; الانتخابات التشريعية الفرنسية: الفرنسيون يرجُّحون كفة التوازن السياسي والعدالة الاجتماعية | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات التشريعية الفرنسية: الفرنسيون يرجُّحون كفة التوازن السياسي والعدالة الاجتماعية

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997

مشاهدات 73

نشر في العدد 1253

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 10-يونيو-1997

 تحول سيناريو التعايش المتوقع بين اليمين واليسار إلى واقع بعد الدورة الثانية للانتخابات التشريعية في فرنسا، وبعد مرور عاصفة الانتخابات تبين أن هذه المحطة الانتخابية سيكون لها آثارها العميقة في الساحة الفرنسية وعلى المستوى الأوروبي، بل حتى خارج المنطقة الأوروبية بما يتصل بالعلاقات الفرنسية الخارجية؛ وذلك بسبب الانقلاب الكبير في الخارطة السياسية الفرنسية وعودة اليسار بقوة إلى دفة الحكومة في وقت قصير، وبقرار من رئيس الجمهورية الديجولي، الأمر الذي يعتبر سابقة من نوعه على الصعيد الأوروبي.

     ساد التشويش مرحلة الانتخابات خاصة بين الدورتين بعد أن أفرزت الدورة الأولى نتائج غير متوقعة لفائدة اليسار، في حين كان الهدف الرئيسي من حل البرلمان بقرار رئاسي هو دعم الأغلبية الحاكمة من اليمين؛ حتى يقبل الرئيس شيراك على الخمس سنوات القادمة المتبقية في دورته بنفس جديد، يمتلك خلالها كل الصلاحيات لاعتماد السياسة الداخلية والأوروبية كما يتصورها اليمين والطرف الديجولي فيه على وجه الخصوص.

     لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، حيث جات نتائج الدورة الثانية مخيبة للآمال، وكانت النتائج النهائية كما هو موضح بالجدول.

      من خلال هذا التقسيم يتضح أن الكفة رجحت اليسار الذي كان إلى فترة قصيرة في المعارضة، ولم يكن ينتظر أحد أن تنقلب الخارطة السياسية بهذه السرعة، كان بإمكان الرئيس دعم حزبه الديجولي بإجراء تغيير في منصب رئاسة الحكومة وتغيير جوييه بوزير أول أكثر شعبية مثل فيليب سوجان الرئيس الأسبق للبرلمان، أو جاك توبون وزير العدل، ولكن شيراك اختار حل البرلمان، وعقد انتخابات مسبقة، وكان رهانًا خاسرًا تسبب في إحداث انقلاب سیاسي، وأدخل فرنسا في مرحلة تعايش جديدة بين اليمين واليسار، ولكن على عكس الصورة التي حصلت في تجربتين خلال عهد ميتران الاشتراكي الذي تعايش مع حكومتين تنتميان إلى اليمين.

    ويتوقع المراقبون ونسبة (٦٠%) من الرأي العام أن هذه التجربة لن تصل إلى منتهاها بحكم صعوبة التوافق بين رأسي الجهاز التنفيذي (الرئاسي والحكومي)، فكلاهما معتد بآرائه، وهناك الكثير من نقاط الاختلاف بينهما، خاصة فيما يتعلق بالملفات الداخلية وبعض المسائل الخارجية.

     بيد أن مصلحة كل طرف تقتضي أن يحترم قانون اللعبة، ويقدم بعض التنازلات حتى تنجح تجربة التعايش ولو نسبيًا في معالجة كبرى القضايا مثل أزمة البطالة والملف الاجتماعي عمومًا، وتدخل في هذا الإطار مسألة «الخوصصة» الشائكة بالنظر إلى اختلاف التصورات الجذرية بين اليمين واليسار في الأولوية، وحجم القطاع الخاص مقارنة إلى القطاع العام.

   الرأي العام الفرنسي اختار من خلال عملية الاقتراع أن يقفل الباب أمام هيمنة الحزب الديجولي على دواليب الدولة ومؤسسات القرار عن طريق الانتخابات، وأن يكون التوازن بين الطرفين سبيلًا لتحقيق عدالة اجتماعية، وتقريب الفوارق بين الأغنياء والفقراء، علمًا بأن نسبة الفقراء في ارتفاع، وتشهد بذلك مئات الحالات من المحرومين من أبسط حقوق العيش، مثل: السكن، والعمل، وازدياد عدد المشردين والمهمشين، في الوقت الذي يحماكم عدد آخر من رجال الأعمال وكبار المسؤولين في قضايا الاختلاس والتدليس، ويتهرب عدد من كبار الأغنياء من دفع الضرائب.

    والأمل معقود لدى نسبة مهمة من الرأي العام الفرنسي على الوزير الأول الجديد ليونال جوسبان لكي يدخل إصلاحات عميقة على السياسة الفرنسية بما يخدم العدل الاجتماعي، وتعود هذه الثقة في الرجل بالنظر إلى مواقفه الجريئة والمعتدلة خلال حياته النضالية داخل الحزب الاشتراكي، بل إنه أكد في العديد من المناسبات اعتراضه على سياسة ميتوان الاشتراكي الذي أوجد أمامه عراقيل مثل تقريب لورون فاييس، وجعله منافسًا لجوسبان، لكن الأخير نجح في انتزاع منصب الأمانة العامة للحزب الاشتراكي.

     والسؤال المطروح: هل يقدر جوسبان على الصمود أمام جبهتين جبهة التعايش مع شيراك من ناحية، وجبهة التعايش مع الأحزاب اليسارية خارج الحزب الاشتراكي والتي تريد نصيبها من السلطة في بعض الوزارات مثل حزب البيئة والحزب الشيوعي؟ وهذا الأخير استغل وزنه في البرلمان (39 صوتًا) ليفرض شروطه على الوزير الأول الاشتراكي المحتاج إلى أصوات الشيوعيين لإنجاح سياسته، والحصول على الأغلبية في البرلمان، ومن بين شروط الحزب الشيوعي الإسراع في تطبيق برنامج الزيادة في الأجور، وخفض ساعات العمل إلى (٢٥) ساعة في الأسبوع بدلًا من (٣٩) ساعة حاليًا دون التخفيض في الأجور، وإيقاف الخوصصة في مجالات حساسة.

     وتنتظر الوزير الأول الجديد ملفات داخلية وخارجية عدة، منها: الانتخابات الجزائرية التي جرت يوم 5 يونيو وانعكاساتها على السياسة الفرنسية في منطقة المغرب العربي، وكذلك الملف الأوروبي، حيث سيعقد قريبًا مؤتمر الاشتراكيين الأوروبيين، وسيقوم توني بلير رئيس وزراء بريطاني الجديد بزيارة إلى باريس غدًا 11/6/1997م وبعد يومين ستعقد القمة الفرنسية الألمانية بحضور جوسبان، ثم اجتماع المجلس الأوروبي بأمستردام يومي ١٦ و١٧ من نفس الشهر والمفاوضات حول الحملة الأوروبية.

      من ناحية أخرى انتقد جوسبان بشدة خلال حملته الانتخابية سياسة فرنسا في إفريقيا، واعتبر أزمة زائير دليلًا على فشل سياسة شيراك الأفريقية، ووعد في حال فوزه بتغيير هذه السياسة لصالح الشعوب الأفريقية واحترام إرادتها، وهذه المسائل ذات العلاقة بالسياسة الخارجية حساسة للغاية؛ لأن رئيس الدولة لا يقبل بالسهولة أن يتدخل رئيس الحكومة في هذا المجال الذي يمس صلاحياته من قريب.

    وعلى النطاق الداخلي فإن المسلمين والمهاجرين عمومًا سيشعرون بارتياح بعد نتائج الانتخابات التشريعية، وتغيير الطاقم الوزاري؛ وذلك بسبب وعد جوسبان بالعودة إلى حق الانتماء للأرض الذي يتيح للعديد من المهاجرين وأبنائهم الحصول على الجنسية الفرنسية، وتسهيل الإقامة أو الدخول إلى فرنسا.

    وبالنسبة للزائرين بتخفيف إجراءات التأشيرة، بالإضافة إلى القناعة لدى الحزب الاشتراكي على وجه الخصوص بإعادة الاعتبار للمسلمين في فرنسا بالسماح لهم بإقامة أماكن للصلاة محترمة، وإدماج برامج عن الحضارة الإسلامية في التعليم، وتمكين الشباب من أصل مغربي وإسلامي من فرص العمل والرقي الاجتماعي كغيرهم من الفرنسيين.

    وعلى العموم فإن الانتخابات التشريعية الفرنسية الأخيرة فتحت صفحة جديدة في السياسة الفرنسية مع الداخل، ومحيطها سينعكس على العلاقات الفرنسية العربية والإسلامية عمومًا في الاتجاه الإيجابي الذي يخدم الاحترام المتبادل واحترام إرادة الشعوب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 20

122

الثلاثاء 28-يوليو-1970

إلى العمال - العدد 20

نشر في العدد 18

102

الثلاثاء 14-يوليو-1970

من بيان ‎25‏ يونيو ‎1970

نشر في العدد 34

128

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

لعقلك وقلبك (34)