; الانتخابات البوسنية.. هل تكون مقدمة إلى التقسيم النهائي للبوسنة؟ | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات البوسنية.. هل تكون مقدمة إلى التقسيم النهائي للبوسنة؟

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1996

مشاهدات 62

نشر في العدد 1217

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 17-سبتمبر-1996

  • المعطيات القائمة في البوسنة لا تضمن بأي حال من الأحوال انتخابات نزيهة؛ لأن هناك ٥٧٠ ألف مسلم من ذوي حق الاقتراع مبعدين عن مراكزهم.

في الرابع عشر من الشهر الجاري يتعين على الناخبين البوسنيين التوجه إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات عامة تشهدها البلاد بعد توقيع اتفاق السلام في ديسمبر الماضي، وفي هذه الانتخابات التي من المقرر أن تكون نتائجها النهائية قد ظهرت مع وجود هذا العدد من المجتمع: بين أيدي القراء سيختار من خلالها المسلمون والكروات ممثليهم في الكانتونات «المقاطعات» التي تشكل الفيدرالية بينهما، وكذلك ممثليهم في البرلمان الفيدرالي، أما سكان المنطقة المسماة بالجمهورية الصربية في البوسنة فسوف يختارون أعضاء برلمانهم، ورئيسًا لجمهوريتهم. وبحسب اتفاق دايتون فإن البوسنة ستبقى موحدة ومستقلة، ولذلك يبقى على الشعوب الثلاثة اختيار ممثليهم في البرلمان الذي يمثل الدولة الموحدة، وكذلك سيختار كل شعب ممثلًا له في مجلس الرئاسة المكونة من ثلاثة أعضاء مسلم، وكرواتي، وصربي، سيتناوب كل منهم منصب رئيس مجلس الرئاسة لمدة ثمانية شهور بالتناوب.

وهذا هو أبسط شرح للانتخابات القادمة، التي تبدو غاية في التعقيد إلى حد أن بعض القيادات المحلية المشرفة على الانتخابات، اعترف أنه من الصعب فهم النظام الانتخابي حتى للقائمين على إدارته، وبالتالي فسيكون الأمر أكثر صعوبة للناخبين.

كما أظهرت المرحلة الأولى من الانتخابات التي جرت في كرواتيا، وشارك فيها اللاجئون البوسنيون يومي 31/8، 9/1 تضارب مفاهيم القيادات المحلية والدولية حول النظام الانتخابي، وهو ما يعد انعكاسًا طبيعيًّا لتضارب المفاهيم كذلك حول نصوص اتفاقية دايتون التي تحدد نظام دولة البوسنة والهرسك، وهو النظام الذي وصفه حكماء القانون الدوليون بأنه نظام غير مسبوق ويضم نصوصًا متناقضة.

وفي هذه الانتخابات البوسنية في كرواتيا قام البعض بتسليم أوراقه الانتخابية فارغة، احتجاجًا على النظام الانتخابي الذي يمنع المسلمين المطرودين من بانيالوكا - على سبيل المثال - ضمن عمليات الإبادة العرقية التي ارتكبها الصرب، يمنعهم من الإدلاء بأصواتهم لمرشح مسلم، بمعنى أنه يتعين عليهم أن يختاروا بين واحد من القيادات التي قامت بتصفيتهم عرقيًا، وذلك لأن بنيالوكا تقع ضمن جمهورية صرب البوسنة.

والحقيقة أن المعطيات القائمة الآن في البوسنة لا تضمن بأي حال من الأحوال انتخابات حرة ونزيهة تعكس إرادة الشعب هنا.

غير أن المشكلة الأكبر التي ستواجه العملية الانتخابية في الرابع عشر من الشهر الجاري هي أن حوالي نصف عدد الناخبين سيتغيبون عن مراكزهم الاقتراعية، باعتبار أن نصف سكان البوسنة ما زالوا بعد تسعة أشهر من بدء تطبيق اتفاق السلام موزعين كلاجئين على بلدان العالم المختلفة.

وإذا كان من الصعوبة بمكان ضمان انتخابات حرة ونزيهة في بلد ما فكيف سيكون الحال إذا جرت هذه الانتخابات في ٥٢ دولة يعيش فيها اللاجئون؟ وكيف سيمكن جمع هؤلاء اللاجئين المنتشرين في البلد الواحد إلى المكان المخصص للاقتراع؟

ويتهم المسلمون اللجنة الدولية المشرفة على الانتخابات بالقصور الشديد في عمليات تسجيل الناخبين من اللاجئين الذين يمثل المسلمون غالبيتهم العظمى، ويقول خالد غينياتس - ممثل حزب العمل الديمقراطي الحاكم في اللجنة الانتخابية - إن هناك حوالي ٥٧٠ ألف مسلم من ذوي حق الاقتراع مبعدين عن مراكزهم الاقتراعية منهم ٤٣٠ ألفًا خارج البوسنة، لم يتم تسجيل إلا ۲۷۰ألفًا منهم، وكذلك هناك ١٤٠ ألف مهاجر مسلم داخل البوسنة لا يستطيعون العودة إلى ديارهم في المناطق التي يسيطر عليها الصرب أو الكروات، لم يتم تسجيل إلا ثمانين ألفًا منهم.

وأكثر ما يشتكي منه الجانب المسلم هو الانتخابية المعروفة باسمP2، والتي تتيح للمواطنين الإدلاء بأصواتهم حيث هم الآن، وليس حيث كانوا يسكنون قبل الحرب.

وعلى سبيل المثال فإن الصرب الذين يسكنون الآن بمنطقة سربيرينيتسا محل المسلمين المطرودين هناك، يحق لهم التصويت لصالح تكوين بلدية صربية في هذه المدينة التي يشكل المسلمون أغلبيتها العظمى، وهو الأمر الذي يعد اعترافًا قانونيًّا بنتائج عمليات التطهير العرقي التي تعرضت لها البلاد على يد المليشيات الصربية والكرواتية.

وتفيد المعلومات أن ٢٣٤، ٣٨٤ ناخبًا صربيًا قد تم تسجيل أسمائهم في منطقة الصرب على أساس نظام P2، وحوالي ٤٠ ألف ناخب كرواتي في المناطق الخاضعة للكروات.

وأكثر المناطق التي استخدم فيها هذا النظام الانتخابي هي مدن بانيالوكا، وبريدور، وبرتشكو، وسربرينيتسا، وبراتوناتس، وكذلك جيبا، وجروني فاكوف، وستولاتس، وتشابلينا، في المناطق الكرواتية.

ورغم تأجيل الانتخابات البلدية إلى شهر نوفمبر المقبل، إلا أنه ليس هناك ما يبشر بإلغاء هذا النظام P2 والذي يكرس بلا شك عمليات التقسيم العرقي ويمنحها الشرعية الدولية.

وذكرت جريدة «أفازه» اليومية الصادرة في سراييفو أن عدد المرشحين لكل مستويات الانتخابات قد بلغ ۲۸ ألف مرشح، ولكن اللجنة الدولية للانتخابات لم تحدد بعد مصير ثمانية آلاف منهم لم تجد أسماءهم ضمن لوائح تسجيل الناخبين التي أعدت على أساس الإحصاء السكاني لعام ۱۹۹٦م قبل الحرب. وتشارك الهيئات الدولية المستقلة - والتي لها ممثلون في البوسنة والهرسك - المسلمين في انتقاداتهم للنظام الانتخابي، وإصرار المجتمع الدولي على إجراء الانتخابات في موعدها.

ويتهم السير Terence Clark من منظمة مجموعة الأزمات الدولية - الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بالحرص على إجراء الانتخابات البوسنية في موعدها، رغم عدم توافر الظروف الطبيعية لذلك لمصالحها الخاصة.

ويقول كلارك ـ الذي كان سفيرًا لبلاده بريطانيا في بغداد ويتحدث العربية بطلاقة: «إن الظروف الموضوعية المطلوبة لإجراء الانتخابات غير متوافرة على الإطلاق، وإن الشروط التي نصت عليها اتفاقية دايتون لم تتهيأ بعد لإجراء الانتخابات، ومنها عزل مجرمي الحرب، وحرية التعبير والحركة، وإعادة اللاجئين»، ويضيف كلارك «أنه منذ توقيع اتفاق السلام لم يعد من اللاجئين إلى البوسنة سوى مائة ألف لاجئ، في حين أنه وفي نفس هذه الفترة تم طرد ثمانين ألفًا آخرين من ديارهم».

وأضاف «أن مجرمي الحرب ما زالوا طلقاء، وهم يسيطرون على الحياة السياسية والعسكرية في جمهورية الصرب، كما أن المعارضة في المناطق الصربية والكرواتية تتعرض لمضايقات وعراقيل كثيرة تصل إلى الاعتداء الجسدي والطرد من المسكن».

ولكن للسيد كلارك مأخذ على سلوك الحكومة البوسنية في بعض المناطق تجاه المعارضة التي تعرضت لمضايقات في بيهاتش وتسازين.

استمرار حالة الحرب

يجمع المراقبون المحليون على أن اتفاقية دايتون للسلام لم تفلح إلا في إيقاف المعارك وعودة الحياة شبه الطبيعية للبلاد، لكنها لم تعالج الأسباب التي قامت من أجلها الحرب، ولم تطرح حلًا منطقيًّا، ولذلك فهي أقرب لكونها هدنة طويلة الأمد، عن أن تكون حسمًا للحرب، والدليل على ذلك هو أن اللاجئين - كما ذكرنا - لم يعودوا إلى ديارهم بعد مرور تسعة أشهر على توقيع الاتفاقية، بل لم تبدأ حتى أي محاولات لإعادتهم حتى اللاجئون المسلمون داخل البوسنة نفسها لا يستطيعون العودة إلى ديارهم الواقعة ضمن المناطق التي يسيطر عليها، «الحليف» الكرواتي، وفي المؤتمر الصحفي يوم الرابع من سبتمبر الجاري أعلن كريس يانوفسكي الناطق باسم المفوضية العليا للاجئين أن صرب البوسنة طردوا مجموعة كبيرة من مسلمي مدينة بانيالوكا، وإن كل المحاولات الدولية لإعادتهم قد فشلت، وكان هذا مثار عجب أن تتواصل عمليات التهجير العرقي قبل عشرة أيام من الانتخابات.

وإذا كانت قضية اللاجئين هامة، فإن قضية الفيدرالية بنفس الأهمية، والواقع يقول: إن الكروات قرروا بصفة نهائية الانفصال عن البوسنة إما عاجلًا أو آجلًا، وكل الاتفاقيات التي تعلن في شأن الفيدرالية هي للاستهلاك المحلي وتحت الضغط الدولي، ولم يفلح الرئيس الأمريكي في إقناع الرئيس الكرواتي فرانيو توجمان، والذي استدعاه في البيت الأبيض بضرورة نقل الفيدرالية من مرحلة التصريحات إلى مرحلة الواقع والإعلان عن حل الجمهورية الانفصالية للكروات، والمسماة هرسك البوسنة.

أما على الصعيد الاقتصادي فإن عمليات الإعمار لم تبدأ مرة أخرى بعد تسعة أشهر من اتفاق دايتون، وسنكتفي هنا بالبيان الذي أصدرته وزارة الخارجية البوسنية في ١٨/٨/ ١٩٩٦م، والذي تذكر فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية وقعت عقودًا بمبلغ ٩٤ مليون دولار، أي ثلث قيمة المساعدات الموعودة، أما المجموعة الأوروبية فقد وقعت عقودًا بحوالي ١٥% من قيمة ما وعدت به، فيما يخص البنك الأوروبي للإعمار، فإنه لم يدفع دولارًا واحدًا من أصل ۱۰۰ مليون دولار وعد بها.

أما بخصوص الدول الإسلامية - كما يذكر بيان الخارجية البوسنية - فإن هناك تباينًا واضحًا في تقديم المساعدات، فماليزيا سددت التزاماتها بالكامل، وبروناي قريبة من ذلك، أما إندونيسيا فقد أوفت بنصف تعهداتها، والسعودية دفعت ۲۰ مليون دولار، والكويت أكدت أنها ستتبرع بمبلغ ٣٥ مليون دولار، وأعلنت إيران أنها ستقدم مبلغ ١٥ مليون دولار على شكل قروض تجارية.

وقد أمنتا تركيا وقطر حوالي ١٥% من تعهداتهما، ومصر لم تؤكد بعد ما تعهدت بالتبرع به من قبل، أما البنك الإسلامي ومنظمة الدول الإسلامية فقد قدما الأموال التي تعهدا بدفعهما بالكامل.

أما البنك الدولي فقد ضخَّ أمواله في مشاريع بالبوسنة والهرسك تقدر بحوالي ۱۳۷٫٥ مليون دولار، وهو بذلك قد أنجز نصف تعهداته.

وأما الشارع البوسني فما زال يئن تحت وطأة أربع سنوات ونصف من الحرب، ولم يربح سوى بعض الفارين من الحرب والذين عادوا مؤخرًا إلى بلادهم يحملون معهم رؤوس أموال جمعوها في مهجرهم ليعمل في مشاريعهم الاستهلاكية، أولئك الذين تحملوا عبء الدفاع عن بلادهم، وتم تسريحهم مؤخرًا من الجيش.

على كل حال فإن الغالبية العظمى من المشاريع الاقتصادية القادمة من الخارج لا تمس البنية التحتية للاقتصاد البوسني، وإنما تعمل في المجال الاستهلاكي، وهي المشاريع التي يشارك فيها رجال الأعمال الكروات الذين تدفقوا إلى البوسنة.

الجيش البوسني:

أما فيما يخص مسألة تدريب وتسليح الجيش البوسني - كما ورد في اتفاقية دايتون - فإن الأمور ما زالت غامضة بشكل كبير، وحسب المعلومات المتوافرة فإن خمس دول إسلامية تعهدت بدفع ٥٠٠ مليون دولار بهذا الشأن، وهي السعودية، والكويت، والإمارات، وماليزيا، وبروناي، وإن شركة MPRI الأمريكية قد تعهدت بتنفيذ ذلك، ووصل جنرالاتها بالفعل، وهم متقاعدون من الجيش الأمريكي إلى البوسنة.

وقد اختار العسكريون الأمريكان منطقة وسط البوسنة لإجراء التدريبات المتوقعة، أما سبب اختيار هذه المنطقة كونها كانت بؤرة الصراع المسلح بين المسلمين والكروات عام ١٩٩٤م، وتتوافر بها العديد من مصانع السلاح مما يسهل مراقبتها، والأهم أنها كانت القاعدة الرئيسية للمجاهدين، حيث تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على التأكد من مغادرتهم للأراضي البوسنية، كما أنها تهدف إلى سد الطريق أمام تعاون عسكري بين البوسنة وإيران، ويعتقد أن برنامج التدريب الموعود هو أسلوب جديد للإبقاء على القوات الأمريكية في المنطقة حتى لو سحب معظمها بنهاية هذا العام كما هو مقرر.

الصورة الأخيرة:

هكذا تبدو الصورة، إذن اقتصاد منهار، وجيش ينتظر وعود التسليح، وسيادة منقوصة، حيث قوات الأيجور من جانب، والآلاف من موظفي الموفد الأوروبي كارل بيلت من جانب آخر يديرون دفة الحكم على كافة المستويات في البلاد.

وعلى أرض البوسنة جمهوریتان انفصالیتان، هرسك البوسنة الكرواتية، والجمهورية الصربية، والحدود الدولية للبوسنة لا تتحكم فيها حكومتها والقوانين التي تصدرها اللجنة الدولية للانتخابات تضفي الشرعية على عمليات التقسيم ونتائج التهجير العرقي التي مارستها المليشيات الصربية طوال سنوات الحرب.

المسلمون إذن يفقدون في زمن السلام ما كسبوه في زمن الحرب.. فماذا تبقى إذن؟

لم يتبق غير الضربة الأخيرة، وهي التي تسعى لها الآن دول أوروبية لعقد مؤتمر جديد تحت اسم دايتون ٢، يهدف إلى معالجة العقبات التي تواجه العملية السلمية والتوصل إلى حلول «نهائية»، بمعنى آخر رسم الخطة الأخيرة لتقسيم البلاد، أي نفس الهدف الذي قامت الحرب من أجله، والذي دفع المسلمون للحيلولة دونه مائتي ألف قتيل .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 804

82

الثلاثاء 10-فبراير-1987

المجتمع المحلي

نشر في العدد 420

81

الثلاثاء 21-نوفمبر-1978

شؤون إسلامية (العدد 420)

نشر في العدد 715

67

الثلاثاء 30-أبريل-1985

المجتمع الإسلامي (العدد 715)