المستوطنات أو مواقع الجيش الإسرائيلي، بل الطرق التي تسير عليها السيارات الإسرائيلية ومعظمها من المستوطنين، حيث تشير الأرقام إلى أن 89 مستوطنًا قتلوا بنيران المقاومة على السيارات من أصل 276 قتلوا في الضفة الغربية.

3- مع أنه في المناطق المحاذية لقطاع غزة وداخله كان عدد العمليات هو الأعلى «9.628» حالة فإن عدد الخسائر هناك كان الأقل «نحو 10%» مقابل باقي المناطق، وكذا أيضًا عدد الجرحى - نحو 8% فقط - وذلك نتيجة للطوق الأمني و الجدار الذي يحيط بقطاع غزة.

4 - في المقابل واصلت صواريخ القسام وقذائف الهاون التي تطلق من قطاع غزة، إحداث ضرر نفسي أكثر مما أحدثته من الضرر المادي خصوصًا بعدما وصل مداها إلى مدينة عسقلان.

5- وتبقى المعضلة الأمنية والعسكرية الأخطر التي يواجهها الإسرائيليون هي القنابل البشرية «الاستشهاديون» والتي تمثل السلاح الأقوى بالنسبة للمقاومة الفلسطينية، وعليه فإن عدد الإصابات الأكبر لحق بالصهاينة من العمليات الاستشهادية، والتي أوقعت 56% من إجمالي القتلى الصهاينة.

6 - على صعيد الوسائل العسكرية الإسرائيلية المستخدمة لقمع الانتفاضة، أصبح سلاح الجو الإسرائيلي سلاحًا رئيسًا في المواجهة خصوصًا في إطار حرب الاغتيالات التي يشنها الاحتلال، بالإضافة إلى وسائل وتقنيات المراقبة المتطورة وجمع المعلومات الاستخبارية حيث لعبت الطائرات بلا طيار دورًا مهمًا في المواجهة، بل اضطر جيش الاحتلال إلى شراء ساعات طيران الطائرات بلا طيار من السوق المدنية لمواجهة المقاومة.

7- كما لا يمكن تجاهل دخول فلسطينيي الـ 48 على خط المواجهة إلى جانب إخوانهم في انتفاضة الأقصى، حيث تشير تقارير إسرائيلية إلى أن خلايا من فلسطين المحتلة عام 48 شاركت في عمليات بطرق مختلفة أسفرت عن مقتل 60 إسرائيليًا وإصابة 4.3 آخري،. وقد تم اعتقال 78 فلسطينيًا في هذا الإطار.

ونتيجة لكل ذلك لا يمكن إغفال التأثيرات الاقتصادية على المجتمع الإسرائيلي الذي يعيش أزمة هي الأسوأ في تاريخه، بحيث تعترف تقارير إسرائيلية بأنه اقتصاد على حافة الانهيار.

وقد أكد تقرير اقتصادي أن الانتفاضة أثرت على الاقتصاد الإسرائيلي بكافة فروعه: السياحة، الزراعة، العقارات، الصناعة، التجارة بشقيها الداخلي والخارجي، ووفقًا للتقرير الذي يرصد أثر الانتفاضة على الاقتصاد الإسرائيلي، خلقت الانتفاضة جوًا من القلق عند الإسرائيليين والأجانب والترقب عند المستثمرين ورجال الأعمال والحذر عند الفاعلين الاقتصادية، ونتج عن ذلك انخفاض في معدلات النمو وتراجع في التوظيفات والاستثمارات وتقليص حجم الصادرات.

وأكد التقرير أنه كان لانتفاضة الأقصى جملة من التأثيرات المادية المباشرة وغير المباشرة على الجانب الإسرائيلي سيما في مجال الاقتصاد والحياة الاجتماعية وعلى مستويات متعددة.

على أبواب العام الرابع

وعلى أبواب العام الرابع للانتفاضة تشير كل الدلائل إلى استمرار الانتفاضة و المقاومة بهذا الزخم و القوة رغم الإرهاب الصهيوني، بحيث تواصل تحقيق إنجازات وتأثيرات على جبهة الأعداء أو على جبهة الأصدقاء رغم ظهور بعض نقاط الضعف.

وتظهر التطورات الأخيرة سواء على الصعيد الأمني أو السياسي أن شارون يلعب بأوراقه الأخيرة كما يصفه بعض المحللين، فهو قد سرع من وتيرة الاغتيالات بحيث أصبحت شبه يومية واستهدف قادة حماس على وجه الخصوص، ثم استخدم طائرات «أف 16» لتضرب منازل سكنية لقادة الحركة، ثم موافقته المبدئية على إبعاد عرفات واستخفافه بحكومة أبو العلاء قريع.

هذه المشاهد تثبت أن شارون لم يعد يأبه بشيء سوى تحقيق حلمه بالانتصار العسكري على الفلسطينيين، لكن ما يزعجه ويزيد من توتره وتخبطه في اتخاذ القرارات هو الرد السريع الذي تنفذه المقاومة الفلسطينية والتي تضع شارون في حرج كبير وتبرز أن كل إنجازاته على الصعيد العسكري سرعان ما تذوب تحت وطأة ضربات المقاومة الفلسطينية، وهو ما يشير إلى أن سقوط شارون سيكون أبرز إنجازات الانتفاضة في عامها الرابع إلى جانب سقوط نظرية اليمين الإسرائيلي العسكرية واستحواذ خيار المقاومة على مشروع التحرر الفلسطيني رغم أن الانتفاضة تبقى حلقة في سلسلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ربما تتوقف في عامها الرابع فترات مؤقتة في إطار هدنة أو تسويات سياسية مؤقتة.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1344

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق