العنوان الالتزامات التاريخية لتركيا في البلقان
الكاتب هارون يحي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1999
مشاهدات 93
نشر في العدد 1343
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 23-مارس-1999
سيطرت الإمبراطورية العثمانية على شبه جزيرة البلقان في النصف الثاني من القرن الخامس عشر.. حينذاك كانت البلقان تضم سكانًا من النصارى، كانوا في نزاع دائم فيما بينهم، وقد سيطرت الدولة العثمانية في حرب كوسوفا الأولى، وحرب فارنا، وبعدها حرب كوسوفا الثانية على قسم منهم من شبه جزيرة البلقان، وحكمت الشعب في تلك المنطقة بنظام متسامح إلى أكبر درجة، فلم يسلكوا سبيل الصليبيين الذين استولوا على هذه الأراضي من المسلمين بحد السيف، بل إنهم على النقيض أعطوا السكان حرية الدين، وأنشؤوا النظام الذي من خلاله يستطيع الناس حماية معتقداتهم، وزيادة على ذلك فإن هذا النظام وفر لهم مستلزمات الحياة جميعًا.
وفي عهد السلطان سليمان القانوني الذي سيطر على شمال شبه الجزيرة بإلحاقه المجر إلى الدولة العثمانية، لم تلجأ الدولة العثمانية إلى سياسة القومية، أو التصفية، أو تغيير الدين بالقوة، أو ما شابه ذلك من سياسة الاستيعاب للآخرين.
العثمانيون- الذين رسخوا السلام والهدوء في البلقان- في ظل سياسة «السلام العثماني» و«سلطة ضمان السلام» التي تحملوها على عاتقهم، لم يسمحوا فقط بحرية الثقافة بين أفراد الشعب الأصليين، بل إنهم برغم الاختلافات جعلوهم يعيشون في أمان مع بعضهم البعض، فقبل وصول العثمانيين إلى المنطقة كانت الجماعات القومية والقبائل والجماعات الدينية تعيش في تناحر.
مفهوم النظام العالمي الذي شكل مبدأً استراتيجيًا للسياسة العثمانية لم يكن هدفه فقط توسيع رقعة الإمبراطورية، لكنه في الوقت نفسه كان يهدف إلى ترسيخ النظام على هذه الأراضي، ولم يكن العثمانيون مثل المغول الذين كانوا يستولون على البلدان ثم يقومون بسلبها وحرقها وهدمها، بل على العكس، لقد حمل العثمانيون النظام والحضارة إلى كل مكان وصلوا إليه.
في ظل الإمبراطورية العثمانية وصلت البلقان- التي كانت مسرحًا للصراعات والحروب على مر العصور- إلى استقرار وهدوء دام حتى القرن التاسع عشر، فقد عاش شعب البلقان: الصرب، وأهل الجبل الأسود، واليونانيون، والبلغار، والبوسنيون، والمجريون، والألبانيون، واليهود، والغجر محافظين على هويتهم، وعم السلام بينهم دون صراعات.
أنهى العثمانيون بجلبهم السلام والراحة إلى البلقان استبداد الصرب في المنطقة، وحطموا أوهامهم في إقامة دولة صربيا الكبرى، وقد عكست هذه الحقيقة كلمات «كنيزي لازار»، الذي مات بعد أن مني بخسارة ساحقة أمام مراد الأول في معركة ميدان كوسوفا، وقد جعلت كلمات «لازار»، التي كتبت على نصب تذكاري فوق قمم «برشتينا»، تزايد عداوة وخصومة الصرب ضد الأتراك والمسلمين واضحًا جليًا.
لم ينس «ميلوسوفيتش»، وباقي متعصبي الصرب القوميين الذين عاشوا على خيال قيام دولة صربيا الكبرى كلمات «لازار»، فقد أقسموا على ألا يهزموا أمام المسلمين حتى يتم لهم تأسيس دولة صربيا الكبرى، ويعتبر ما حدث في البوسنة طوال أربع سنوات- وما يحدث اليوم في كوسوفا- أثرًا واضحًا لأولئك الصرب القوميين الذين اتبعوا طريق «لازار»، ولكن هناك حقيقة أخرى لهذه الكلمات، وهي أن مهمة ومسؤولية الأتراك في حماية أراضي البلقان ضد اعتداءات متعصبي الصرب القوميين قبل مئات السنين ما زالت قائمة حتى اليوم.
شرط السلام في البلقان
ما زال الصرب اليوم- وكما حدث في التاريخ القديم- يلقون دعمًا وتشجيعًا من قبل النصاري الأرثوذوكس، وعلى رأسهم الروس، ولا يزال الغرب يدعم الصرب أحيانًا وبشكل سري، ويغض الطرف عن مجازرهم للمسلمين، ولعل أهم الأسباب لهذا أن الصرب لا يزالون ولو بشكل جزئي «حراس الباب» من قبل الغرب، حراسًا ضد من....؟ بالطبع ضد المسلمين والإسلام.
لقد بعثت الاتفاقات التقليدية في البلقان من جديد، فهاهم الصرب واليونانيون يقفون في الصف نفسه كما حدث في التاريخ من قبل، وفي الجانب الآخر كون البوسنيون والألبانيون مع بقية المسلمين جبهة أخرى مقابلة، وهذا يعني أن التاريخ في البلقان والبوسنة يعيد نفسه، ولم يتغير سوى غياب الإمبراطورية العثمانية، وقد وقع العبء الآن على الوريث الوحيد للإمبراطورية العثمانية الممثل في تركيا لملء هذا «الفراغ الإداري»، واليوم تعتبر تسمية الصرب لكل من البوسنيين الكوسوفيين، والألبان، والمقدونيين والكروات الذين يعيشون على تلك الأراضي بالأتراك أحد أهم الأدلة التي توضح متانة العلاقة بين شعوب البلقان والأتراك.
لا يوجد أي خيار آخر للمسلمين الألبان الذين يشكلون ٩٥% من سكان كوسوفا لحمايتهم من اعتداءات الصرب غير حصولهم على الاستقلال، ولا نعني حصول كوسوفا على الاستقلال تحت سيطرة الصرب؛ لأن ذلك سيكون سببًا رئيسًا لعدم الاستقرار في المنطقة.
ففي هذه المنطقة تقع مهام كبيرة على عاتق الأتراك، إذ يجب على تركيا- كدولة مسلمة ووارثة للإمبراطورية العثمانية- أن تتبنى وبشكل فعال حقوق تلك المجتمعات، وأن تحتفظ برسالتها الدينية التاريخية، وكذلك تقييم احتواء البلقان الذي يعتبر فرصة استراتيجية كبيرة لها، فتركيا تعتبر امتدادًا للدولة العثمانية، وهذه الحقيقة ستظل حقيقة تلازمها حتى وإن لم تجد القبول من قبل بعض الأشخاص والقوى أحيانًا.