العنوان الانتخابات الأمريكية والديمقراطية على الطريقة العربية!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
مشاهدات 57
نشر في العدد 1030
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
- لقد وصفت صحافة
العقيد القذافي الانتخابات الأمريكية بأنها مسرحية سخيفة، تؤكد أن أمريكا في
حاجة إلى دروس في الديمقراطية الصحيحة
- لو كانت ديمقراطية
بوش صحيحة وحقيقة وفق المقاييس الصدامية أو القذافية لمكث في الحكم سنوات
وسنوات
كان لانتخابات الرئاسة الأمريكية
ونتائجها، نصيب كبير من التعليقات والتفسيرات والاحتفالات على الساحة العربية،
وذلك على المستوى الرسمي أو شبه الرسمي، ففي العراق كان الرئيس المهيب قد أعلن أنه
سيحشد مظاهرة ضخمة من مائة ألف حين الإعلان عن النتائج وسقوط بوش، فلما أعلنت
النتائج وفاز كلينتون قال القائد المهيب: «إن العراق هو الذي أسقط بوش، وإن سقوطه
هو انتصار للعراق». وربما ظن البعض أن المهيب قد رأى أن ينسب للعراق –الشعب
وجماهيره– عملًا من الأعمال أو تحركًا من التحركات على المستوى الدولي.
إلا أن الواضح -والشواهد كثيرة- أن
هذا الظن خاطئ؛ فالمهيب يرى أنه هو العراق وليس هناك عراق غيره، وأنه مصدر
القرارات وصاحب الانتصارات؛ لذلك أطلق عديدًا من الرصاصات في الهواء احتفالًا
وابتهاجًا بسقوط بوش، وهي طريقة في الاحتفالات والابتهاجات أصبح لها رصيدها على
الساحة العربية الواسعة، خاصة على الأصعدة الرسمية.
أما في ليبيا -الجماهيرية العربية
الاشتراكية الشعبية العظمى- فكان لتناول صحافة الرئيس العقيد للانتخابات الأمريكية
ونتائجها شكل آخر وإن كان في حد ذاته يعد أحد النماذج العربية طعمًا ونكهة ورائحة،
لقد وصفت صحافة العقيد القذافي الانتخابات الأمريكية بأنها مسرحية سخيفة، تؤكد أن
أمريكا في حاجة إلى دروس في الديمقراطية الصحيحة، ولن يتوفر لها الحصول عليها،
والعيش في بحبوحتها، إلا على أيدي خبراء في الديمقراطية الليبية.
لقد استغربت صحافة القذافي رؤية
الأمريكيين الطيبين يحاولون إقناع أنفسهم بجدية ما يجرى أمامهم من مهازل وسخافات،
فقالت جريدة الزحف الأخضر التابعة للجان الثورية –ومن المعروف في ليبيا أن اللجان
في كل مكان: إن النظام الأمريكي يمثل ديمقراطية الأغنياء، وإنه سيأتي اليوم الذي
يتتلمذون فيه على أيدينا لتطبيق الديمقراطية الصحيحة.
وفي بلد عربي قال مسئولون فيه، وعبر
الصحف التي تصدر في بيروت: إن الرئيس الأمريكي الجديد كلينتون «رجل سلام» يكره
الحروب ويحارب الحروب، ولكن بطريقة سلمية، ودليل ذلك أنه رفض التجنيد في حرب
فيتنام، ومن أجل ذلك فالرجل سيسعى حتى يرفرف ظل السلام وأعلامه على ربوع العرب.
ومن المؤكد أنه ليس هناك صوت ارتفع
في بغداد أو في طرابلس يناقض أو يعارض مقولة العراقيين الرسميين أو الليبيين
الرسميين؛ فالديمقراطية في ليبيا -أي في مفهوم العقيد ولجانه الثورية- هي حرية
القول المقصورة عليه دون غيره، فسواء كانت حرية الكتابة أو الخطابة أو التصريحات
فهي وقف عليه ولا حق فيها لغيره.. والخروج على ما يراه هو خروج على الديمقراطية
وانتهاك الشرعية وافتئات على المفاهيم الصحيحة والآراء السديدة، ولا يفعل ذلك إلا
ضال أو غادر أو متآمر أو رجعي كافر بالكتب الخضراء –وكل ما في ليبيا صار أخضر–
والعقوبة هي البتر والحذف والشطب من قوائم الشعب بإلقائه من طائرة أو تعليقه على
أعواد المشانق في الشوارع وسط عبث صبية اللجان الثورية ليكون العبرة والعظة..
فالعقيد هو الحكيم وهو المعلم وهو
المفتي في الإسلام والاشتراكية وفي الجماهيرية الشعبية، وهو الأخ القائد، وحده
يعرف الطريق، ووحده يعرف الأهداف والديمقراطية الصحيحة- التي لا يعرفها الأمريكيون
الطيبون- هي أن يسلم له الزمام حتى ولو خوت الخزائن وأهدرت الأموال وأقيمت
المشروعات الأكثر خطرًا وبعدًا من حرب النجوم والسفر بين الكواكب.
أما في العراق.. فالمهيب ألبس شعبه
حلل الرفاهية، ومتعهم بالأمن والأمان وفتح النوافذ والمغاليق لهتافات مدوية لصاحب
أم المعارك وقادسية العصر، الذي تخطى بعبقرتيه وشجاعته وإقدامه وبسالته صلاح الدين
وقطز! وسعى السعي الحثيث حتى رفل شمال العراق في جيب هادئ، آمن، وجنوبه في جيب أكثر
هدوءًا وأكثر أمنًا.
لقد دالت دولة بوش بعد فترة ولاية
واحدة بعد أن أسقطه الشعب الأمريكي، أما دولة المهيب فثابتة الأركان والدعائم
حولها التف ويلتف الشعب ممثلًا في الألوف من أبنائه الذين ينوبون عنه خير نيابة في
أجهزة أمن وهناء المهيب.
في ليبيا بنى الشعب سلطة العقيد
بدمائه وأمواله دليلًا على الحب والتفاني وثبت السلطان على كراسي الرئاسة والقيادة
والسلطة منذ 1969 عام الفتح الذي فاق فتح محمد الفاتح القسطنطينية وفتح مغاوير
العرب للأندلس وفتح عمرو بن العاص لمصر.
ولو كانت ديمقراطية بوش صحيحة وحقيقة
–وفق المقاييس الصدامية أو القذافية وعلى النهج الثوري العربي– ولو كان بوش قد
تتلمذ ولو لشهور على يد القذافي والمهيب وفي حضانات اللجان الثورية أو البعثية
المطلقية أو النصيرية لمكث في الحكم سنوات وسنوات تفوق الأسد في دمشق وسنوات
العديد من الليوث في غير دمشق... ولكن بوش يأبى إلا أن يكون أستاذًا.. ومن ثم
فعليه في عرف القذافي والمهيب ومفهومهما أن يتلقى الدروس والعبر والشماتة وفرحة
الأعداء.
إنه من السخف بل ومن الجهل
بالديمقراطية على الطريقة القذافية أو الصدامية أن يقول بوش بعد هزيمته: «ولقد
اختار الشعب الأمريكي.. وعلينا أن نحترم هذا الاختيار، كما يجب علينا أن نقف خلف
الرئيس المنتخب من أجل أمريكا وشعب أمريكا». من السخف في مفهوم زعماء الديمقراطية
العرب ومعلميها أن يتهور بوش، ويقول مثل ذلك لأن الزعيم المعلم القائد المغوار في
المفهوم الديمقراطي الصحيح هو وحده الذي يحسن الاختيار وعليه واجب التصحيح
والتوجيه للشعوب القاصرة العاجزة قبل وصولها إلى مرحلة الاختيار وهي مرحلة لا تلوح
للأبصار.
ومن البلاهة أن يقول كلينتون بعد
انتصاره: «إن هناك رئيسًا واحدًا لأمريكا خلال الفترة الانتقالية هو رئيسنا جورج
بوش، وإن إثبات حسن النية من قبل أي دولة أو جهة إزائي كرئيس منتخب لأمريكا هو
التزامها بكافة المعاهدات والاتفاقات والروابط مع أمريكا في هذه الفترة الانتقالية
برئاسة جورج بوش». من البلاهة أن يقول كلينتون ذلك؛ لأنه بالفعل لا يعدو جزءًا أو
مشهدًا من مسرحية.. وخير من يفهم في المسرحيات والتمثيليات هم زعماء الديمقراطية
العرب.
عمومًا لقد جنى بوش ثمار دیمقراطیته..
وسقط بعد فترة رئاسة واحدة لا تعدو الأربع سنوات ليصبح واحدًا في طابور الرؤساء
السابقين في الولايات المتحدة الأمريكية.
وما أبعد المسافة.. وما أشد الاختلاف
بين الديمقراطية على الطريقة العربية... والديمقراطية على الطريقة الأمريكية.