العنوان الانتخابات البرلمانية القادمة.. هل تعيد لهولندا مكانتها كواحة أوربية للتعايش السلمي؟
الكاتب خميس قشة
تاريخ النشر السبت 25-نوفمبر-2006
مشاهدات 93
نشر في العدد 1728
نشر في الصفحة 30
السبت 25-نوفمبر-2006
يطول الحديث عن أداء الحكومة الائتلافية الحالية بهولندا وما ضمته من أطراف يمينية متطرفة اتخذت من محاربة ما يسمى «الإرهاب» والأصولية مشروعًا سياسيًّا طوال الفترة الماضية للمزايدة واستمالة المواطن الهولندي، الذي ضاق ذرعًا من حالة الخوف والرعب التي يعيشها، خاصة بعد أحداث هجمات سبتمبر وحادث قتل المخرج الهولندي «ثيو فان خوخ» على يد شاب مغربي.. شرعت خلالها عدة قوانين وإجراءات أمنية مناهضة للأجانب تفرض قيودًا على إقامة المهاجرين.
كما تحد هذه القوانين من تجمع عائلات المهاجرين وتشدد الرقابة على المدارس الإسلامية وأنشطة الجمعيات والمؤسسات، أدت في عمومها إلى تهديد نسيج المجتمع الهولندي الذي يشكل المسلمون أحد خيوطه المهمة، وساهمت في زعزعة الأمن الداخلي للبلاد.
وقد تعرضت هذه السياسات طوال السنة الماضية لانتقادات مختلفة من برلمانيين وسياسيين ومحللين ومثقفين منددين بهذا التوجه المغرض، مطالبين بالتراجع عن بعض قرارات الهجرة والاندماج والنظر في وسائل جديدة تستعيد من خلالها هولندا مكانتها في التعايش السلمي وقبولها للآخر بديانته وعاداته وتقاليده.
تصدع الائتلاف الحاكم
وأفضت هذه المواقف إلى سجال طويل تصدع الائتلاف الحاكم باستقالة الحزب الديمقراطي 66 «الليبراليون الاشتراكيون» الصيف الماضي من الحكومة، ودفع إلى إجراء الانتخابات التشريعية قبل أوانها، والتي شارك فيها قرابة ١٢ مليون ناخب يوم الأربعاء الماضي.
ونظام الحكم في هولندا هو ملكية دستورية برلمانية، تسود فيها الملكة «بياتريكس» ولا تحكم، وتتربع على عرش هولندا عائلة «أورانج» منذ القرن السادس عشر، ويعتبر العرش وراثيًّا للذكور والإناث على حد سواء، ويشكل الملكة (أو الملك) والوزراء والبرلمان معًا السلطة القضائية، أما السلطة التنفيذية فهي في عهدة الملك ورئيس الوزراء صاحب الأغلبية النيابية والمكلف آليًّا بتشكيل الحكومة...
ويتكون البرلمان من مجلسي النواب المتضمن ١٥٠ عضوًا، ينتخبون مباشرة من أبناء الشعب كل أربع سنوات، والشيوخ المؤلف من ٧٥ عضوًا، تختارهم الحكومات الإقليمية من ١٢ مقاطعة سياسية..
واكتسبت هذه الانتخابات أهمية كبيرة للظروف الصعبة التي تمر بها المملكة. وقد انطلقت الحملة الانتخابية بسجال وانتقادات سياسية واقتصادية، واصفة تلك الحكومة بالانحياز للأغنياء على حساب الفقراء.. فيما ترى الحكومة المنتهية صلاحيتها برئاسة «بالكنينده» أنها حققت إنجازًا كبيرًا في النهوض بالاقتصاد والأمن، وأنها لا ترى مشكلة في الحجاب باعتباره من الحرية الشخصية، وهي خطوة لكسب ود الناخبين المسلمين.
فيما حاول زعيم الحزب الليبرالي «مارتين روتا» أن ينأى بنفسه قدر الإمكان عن الإخفاقات السياسية للحكومة الحالية والذي يعتبر الحليف الأساسي في تشكيلتها، وقد نظم قادة الأحزاب الكبيرة مهرجانات انتخابية في كل الأقاليم خلال هذه الأيام في سعي محموم منهم لتأمين أكبر عدد من الأصوات مركزين على القضايا المحلية المهمة، مثل: معاش الشيخوخة، وتحسين ظروف الشغل، وتخفيض الضرائب، والتأمين الصحي، ورفع قيمة المخصصات المالية للأطفال، وتسهيل حصولهم على دور للحضانة. وأشارت آخر استطلاعات الرأي العام أن المنافسة حادة جدًّا، بين اليمين الحاكم واليسار الذي يبدو متقدمًا نسبيًّا، والذي يتكون من الاشتراكيين اليساريين والاشتراكيين الديمقراطيين وحزب الخضر، وهم الأقرب لتشكيل حكومة أغلبية؛ نظرًا لتقارب برنامجهم الانتخابي والذين تبدو أطروحاتهم أكثر مرونة تجاه الأقليات، حيث إنهم ينادون بسياسة إدماج أفضل للأجانب قوامها الحوار والاحترام، في خطوة لاستمالة الصوت المسلم، الذي لوحظ تزايد أهميته على مر الاستحقاقات الانتخابية، فقد كان لهذا الصوت أهمية كبرى في الانتخابات البلدية الماضية.
ويبلغ عدد الأقلية المسلمة أكثر من 11 من عدد السكان، وتنامي وعي المسلمين في المشاركة السياسية التي تستند أساسًا على مبدأ أصيل وهو جلب المصالح ودرء المفاسد، وتحمل أهون الشرين لدفع أعظمهما من خلال الإقبال على المشاركة السياسية والتصويت للأحزاب التي تخدم مصالحهم، ولا تدعو إلى إقفال الأبواب أمامهم ومحاصرتهم، مما رفع نسبة إقبالهم على صناديق الاقتراع في الانتخابات البلدية الأخيرة، حيث بلغ عدد تمثيلهم في المجالس البلدية من ٥٠ إلى ٧٠ مقعدًا، كما يوجد في البرلمان الحالي ٨ أعضاء مسلمين موزعين على بعض الأحزاب.
أما نقاط التقاء الأحزاب الدينية المسيحية فهي الحد من تعاطي المخدرات، ومحاصرة ظاهرتي السحاق واللواط، والزواج المثلي، وقضية الموت الرحيم، وانفرد الحزب المسيحي الإصلاحي «إس جي بي» بموقفه الرافض لمشاركة النساء في الحياة السياسية، وأدى هذا الأمر في العام الماضي إلى رفع قضية ضده لدى المحكمة من إحدى المنظمات النسائية المحلية بسبب مواقفه العنصرية ضد المرأة، وأصدر القاضي حكمًا يلزم الحكومة بوقف دعمها المالي للحزب مما سبب له صعوبات مالية كبيرة.. واضطره إلى فتح باب العضوية للنساء.
أما نصيب السياسات الخارجية في الحملة الانتخابية فليس فيه جديد وخاصة في ملف الشرق الأوسط، إذ لا تتورع الحكومات المتعاقبة عن التحيز لـ «إسرائيل» فهي مؤيدة تقليدية لها في حروبها، إلى جانب تحالفها مع أمريكا ضد العراق وأفغانستان.